حرية النقابات وتدخلات الأحزاب بقلم/ د. سلامه أبو زعيتر

0
48

في ظل التطورات العصرية لمفاهيم عمل المؤسسات واستجابتها للمتغيرات والمستجدات التقنية والتكنولوجية والعالم الرقمي والفضاء الأزرق،  وارتباطها بالأدوار ومبررات وجودها أصبح واضح للجميع طبيعة عملها ووظيفتها الحالية على مستوى ما تقدمه من خدمات للنهوض بالمجتمع، وعند الحديث عن التنظيم النقابي وطبيعة علاقته بالأحزاب السياسية، من المهم التوضيح بأن النقابات تمثل أجسام نضالية مطلبية تضم أفراد و مجموعات من مهنة أو مهن متشابهة أو متكاملة أو متقاربة تنظم عملها وينظم عملها لوائح وقوانين يحكمها معايير عربية ودولية تقوم على حرية العمل النقابي واستقلاليته، بينما الأحزاب والقوى السياسية تضم أفراد و جماعات بغض النظر عن أي شروط مرتبطة بالمهنة، وهي فئات متنوعة تجمعها الأيدولوجيا والفكر الحزبي، وتضبط الأعضاء معايير وضوابط وشروط الحزب، وهذا الاختلاف بين النقابات و الأحزاب، يؤكد أن النقابات تختلف في مفهومها وفكرها عن الأحزاب وإن تقاطعوا أحياناً في الأدوار، فالحزب السياسي يسعى للوصول إلى الحكم و تداول السلطة بشكل سلمي، بينما النقابات هدفها الاستراتيجي حماية الأعضاء والدفاع عن مصالحهم و تحسين ظروف وشروط عملهم و حماية حقوقهم و صون كرامتهم بالعمل اللائق والأجر الكريم، فالنقابات لا تخطط ولا تسعى من أجل تحقيق مكاسب سياسية و الوصول للسلطة، انما تسعى لحياة أفضل للعمال بشكل عادل ومستقر وأمن وتدعم السياسات التي تنسجم مع أهدافها.

كما أن النقابات بكافة أنواعها سواء المهنية أو العمالية، العضوية فيها مشروطة بالمهنة وممارسة العمل كما هو حال النقابات العمالية والتي عضويتها طوعية بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية، فهي تضم الحزبين وغير الحزبين بغض النظر عن رؤيتهم وتوجهاتهم السياسية والايدلوجية ويجمعها طابع الصالح والحقوق، بينما الأحزاب تضم في عضويتها الأعضاء المؤمنين بالايدلوجيا والفكر السياسي والبرنامج ولوائح التنظيم أو الحزب، ولا يوجد ما يمنع من اشتراطات في إطار عضوية النقابات أو الأحزاب أن يجمع العضو بين العضويتين الاثنتين الحزب والنقابة، الأمر الذي يؤكد استقلالية النقابات عن الأحزاب والقوى السياسية.

من خلال تحليل الواقع نلاحظ أن النقابات تضم في عضويتها أشخاص لهم انتماءاتهم السياسية والحزبية، وهناك محاولات تهدف لاستقطاب العمل النقابي لصالح الأحزاب و فرض الوصاية عليه والتأثير في قراراته بما ينسجم مع المصالح الفئوية والحزبية وهو ما يتعارض أحيانا مع مصالح الاعضاء، فالتجربة أثبتت بأن استقلالية النقابات و قراراها يعزز قوتها و فعالياتها لصالح القضايا النقابية والمطلبية التي تقودها ، فالنقابات القوية تلك التي تقوم على أساس ديمقراطي جماهيري مستقل تجمعها مصالح الأعضاء، وتوحد تحركاتها الحقوق المطلبية ضمن الدور والوظيفة المناطة بها ، والتي تمثل مبررات وجودها وهذا ما يساعد في تعزيز دورها على الصعيد الوطني و في ميادين العمل .

إن كانت الأحزاب السياسية تسعى للوصول للنظام السياسي، فالأصل أن تمر من خلال تحقيق مصالح الناس وتأمين حياة كريمة ومستقرة لهم ولأسرهم عبر الضغط من أجل التغيير، وتبني قضايا الناس الاقتصادية والاجتماعية ومساندتهم في مواجهة وتغول الحكومات المنحازة لمصالح رأس المال وترهق المواطنين بالضرائب والجباية والغلو بالأسعار مما زاد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية عليهم كي تساعدهم على التعبير عن مصالحهم بصورة جماعية ومنظمة، وتقديم نماذج وبرامج تنافس في حماية مصالح الناس وهذا دور الأحزاب والقوى السياسية، وأن تدعم النضالات الاجتماعية التي تقودها النقابات والمؤسسات المدنية والأهلية.

وهذا الامر يوضح أن طبيعة العلاقة بين مكونات النظام السياسي، حيث أن الأحزاب والقوى السياسية لها أدوار متعددة، والنقابات لها وظيفتها وأدوارها المرتبطة بالأهداف التي تكونت على أساسها، واذا ما فكرنا بتطوير النظام السياسي والاجتماعي، ليصبح ذو تأثير وقادر على التعبير عن تطلعات وآمال المجتمع، يجب العمل على تقوية النقابات باعتبارها أكبر مؤسسات المجتمع المدني، وتمكينها من القيام بالدور المناط بها كمؤسسات نقابية اجتماعية تسعي لتحقيق العدالة والحماية الاجتماعية بالطرق ذات البعد نضالي مطلبي لتستطيع التعبير عن الفئات التي تمثلها، وهذا يتطلب فتح المجال للانتشار والتوسع النقابي وانشاء نقابات جديدة يقودها ممثلين حقيقيين وقيادات ذات قدرات ومهارات متنوعة تستطيع أن تعبر عن حقوق العاملين بالمهن والحرف والتخصصات المهنية والقطاعات العمالية، ولكي تكون هذه النقابات قوية ومؤثرة يجب أن تكون واسعة العضوية والتمثيل، وتكون قيادتها منتخبة بشكل ديمقراطي، ولديها برنامج نضالي تنموي يحاكي مصالح الأعضاء وتطلعاتهم نحو المستقبل، وينظم عملهم لوائح وأنظمة داخلية مقرة وفق الأصول وبشكل ديمقراطي، وتدير أعملها وأنشطتها بالتشاركية واتخاذ القرارات الجماعية والعمل ضمن فريق عمل متجانس بالإدارة الجماعية نحو الهدف والغايات النقابية، ومبررات الوجود لهذه الاجسام النقابية التي تسعى لتحقيق المصالح والقضايا المطلبية، رغم تعارضها  في أغلب الاحيان مع النظام السياسي وسياسات الحكومات والمصالح الضيقة للأحزاب والقوى السياسية،  وأطماع وجشع بعض المشغلين.

ولتنجح النقابات في علمها وتغدو مؤثرة كممثل حقيقي للفئات والشرائح التي تمثلها، يجب أن تدار ضمن معايير الحوكمة والإدارة الرشيدة، وأن تتميز عن غيرها من المؤسسات بالأداء والاسلوب الديمقراطي المميز والسليم في القيادة الناجحة باعتبارها أجسام نضالية ثورية تسعى للتغيير نحو الأفضل.

كما من المهم إن تعزز النقابات القيم والاتجاهات نحو استقلالية العمل النقابي وقراراته بما يحافظ على دوره النضالي، وتسعى للتشبيك مع كل مكونات المجتمع المدني من خلال بناء التحالفات بما يساعد النقابات على تحقيق أهدافها وتعزيز قوتها في التأثير والمناصرة لمساندة قضايا الأعضاء، فالأصل أن تجند النقابات كل مكونات النظام الاجتماعي بمزيد من الحشد والتضامن، لصالح قضاياها العادلة وذات البعد الحقوقي القائم على تحقيق الحماية الاجتماعية والعدالة وصون الكرامة والانصاف وضمان الاستقرار والأمان الوظيفي وتعزيز السلم الأهلي وحماية الحقوق وصولا للعمل اللائق والكريم.

أخيرا أن النقابات بحاجة لوجود تشريع وقانون ينظم الحياة النقابية ويحدد الأدوار والوظائف بما ينسجم مع المعايير الدولية وضمن الحريات النقابية بدون قيود، بحيث يتم الحفاظ على دور النقابات واستقلاليتها بما يعزز دورها النقابي والمطلبي والمهني لخدمة أعضائها،  وأن لا تتدخل في أي شأن يتعارض مع تخصصها ومجالات عملها، فلا تقوم بدور الأحزاب، ولا تقوم الأحزاب بالتدخل في شئونها المهنية، أو تفرض أجندتها على برامج وأنشطة النقابات، بحيث تكون العلاقة تكاملية في إطار خدمة المجتمع والنهوض به، ولعل الدول والمجتمعات التي منحت النقابات حقها بممارس العمل النقابي بحرية سجلت نماذج في التقدم والازدهار في البناء الاجتماعي عن غيرها من الدول المتخلفة التي حاصرت النقابات وقيدت حركاتها بفرض الوصاية عليها، مما أعطاها الطابع حزبي أحياناً، مما أضعف دورها وقوة تأثيرها.

وهناك تجارب عربية ناجحة لاستقلالية النقابات منها تجربة اتحاد النقابات العمالية في الدولة الشقيقة تونس، بما لعب من دور ناجح في تعزيز الحوار الوطني والسلم الأهلي، حيث قاد المصالحات الوطنية بشكل نموذجي، وعليه فاستقلالية النقابات يمنحها قوة تأثير وقبول لدى الجميع، لذا نتطلع لدور فعال، وهدف في العمل النقابي قادر أن يقود مهمات نقابية ونضالية واضحة وذات فعالية لحماية الأعضاء، والمساهمة في التغير نحو مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

  • عضو الأمانة العامة في الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين

اكتب إلى د. سلامه أبو زعيتر