الوضع الفلسطيني: سيناريوهات مستقبلية ورؤية استراتيجية د. يوسف يونس

0
271

تنشغل الدوائر الاستخبارية الاسرائيلية في محاولة لرسم صورة واضحة عن مستقبل الوضع في الاراضي الفلسطينية ، نظرا لانعكاساته المحتملة على الوضع الاسرائيلي، في ظل حالة الغموض الذي يغلف الاحتمالات المستقبلية ، وغياب آليات واضحة لانتقال السلطة، وصعوبة إجراء انتخابات جديدة في ظل الانقسام، وتعدد وتشابك العوامل المؤثرة والمحددة للاتجاهات المستقبلية، والتي سيكون من المتوقع ان تكون بيئة مليئة بالتحديات، حيث سيكون من المتوقع أن يكون لموازين القوة على الارض كلمة الفصل في حسم مستقبل الوضع الفلسطيني ، مع الاخذ في عين الاعتبار دور الحسابات الاقليمية والحسابات الاسرائيلية.

تنحصر السيناريوهات المستقبلية الفلسطينية ما بين فشل الانتقال الآمن للسلطة وما قد يتبعه من صراعات داخلية فلسطينية قد تؤدي الى انهيار السلطة الفلسطينية قد تمهد الطريق امام تمرير المخططات الاستراتيجية في الضفة الغربية. واحتمال الانتقال السلمي للسلطة وهو الامر الذي ينحصر في اسماء عدد من المرشحين من قيادات حركة فتح: حسين الشيخ وجبريل الرجوب ومروان البرغوثي ومحمود العالول، وهو الامر الذي يتراوح ما بين الصراع المفتوح ما بين هذه القيادات ، واحتمالات التوصل الى تقاسم السلطات فيما بينهم .

التجهيزات التي تشهدها القيادة الفلسطينية ، للمرحلة المقبلة ، استنادا الى أن منظمة التحرير الفلسطينية، هي صاحبة الولاية القانونية والشرعية الدولية، تواجهها الكثير من التعقيدات التي ستعرقل الدور الوظيفي لمنظمة التحرير، خاصة في ضوء الجدل الذي تشهده الساحة السياسية الفلسطينية، والذي يعكس عمق أزمة النظام السياسي الفلسطيني ، ويضع عقبات مؤثرة امام حسم ترتيبات انتقال السلطة بصورة طبيعة، ما قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية وتدخلات إسرائيلية وإقليمية ستزيد الأمر تعقيدا.

التركيز على موضوع “خلافة الرئيس” دون الاهتمام بأزمة النظام السياسي الفلسطيني، يعني التوجه الى تعميق الازمة، واقتراب المشهد الفلسطيني من “الفوضى الشاملة”، في ضوء العجز عن اتخاذ قرارات حاسمة، سواء على صعيد تسارع مخططات الاحتلال للسيطرة على الاراضي الفلسطينية لتنفيذ مشاريع استيطانية وزيادة أعداد المستوطنين، او مواجهة الانفصال بين الضفة وغزة والذي يترك انعكاساته الخطيرة على مستقبل القضية الفلسطينية، خاصة في ظل سياسات التطبيع التي تبنتها الكثير من الدول العربية، والتي أضعفت البعد العربي للقضية الفلسطينية ، والتحولات الدولية الاخيرة، التي جعلت قضية فلسطين غير حاضرة في مسارات دولية واقليمية رئيسية.

بينما تواجه حركة فتح صعوبات كبيرة في ظل حالة الصراع التي تعيشها والتي من المتوقع ان تتصاعد حتى انعقاد المؤتمر الثامن، والذي يتوقع ان يكون حاسماً في تحديد اتجاهات الصراع داخل الحركة، الا انها ستظل بحاجة الى شرعية صناديق الاقتراع لاي من اختيارات اللجنة المركزية لحركة فتح، اضافة الى غياب قدرة الاطراف الرئيسية على عقد تحالفات داخلية وخارجية، خاصة مع تعمق الانقسام بين جناحي الوطن، الضفة الغربية وقطاع غزة.

تركز الصراعات بين القيادات الفلسطينية على البعد الجغرافي والعشائري من المتوقع ان يعزز التوجه الاسرائيلي لفرض الدور الوظيفي للسلطة الفلسطينية المحدود في الوظيفة الامنية والخدماتية ، وقد يؤدي الى تعزيز قوة الانفصال بين المناطق الفلسطينية ، خاصة في ظل غياب التركيز على مشروع وطني يجمع بين ابناء الشعب الفلسطيني من كافة المناطق.

رغم أهمية التوازنات الداخلية في تحديد الرئيس القادم إلا أن الموافقة الإسرائيلية والإقليمية والدولية تعتبر ضرورية لأي رئيس قادم، والعامل الحاسم لن يكون حركة فتح أو الشعب الفلسطيني فقط، وسيكون بحاجة الى توافقات إسرائيلية وإقليمية ودولية.

سيناريو انهيار السلطة الفلسطينية ، مستبعد اسرائيليا نظرا لمخاطره المحتملة على اسرائيل، في ضوء التخوفات من احتمالات انتشار الفوضى الامنية في الاراضي الفلسطينية وامتداد تأثيرات هذا الامر الى اسرائيل، التي تسعى دائما الى ضمان وجود سيطرة امنية في مناطق الفلسطينيين ، في ضوء الحديث عن مرحلة ما بعد الرئيس عباس ، سيكون المحدد الرئيس في تحديد مستقبل النظام السياسي هو “الامن”، ونظرا لتدهور الوضع الامني في الضفة الغربية وعودة جيش الاحتلال الى نشاطاته في عمق المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية، ولذلك فان هناك ضغوط في اسرائيل للبحث عن الطرف الفلسطيني القادر على تنفيذ تلك التوجهات في المرحلة المقبلة. وستسعى اسرائيل لتحويل مسار الصراع في الضفة الغربية باتجاه أن يكون صراع فلسطيني – فلسطيني لتخفيف الاعباء الامنية المترتبة على قوات جيش الاحتلال، ما يساعدها ويوفر لها المساحة لتمرير وتنفيذ مخططاتها ومشاريعها الإستراتيجية في الضفة الغربية وترسيخ مشروعها الاستراتيجي لإنهاء حل الدولتين .

تصعيد قوات الاحتلال اجراءاتها القمعية ضد الشعب الفلسطيني ، افقد السلطة الفلسطينية الكثير من شعبيتها، وهو ما سيفرض تحديات كبيرة امام القيادة الفلسطينية المرتقبة التي ستكون مطالبة باحداث توازن في توجهاتها للسيطرة على الشارع الفلسطيني، وهو الامر الذي قد يضعف من فرص وحظوظ المرشحين الحاليين والذين ينتمون جميعهم الى حركة فتح، اضافة الى صراعاتهم الداخلية التي ستضعف قدرتهم على توجيه الاوضاع باتجاه انتقال آمن للقيادة الفلسطينية في مرحلة ما بعد الرئيس عباس.

قطاع غزة سيكون له دورا هاما في حسم مستقبل الاوضاع في الضفة الغربية في المرحلة المقبلة ، خاصة في ضوء توجهات حركة حماس لاستخدام الاوضاع في الضفة الغربية كرافعة لتعزيز أهدافها في غزة، وترسيخ مكانتها في قيادة النضال الفلسطيني. وهو الامر الذي سيعني زيادة وتكثيف مهام الجيش الاسرائيلي في داخل الضفة الغربية، وهو ما يتطلب استباق تلك المرحلة بالبحث عن بديل جاهز وقادر على ضبط الامن، ولا مانع لدى اسرائيل من صياغة التفاهمات اللازمة مع هذا البديل الذي من المفترض ان يخدم المصالح الاستراتيجية الاسرائيلية. الا انه من المستبعد ان تسمح اسرائيل لحركة حماس بالسيطرة على الاوضاع في الضفة الغربية ، فاستمرار الانقسام وبقاء جناحي الوطني بعيدا عن سيطرة طرف فلسطيني قوي سيظل هدف استراتيجي اسرائيلي.

Download (PDF, 273KB)