عبد الرحمن بسيسو إنَّمَا هُنَّ ذَوَاتُ الْهِمَّةِ الصَّوْغُ الملْحَمِيُّ لِشَخْصِيَّةِ الأُمِّ في الرِّاويَة الْفِلَسْطِيْنِيَّة

0
107

لا تَظْهَر شَخْصِيَّةُ “الْأُمِّ”، في الرِّوَايَة الفِلَسْطِينية إلَّا مُكْتَمَلةَ الهُويَّةِ، مُفْعَمَةً بالعَطَاءِ الدَّافِقِ وحيَويَّة الحُضُورِ، وذلِكَ مُنْذُ لَحظة انبثاقِ هذا الحُضُور في السَّرد الروائيِّ. وإنْ لم يَكُنْ هذا الأمرُ شَاملاً ومُطْلَقاً، بطبيعَةِ الحَالِ، فَإنَّهُ لَمُتَكرِّرٌ بكثافَةٍ لافِتَةٍ تتميَّـزُ بِتَنَوُّعِ التَّجليَاتِ الجَمَاليَّةِ في نطاقِ صَوْغٍ ملحمـيٍّ لِشَخْصِيَّةٍ روائيَّة.

هكذا ظهرت “اُمّ مُحَمَّد، في رواية تَوفيق فَيَّاض”حبيبتـي ميليشيا”(1)، وهَكذا تَظْهَرُ “أُمُّ حَسَن” في رواية “العُشَّاق”(2) لرشاد أبي شاور، و”أُمُّ سَعد” في رواية غَسَّان كَنَفَانِي “أمُّ سَعْد”(3)، بل إنَّ هذا هو حَالُ الأعَمِّ الأغْلَبِ مِنَ “الأُمَّهَاتِ” اللَّواتي نلتقيهِنَّ، ونتعَرَّفُهُنَّ، ونُتَابِعُ سِيَرَهُنَّ، ونَخوضُ مَعْهُنَّ التَّجارِبَ اللَّواتي يَخُضْنَهَا على صَفَحَاتِ الأعَمِّ الأغلبِ من الرِّوايات الفِلَسْطِينية، حيثُ يَتَمَيَّـزنَ بِظُهُورٍ افتتاحيٍّ مُكْتَمِلٍ يُؤسِّسُ استمرارَ حُضُورهنَّ كشخصياتٍ ملحميةٍ مُكْتَمِلَةِ الهُوِيَّة، ويَفْتَحُ آفاقَ تَجْلِيَةِ مُكَوِّنَات هذه الهُويَة، وتَجْسيدِ تنزيلاتِهَا السُّلُوكِيَّةِ، عبرَ صيرورة السَّردِ، وعلى مَدَى تَطَوُّرِاتِ الحَركَةِ الرِّوائيَّة وتَتَابُعِ أحْدَاثِهَا، ووقَائِعِها، وتَحَوُّلَاتِهَا.

تظهر  “أم حسن” في رواية “العُشَّاق”، مُنْذُ لحظةِ بَدْئِهَا، هكذا: “ساقان … مغروسان في الطِّين … عند العمل تكون أم حسن نحلة، لا، تكون ورشة، لا تكون طيناً يمزج طيناً، وجهها المُخَدَّدِ الأسمر القاسي الطيب، جسدها الضئيل، كومة العظام في الجلد الأسمر المحروق. قامتها المائلة إلى القِصَر، تنبض، كلها حياة، وقوة، وأغاني شجية”(العُشَّاق، ص56،57).

وهكذا تبدو “أُمُّ حَسَنٍ”، في عيون الرَّاوي، وهي منهمكة في العمل: “نصبت جذعها وسط جبلة الطين، بدت مثل زيتونة جبلية، صغيرة، ولكنها قوية هذه المرأة – هكذا قلت لنفسي- لا تصنع الطُّوب من أجل الربح، إِنَّها تستمتع بخلق هذا الطُّوب، وبأنَّ النَّاس يبنون بيوتاً من عرقها وجهدها”(العُشَّاق، ص111،112).

هكذا، إذنْ، نلتقي “أم حسن” ونعرفها، خيـر المعرفة، منذ بدء حضورها في بداية الرِّوَايَة، وهكذا يظلُّ ما أدركناهُ من سماتها، وملامحها، وخصائص هُوِيَّتها، ثابتاً وراسـخاً حَتَّـى النِّهاية؛ فهـي شخصية لا تتناقضُ، تحمل الماضي وتدركُ تفاصيله بعمق، فترفد حركة الحاضر بما يفتحها على المستقبل، وكأنَّما هي شجرة أعْطتْ ثِمَاراً، وتنطوي على ثِمَارٍ، وتَعِدُ بالمزيْدِ من العطاءِ والإثمار، فهيَ لا تمنع ابنها من القتال مع الفدائيين، بل تَسْعَدُ بالدَّور الذي يقوم به. إِنَّهَا الأُمًّ الْفِلَسْطِيْنِيَّة “المثال”، وهي الحِكْمَة الشَّعْبِيَّةُ ببساطتها وعفويتها، وعمقها أيضاً، وهي رمز التَّشَبُّثِ بالأرض، والانتماء الرَّاسخ إليها، بَلْ لَعلَّهَا تكونُ هي إيَّاهَا فلا تَكونُ الواحِدةُ مِنْهُمَا إلَّا نَظيـرةَ الثَّانيَةَ وردِيْفَتَهَا المُطابِقُة: هُوِيَّةً، ومَدْلولاتٍ، ومَعَانٍ، وتجَلَّياتِ سُلُوكٍ، وُجَوهَرَ وجُودْ.

وعلى هذا النَّحْو تظهر “أم سعد” في عيون الرِّوائي غسَّان كنفاني الذي هو راوي روايتها، ومُنْذُ البدء أيضاً: “فجأة رأيتها قَادِمَةً من رأس الطَّريق المُحَاطِ بأشـجار الزَّيتون، وبدت أمام تلك الخلفية من الفراغ والصَّمت والأسى مثل شيء ينبثق من رحم الأرض .. هذه المرأة تجيء دائماً، تصعد من قلب الأرض وكأنها ترتقي سلماً لا نهاية له … تحمل الصُّرة الصَّغيرة التي تحتفظ بها دائماً، وتسير عالية، كما لو أنها عَلَمٌ ما، تَحْمِلُهُ زُنُودٌ لا تُرى. ودخلت أم سعد، فَفَوَّحَتْ في الغرفة رائحةُ الرِّيف” (أم سعد، ص245،246).

***

ولتقديم “الأمِّ” على هذا النَّحو الملحميِّ الرَّامز للأرض/ الرَّحم، أي الأُمِّ التي تَلْتَحِمُ جُذُورُها الرَّاسِـخَةُ بجذور الماضي، والَّتي تختـزن في رحِمِهَا بُذُورَ الحاضر، لتُنْبِتَ ثمار المستقبل التي تَكْتَنِـزُ،  في أصْلابِهَا، وعُودَ إثْمَارٍ دائِمٍ، وتَجَدُّدِ ولاداتٍ مُسْتَمرٍّ، أنْ يُؤسِّس، بدوره، لإقامة التَّوازي الدَّال بين الأُمِّ، و”شَـجَرة الزَّيتون” على وجه الخُصوص، فكلتاهما تُمَثِّلانِ الأصالةَ، والعطاءَ الدَّافِقَ، والارتباطَ الجُذُورِيَّ العميْقَ بالأرض، واستمرارَ الحُضُورِ الحياتيِّ الحيَويِّ، الفَاعِلِ والمُثْمِرِ والمُتَجَدِّدِ الْخلَّاقِ، في الأرضِ الفلسطينيَّة، وفي مساراتِ التَّاريخ، وفي مداراتِ الحضارةِ، وعَبْرَ شَتَّى تَجَلِّيَاتِ الوجود.

وربما تكون هذه المدلولاتُ، القابِلَةُ للانبثاقِ والتَّوالُدِ من رَحْمِ علاقة رمزية مفتوحة على فضاء دلاليٍّ شاسع، هي ما دفع الإنسانَ الفِلَسْطِينيَّ إلى منح شَـَجرةِ الزَّيتون قيمةً حياتيَّةً عَمَلِيَّةً، ومدلولاتٍ رمزيَّةً ذات مغْزى وجُوديٍّ حَمِيمٍ، وذلك إلى حدِّ “التَّغَزُّل فيها كشـجرة ذات جذورٍ ضاربةٍ في التَّاريخ الشَّعْبيِّ”(4).

وربَّما تكون هذه المدلولاتُ الثَّريةُ، والمفتوحةُ على تأويلاتٍ وقراءاتٍ شتَّى، هي ما حفَّزَ المبدعين الفِلَسْطِينين، على تَعَدُّدِ مجالاتهم الإبداعيَّة، الأدبيَّة والفنِّيَّة، على اسْتِلْهَام هذا التَّوازي الرَّمزي وتوظيفه، بكثافة لافتة وعبْـرَ تجليَّات فنِّيَّة وجماليَّة مُتنوِّعة، في أعمالهم الإبداعيَّة، وذلك بالْقَدْرِ الَّذي حفَّزَ الروائيين الفِلَسْطِينيين، من منظور فكريٍّ وجماليٍّ مُتَواشجٍ، على استلهامه وتوظيفه في  بناءِ الشَّخْصِيَّات الروائيَّة،  ولا سِيَّمَا الملحمية منها، وذلك على نَحْو ما نُلاحِظِهُ في بناء شَخْصِيَّة “الأُمِّ”، وعلى نَحْوٍ ما يُمْكِنُ أنْ نلاحظه في بناء شخصية “الأب”(5)، وإنْ بدرجة كثافةٍ وتكرارٍ أَقَلَّ، وبدلالاتٍ مُغَايرةٍ، مُعدَّلَةٍ أو إضافيَّةٍ، تستجيب لطبيعة الشَّخصِيَّة من جِهَةٍ، وللدَّور الاجتماعي والنِّضالي الفعْلِيِّ الذي تنهضُ بأدائهِ في الحياة من جِهَةٍ ثانيَة.

وإننا لنلتقي هذا الرَّمز الحيويِّ الثَّريِّ، الذي تُجَسِّده “أُمُّ سَعَدْ” و”اُمُّ مُحَمَّدْ” و”أم حَسَنْ”، في الأعم الأغلب من الرِّوايات والقصص الفِلَسْطِينية التي ترسم صُورةَ “الأم”، وتَصَوْغُ مُكَوِّناتِ هُوِيَّتِها، في ارتباط وثيق مَعْ حرصها على تشـخيص “الواقعِ القَاتِمِ القائم”، وبلورة رؤية مستقبليَّة تَقُودُ الخُطوَ الفلسطينيَّ الجَمْـعِيَّ صَوبَ إدراك “الواقع المُنِيْـرِ المنشود”، فأُمُّ سعد “ليست امرأة واحدة، ولولا أنها ظلَّت جسداً وعقلاً وكدحاً في قلب الجماهير وفي محور همومها وجزءاً لا ينسلخ عن يومياتها، لما كان بوسعها أن تكون ما هي”(أم سعد، ص 242).

وهذا العَامُّ، والكُلِّيُّ، الذي تُصَوِّرُهُ “أمُّ سَعد” في رواية “أُمُّ سَعد”، يذكرنا بشـخصية “أم الخيـر” في قصة “أم الخيـر”(6) لتوفيق فياض. فلئن حضرت “اُمّ مُحَمَّد” في “حبيبتـي ميليشيا” بوصفها “الأم الفِلَسْطِينية”، بألف لام التَّعريف، لكونها تنتمي إلى كل فِلَسْطِين، ولأنَّ بيتها هو “القيادة العامة” للثَّورة، فإنَّ “أم الخيـر” هي “الأُمُّ الفِلَسْطِينية” الخَيِّـرةُ الجَامِعَةُ، “فقد كان كل ما لديها لنا، كل أشيائها التي كانت تصنع الحب للصِّغار .. حتى غضبها. فإذا مرت بَسْمَةُ يَدِهَا الخيرة على جبين مريضنا شفي، وإذا ارتاحت على رأس شقينا رقد في حجرها زَغْلُولَ حَمَامٍ، حين كانت تأخذنا أمهاتنا إليها لتباركنا” (الشَّارع الأصفر، ص52،53). و”أم الخيـر” هي فِلَسْطِين كُلُّهَا، فبيتها “يضم جميع أرض القرية وجبالها، وقنطرتاه تَتَّسِعَانِ وتَتَّسِعانِ حتَّـى تَضُمَّا بينهما كل بلادنا .. صيفها وخريفها، شتاءها وربيعها، فتاة مُتَجَدِّدةِ الصِّبَا! تماماً كأم الخيـر نفسها”(الشَّارع الأصفر، ص53).

***

وللصِّيَاغة المَلْحَمِيَّة لشخصية “الأم” أنْ تُتِيْحَ للكاتب إمكانية تجسيد التَّوَحُّد الرَّمزي والدَّلالي، بل والوجدانيِّ والطَّبيعيِّ، بين “الأُمِّ والأَرْضِ”، أي  بين فِلَسْطِينَ/الأُمِّ، والأُمِّ/فِلَسْطِين، فَلَئنْ تَجَلَّتِ شَخْصِيَّةُ “الأُمُّ” في الرِّوايات الفِلَسْطِينية التي ذكرناها: أم سَعْد، أُمُّ حَسَن، اُمّ مُحَمَّد، أُمُّ الخَيْر، وأُمًّ الرُّوبابيكيا في رواية إميل حبيبي “الوقائِع الغريبة في اختفاء سَعيد أبي النَّحس المُتشائل”(7)، وكّذا الأمُّ الشَّابَةُ “دهْرِيَّة” في “حبيبتـي ميليشيا”، وغيـرهنَّ، وغيـرهنَّ من أمهات جلَّت حضورهن رواياتٍ أخُرى عديدةٍ، بِوصْفِهَن مثالاً أعلى لشخصية الأم بوصفها ضَـحِيَّةً مُعَذَّبَةً، مسْلُوبَةً ومَقْهُورةً، لا يَعْرِفِ الفَرحُ سبيلاً إليْهَا، فَإنَّ هذه الأم قد جُسِّدَتْ في هذه الرواياتِ، وفي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا، بِوصْفِهَا كينونَةً حياتيَّة وُجُوديَّةً وذاتَاً إنسَّانيَّةً وقَّادةَ الْوعْيِ ولا تَعْرفُ سبيلاً لِمُواجَهَةِالضَّروراتِ الحياتيَّةِ القَاهِرةِ إلَّا سبيلَ الاستجابَاتِ النَّضَاليَّةٍ المَلْحَمِيَّةٍ الَّتـي تنبُعُ مِنْ حقيقةَ أنَّها ذاتٌ إنسانيَّةٌ واهِبَةٌ وجَديْرةٌ بالحياةِ الحيَّةِ والوجودِ الَحَقِّ، وأنَّها دائِماً، ذَاتُ آمالٍ حياتيَّةٍ، وأشواقٍ وُجوديَّةٍ، وذاتُ هِمَّةٍ تُمَكِّنُها مِنَ إدراكَهِمَا.

وكذلك هي الأرض الفِلَسْطِينية: “الأُمُّ فَلَسْطين”، فَهي “الأُمُّ الكُبْرى” الَّتي لم تعرف الفرح مُذْ غادرها عُشَّاقُهَا مُقْتَلَعيْنَ مِنْها، أو مُذْ سُرِقَتْ مِنْهُم فَغَادرتهم سَلِيْبَةً في أيدي الغزاة الإرهابيين المُحْتَلِّين الطُّغاة، فالأمُّ الفِلَسْطِينية تُعَانِي، والأرضُ تُعَانِي، فتُوَحِّدُ المعانَاةُ الأُمَّ بالأرضِ، والأرضَ بالأُمِّ، فَيَهُبَّ الأبناءُ الذين يُعَانُونَ، والبَنَاتُ اللَّواتي يُعَانِيْنَ، والآباءُ والأمَّهَاتُ الْمَوجُوْعُونَ والْمَوجُوعَاتِ، والقادرونَ والقادراتِ على اجتـراح الفعل النِّضَاليِّ الثَّوريِّ المُغّيِّـرِ، يَهُبُّونَ جَمِيْعَاً للدِّفاع عن كينونةِ الأُمِّ المُوَحَّدَةِ المُلْتَحِمَةِ، والْمُوَحِّدَةِ، فَتِهِبُ الأرَضُ كُلَّ ما بِوُسْعِهَا لأبنائها وبناتِهَا، وتَهِبُ كُلُّ أمٍّ أبنَاءَهَا وبَنَاتِهَا للأرضِ، ولا تَتَوانَى عن إعادتهم وإعادَتِهِنَّ إلى رحمها الخَلَّاق؛ وكأَنَّ الأرضَ تَهِبُ ذَاتَهَا لأبنائها وبناتها، فيما الأمُّهاتُ يَهِبْنَ فلذات أكبادهنَّ لأرضٍ هُنَّ إيَّاها وهِيَ هُنَّ، وكأنَّمَا الاسْتِشْهَاد في سبيلِ حِمايَةِ الأرضِ الأُمِّ ومن أجلِ حَياتِها ومُستقبلِها، يُعِيْدُ الأبناءَ والبَنَاتِ إلى أُمَّهاتهم وأمَّهاتِهنَّ لحظةَ ولُوجِهِمْ وولُوجِهِنَّ رحْمَ الأرضِ الأُمِّ شُهَداءً وشَهِيْدَاتٍ خالدينَ مَع تَجدُّدِ الولادات.

وهكذا لا يكون لدى “الأمِّ الفلسطينيَّة” عَجْزٌ، أو تَقَاعُسٌ، يتوجَّبُ عليها التَّخَلُّصَ منهمَا، إنَّها تُبادِر إلى بَذلِ كُلِّ جَهدٍ، وإلى إعطاءِ كُلِّ عَطاءٍ، فِيْما هي تتعهَّدُ ابناءها وبناتِها بالرِّعَايَة، بل إنَّها لَتذْهَبُ إلى التَّضـحيَة بِنَفْسِها إذْ تدفعُ أبناءَهَا وبناتِهَا إلى اقتحام حُقُول الفِعْلِ النِّضَاليِّ الثَّوري المؤدي إلى الانعتاقِ والتَّحَرُّر والخلاصِ من كُلٍّ ظُلْمٍ واستعمارٍ واستبدادٍ وقَهرٍ، وهِيَ لم تكن لتتوانى، أبداً، عن التَّحَرُّكِ الخَلَّاقِ في حُقُولِ الفِعْلِ الحياتيِّ الاجتماعيِّ، وعنْ أداءِ كُلِّ دورٍ نِضَاليٍّ تَستَوجِبِهُ حِمايَةُ هُوِيَّتِهَا، أو يُوجِبُهُ الدِّفاعُ عن حُريَّة أبنائها وبناتها، وحُرِّيَتها، وحريَّة نَظيرتِها الأُمُّ الكُبْـرى: فِلَسْطِين؛ أي دفاعاً عن الكينونة الحيَاتِيَّةِ الوجوديَّة الواحِدَةِ التي هي كَيْنُونَةُ فِلَسْطِيْنَ الجمْعِيَّةِ الْجَامِعَةِ المُلتَحِمَةِ المَائِرةِ في أصْلابِ هُوِيَّةٍ حَضَاريَّة تاريخيَّةِ، حياتيَّةٍ وجُوديَّةٍ، لا تني تَتَجدَّدُ مَوسُومةً بالنِّضَالِ الفلسطينيِ الإنْسَانيِّ الجَمْعِـيِّ، الشَّاقِ والنّبيلِ، لِاجتثاتِ التَّوحُّش الصُّهْيُوني، وإحْقَاقِ الحَقِّ، ولِلشُّروع، مِنْ جَدِيْدٍ، في إغْنَاءِ الحَيَاةِ بالْحياةِ، وإثراءِ الوُجُودِ بِالْوُجُود.

وهنَا لا يكون للصِّيَاغة الملحميَّة إلَّا أنْ تلتقِطَ جمالِيَّات هذا التَّماهي التَّفاعُليِّ الْكُلِّيِّ، وأنْ تُجَسِّدَهُ: عُمْقَاً، وامتداداً، وأبْعَاداً، وتجلياتٍ حَيويَّةً تُفْصِـحُ عن مَكنُوناتِ جَوْهَرِهِ الهُويَّاتيِّ العَمِيْقِ، والمُتَجَدِّدِ في مجرى صيرورة الحياةِ، وتدفُّقاتِ الوجود في رحابِ المجال الحياتي الوجوديِّ الحَيَويِّ الفلسطينيّ الْوَحيْدِ: “فِلَسْطِيْن”.

***

ومَا حِرصُ روايَة “حبيبتـي ميليشيا” على تَقدِيمِ شخصيَّتينِ روائيَّتينِ هُمَا: “أُمُّ مُحَمَّد” و”دَهريَّة” المَوْلُودَتَان من رحم الأُمِّ الكُبْـرى:”أمِّ الخَيْـر”، واللَّتانِ تُجَسِّدانِ حُضُورَ “الأمِّ الفِلَسْطِيْنِيَّة” حُضُوراً ملْحَمِيَّاً مُفْعَمَاً بالحَيَوِيَّةِ، ومُمْتَدَّداً في الأزْمِنَة، إلَّا تجَليَّاً رياديَّاً لِهّذا الصَّوغِ الملْحَميِّ لشَخْصِيَّة الأمِّ الفِلَسْطِيْنِيَّة في الرِّوايَة الفِلَسْطِيْنِيَّة، وهو الصَّوغُ الَّذي شَكَّلَ، والذي لَم يَزلْ يُشكِّلُ، مَلْمَحَاً رؤيَويَّاً وجماليَّاً بارزاً ومُتَجَدِّداً في هذه الرِّوايَةِ، وهو ملْمَحٌ لا يُفَارِقُ سَعْيَها الدَّائِب لِتجديدِ حَيَوِيَّتِهَا، وإعادة ابتكارِ نفسِهَا، وبلورةِ جَماليَّاتِها في تَواكُبٍ مَعْ سَعْيِها الإبداعيِّ لِصَوْغِ تَجلِّياتٍ مَلْحَمِيَّةً روائيَّةٍ تُوازي، رُؤْيَوِيَّاً وجَمَالِيَّاً، مَا يَصُوغُه النِّضَالُ الحَيَاتيُّ الوجُوديُّ الفِلَسْطِينيُّ في الواقِعِ الفِعْلِيِّ المفتوحِ على صيرورةٍ نضاليَّة لا تَني تُجَدِّدُ نفسَها لتَتَصَاعدَ، مُتَواصِلَةً، جِيْلاً في إثْرِ جِيْلٍ، لاجتثاثِ الصُّهْيُونية العنصريَّة الاستعماريَّة الاستيطانيَّةِ ، وإعْتَاقِ الإنسانِ الفلسطينيِّ والإنسانيَّة بِأسرهَا مِنْ هذا الوَحْشِ البَشَريِّ، وذلِكَ في تلازُمٍ حَتْميٍّ معْ تحرير أرضِ فِلَسْطينَ تحريراً كاملاً لا يُبْقِي أدنى أَثرٍ للاستعمارِ الاستيطانيِّ الصُّهْيُونيِّ في أيِّ بُقْعَةٍ مِنْ أرضِهَا.

هَوامش وإشارات:

(1) توفيق فَيَّاض: حبيبتي ميليشيا، الاتحاد العام للكتّاب والصحافيين الفلسطينيين، د.ط، بيروت، آذار (مارس) 1976. وفي جميع المقتبسات من هذه الروايَة، أو من أي روايَةٍ أخرى ستردُ لاحِقاً، سنكتفي بالإشارةِ إلى اسم الروايَة ورقِم الصَّفحة بين قَوسين داخل المتن.

(2) رشاد أبو شاور: العُشَّاق، منظمة التحرير الفلسطينية، دائرة الإعلام والثقافة، الطبعة الأولى، أيار (مايو) 1977.

(3) غسان كنفاني: أم سعد، الآثار الكاملة، المجلد الأول “الروايات”، لجنة تخلد غسان كنفاني ودار الطليعة، بيروت، الطَّبعة الأُولى، تشرين الثاني (نوفمبر) 1972.

(4) عادل سماره: حول علاقة الاقتصاد بالتراث الفلسطيني: مجلة التـراث والمجتمع، البيره، العدد الأول، المجلد الأول، نيسان (أبريل) 1974، ص 81.

(5) في رواية “العشاق” يقول أبو خليل: “والله لا أكذب عليك، مرات أشعر أنني شجرة، لهذا أنا أحب هذه الزيتونة كثيراً”، ص 256. وفي رواية “أيام الحب والموت” يبدو العم “سلمان” وكأنه شجرة، فهو ساكن، قدماه في التُّراب، بدنه مثل جذع زيتونة زُرِعَتْ منذ عشرات السنين، وما زالت تعطي كل عام خصبة لا تبخل”، أُنْظزُ: رشاد أبو شاور: أيَّام الحُبِّ والْمَوتْ، دار العودة، بيروت، الطَّبعة الأولى، 1973، ص 79.

(6) “أم الخيـر” هي إحدى قصص مجموعة “الشارع الأصفر” لتوفيق فياض، صدرت الطبعة الأولى عن مطبعة أوفست الحكيم، الناصرة، 1968، وصدرت الطبعة الثانية عن دار العودة، بيروت، 1970، وصدرت الطبعة الثالثة عن المؤسسة العربية لدراسات والنشر، بيروت، 1978. ونعتمد، هُنَا، الطبعة الثانية

(7) إميل حبيبي: الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النَّحس المُتشائل، دار ابن خلدون، بيروت، الطَّبْعَة الثانية، تشرين الثاني (نوفمبر) 1974