الشهيد حازم القمع.. مرافق عرفات وعباس الذي غادر وطنه بصمت

0
216

غزة (فلسطين) – خدمة قدس برس  |  الجمعة 01 اكتوبر 2021 – 06:53 ص

 

على غير عادته، رفض حازم ذهابه أطفاله إلى النوم في موعدهم المحدد، واحتضن ابنه خالد ليشتم عبق رائحته الفواحة التي اعتاد أن يشمها أثناء إيقاظه من نومه كل صباح، يمازح محمد ويضربه على ظهره، وكأنه يخبره بأنه سيصبح عمود البيت من بعده، يوصيه بصمت بالاعتناء والاهتمام بأمه وأخيه من بعده، وكأنه “كان يشعر أنه سيستشهد”.

 

بهذه الكلمات، تحدثت بثينة القمع، أرملة الشهيد حازم القمع، المرافق الشخصي لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، والذي قضى خلال الحرب الأخيرة على غزة في أيار/مايو الماضي، دون أن يحظى باهتمام الإعلام في زحمة الأحداث والتطورات آنذاك.

 

وتوضح بثينة لـ”قدس برس” أن الشهيد القمع من مواليد عام 1973 في حي الدرج وسط مدينة غزة، وأنه أنهى دراسته الأساسية والإعدادية في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، وحصل على الثانوية العامة من مدرسة يافا الثانوية للبنين في نفس الحي.

 

وتضيف: “بسبب حبه للوطن، وحرصه على الدفاع عن قضيته العادلة، انضم حازم إلى صفوف حركة التحرير الوطني (فتح) عام 1988، حيث تم اعتقاله وهو في سن الخامسة عشر من العمر، وحكم عليه بالسجن عامًا؛ لنشاطه في انتفاضة المساجد (1987-1994) التي كانت في بدايتها”.

 

ومع خروجه من السجن؛ كانت الانتفاضة قد ازدادت اشتعالا، حيث زادت صلابته وقوة شخصيته فأصبح من الفاعلين فيها في إطار حركة “فتح”، ليعيد الاحتلال اعتقاله مرة أخرى عام 1991، وحكم عليه بالسجن الفعلي لمدة عامين، “تستطرد بثينة”.

 

وفي العام 1993 أراد أهله تزويجه؛ فكانت ابنة عمه بثينة القمع، هي الزوجة التي تم اختيارها له، وهنا تبدأ تفاصيل فصل جديد من حياة الشهيد القمع، ترويها رفيقة دربه.

 

وتبيّن بثينة أنه “لم يمر عام على زواجها من حازم، حتى تم الإعلان عن إنشاء السلطة الفلسطينية، وعودة الأجهزة الامنية إلى غزة والضفة الغربية عام 1994، حيث كانا ينتظران طفلهما البكر (عادل)، والذي لم يكون عائقا له في التحاقه بدورة في جهاز قوات الـ(17) التابع لأمن رئاسة السلطة، والتي عقدت في ملعب اليرموك بمدينة غزة عام 1995، لمدة ستة أشهر”.

 

وتقول: “عندما عشت مع حازم؛ أدركت أن جميع محاولات أهله باءت بالفشل، في منعه عن العمل لصالح أي تنظيم سياسي”.

 

وتسترسل: “لا أعتقد أن من تربى على عادة، سوف يتوقف عنها بمجرد الضغط عليه، أو ممارسة سياسة الأمر الواقع، وهو ما حدث مع حازم، فبالرغم من ضغط الجميع عليه؛ إلا انه التحق بالدورة الأولى في حرس الرئاسة عام 1996، لحماية الشخصيات المهمة”.

 

وتتابع بفخر: “إثر نجاحه الذي حققه في تلك الدورة، عمل حازم مرافقا مع الراحل ياسر عرفات ضمن مجموعات المرافقة، واختير بعدها لتلقي دورة “أمن وحماية الشخصيات” في الولايات المتحدة الأمريكية، عام 1997″.

 

وتردف بثينة: “واصل حازم سفره المتكرر، وعانينا من عدم رؤيتنا له؛ حيث فرز للعمل مرافقا مع أمين سر اللجنة التنفيذية لحركة فتح آنذاك محمود عباس عام 1998، وظل مرافقا شخصيا له حتى عام 2007”.

 

الليلة الأخيرة في حياة حازم

 

تنظر بثينة إلى إلى صورة حازم المعلقة على الحائط، وتتحدث عيناها بأحزان وأوجاع أثقلت كاهلها، وينبض قلبها بألم الفراق وشدة الوجد، وتتثاقل الكلمات وهي تخرج من فمها؛ خشية ضياع ذكرى تحملها بين أضلاعها.

 

وتضيف: “كانت الساعة تشير إلى الثانية عشر بعد منتصف الليل، عندما بقي وحيدا في صالة البيت، وخلود جميع أفراد أسرته إلى النوم، في ليلة لم يعرف النوم إلى عينيه طريقا، أدار رأسه يمنة ويسرة في وداع صامت، يلتقط بعينيه آخر صورة له وللمنزل، بعيدا عن أولاده وزوجته”.

 

وتروي بثينة بتنهيدة عميقة تخرج من “ضلوع تكتوي بألم الوجد والحزن”، تفاصيل تأبى إلا أن تظل محفورة في ذاكرتها، وهي تستذكر تاريخ يوم فراقها عن “أقرب شخص إلى قلبها وحرم أبنائها منه”، “يوم الاثنين السادس عشر من أيار/مايو الماضي (..) هذا التاريخ لا يمكن أن أنساه أبدا”.

 

تواري وجهها وتمسح دمعتها التي تثاقلت في عينيها وخرجت على وجنتيها، لتقول: “جاءني اتصال من أخي يخبرني فيه، أن هناك معلومات عن قصف شارع الوحدة التي نقطن فيه، أخبرت زوجي بذلك فرفض الخروج قائلا: هم اليهود تركوا كل غزة، ولم يجدوا غير شارع الوحدة ليقصفوه، ما (بصيرعلى العبد إلا إلي ربنا كاتبه)، بهذه الكلمات رفض حازم ترك منزله والالتجاء إلى مكان آخر”.

 

وتتابع: “عاودت عليه الأمر مرة أخرى، إلا أنه رفض مجددا، وبقينا جالسين مع بعضنا في الصالون للساعة الـ12 و35 دقيقة، بعدها ذهب الأولاد إلى غرفتهم للنوم، وأنا إلى غرفتي وبقي هو وحيدا”.

 

“بعد ربع ساعة سمعت صوت انفجار قوي، وخرجت أركض إلى غرفة محمد وخالد، فووجدتهم بخير اطمئن قلبي لبرهة، ثم تذكرت أن حازم موجود في الصالون، فأخذت أنادي عليه، إلا أن صاروخا آخر حال دون وصول صوتي إليه، وبعدها لم أتذكر شيئًا، وأفقت على صوت ابني محمد وهو ينادي علي”يمة يمة اصحي يمة”، تقول بثينة.

 

وتوضح: “قضيت خمس ساعات تحت أنقاض عمارة سكنية من أربع طوابق، وأنا أبحث عن زوجي وأبنائي، وأخشى من سماع خبر يهز كياني والمخاوف تسيطر على عقلي، نفضت رأسي واستجمعت نفسي وأخذت أنادي عليهم محمد، خالد، محمد كان بجانبي وكنت اشعر بأنفاسه، أخذت أنادي على خالد حتى سمعت صوته، أخذت أهدئ من خوفه، وطلبت منهم أن يتلفظوا بالشهادة، بعدها فقدت الوعي”.

 

وتستذكر بثينة حوارًا دار بينها وبين شقيقها الأصغر أثناء تواجدها في مجمع الشفاء الطبي: “محمد بخير وهو بجانبك، وخالد في غرفة العمليات عندوا (لديه) عملية بايدوا (في يده)، طيب وحازم شو صار معه وينه “أين هو”، حازم شوي بيطلع ما في اشي، اصبري شوي عدو بيجي (سيأتي قريبًا)، طيب هاتوا (أحضروا) محمد اشوفه (كي أراه)”.

 

وبعد دقائق من هذا الحوار، تستحضر بثينة كلام شقيقها محمد الذي نقل إليها من خلالها خبر استشهاد حازم: “اسمعي ما حد باخذ غير نصيبو، والي ربنا كاتبه بدو يصير، وبدك تكوني قوية عشان للأولاد، وكمان خالد لسا بالعمليات، يعني بدك تتحملي أكثر”.

 

وتستطرد بثينة: “خبر كالصاعقة وقع عليّ وعلى عادل ومحمد وغادة وغدير”، أي خبر هذا؟ ما الذي ستفعله؟ كيف ستستمر حياتها بدونه؟ ماذا ستقول لخالد عندما يسأل عنه؟ هذه الأسئلة وغيرها الكثير وصدمة لم تخرج منها سيطرت على كيانها وعقلها.

 

وتواسي بثينة نفسها: “استشهد حازم، وترك خلفه سيرة عطرة يشهد له بها كل من كان يقطن في شارع الوحدة بمدينة غزة، فقد عرف بخلقه الحسن وشهامته والتزامه في صلاته، وكان مخلصا وصاحب وجه بشوش، متواضع، صاحب قلب كبير، محبوب من جميع من عرفه”.

 

وتتابع: “الجميع تأثر بفقدان حازم، ولكن عزاءهم أنه قضى شهيدا، حيث نعته حركة فتح التي تربى فيها منذ طفولته، والحرس الرئاسي الفلسطيني الذي عمل فيه لسنوات طويلة، وكان مرافقا شخصيا للرئيسين عرفات وعباس”.

 

وكان المربع السكني الذي كان يقطنه القمع في حي الرمال بشارع الوحدة، تعرض لسلسلة غارات جوية بشكل مفاجئ بعدد كبير من الصواريخ، أسفرت عن استشهاد قرابة 50 فلسطينيا ضربة واحدة، وإصابة المئات في واحدة من كبرى المجازر التي تعرض لها قطاع غزة.

 

واستشهد في الحرب الأخيرة على غزة في أيار /مايو الماضي، 240 فلسطينيا، وأصيب المئات بجراح، وتم تدمير قرابة 20 ألف وحدة سكنية.