الذكرى 40 لاستشهاد مارشال بيروت سعد صايل “ابو الوليد” اللواء محمود الناطور 27-9- 2021م

0
542

لقد استحق شهر ايلول بالفعل لقب “أيلول الاسود” .. فقد كنا في هذا الشهر دائما على موعد مع الكثير من المأسي والاحداث الكارثية في تاريخينا العربي والفلسطيني .. ويكفينا اننا فقدنا الكثير الكثير من القادة العظماء .. ويصادف اليوم الـ27 من أيلول، الذكرى الـ39 لاستشهاد “مارشال بيروت” القائد الكبير سعد صايل “أبو الوليد”، الذي يعد واحدا من أبرز العسكريين في تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة.

 

لم يكن يبحث عن شعبية او جماهيرية ، فقد كانت مسيرته الجادة والحازمة وكفاءته ومهاراته العسكري، هي رصيده لدى جماهير شعبنا ، لقد كان الشهيد سعد صايل “ابو الوليد” مدرسة في العمل العسكري ، تميز بقدرته على تفهم متطلبات العمل الفدائي والفكر العسكري والاستراتيجي ونجح في صياغة مؤسسة عسكرية فلسطينية تتجاوب مع ضرورات المرحلة التي تخوضها الثورة الفلسطينية.

 

اشتهر بصلابته لدرجة الجمود، و جمع بمقدرة عالية بين دور القائد العسكري اللامع والقائد السياسي الخبير المحنك. كان يحترم التعددية والرأي الآخر. حظي باحترام القوى الوطنية الفلسطينية واللبنانية ، وخلال ترؤسه غرفة العمليات المركزية نمت قوى الثورة وتطورت قدراتها العسكرية، وصمم الاخ ابو الوليد، على مفاجأة القيادة الاسرائيلية والانتقام من غارات طيرانها على المخيمات ومواقع القوات الفلسطينية. وفي تموز1981 ادار معركة المدفعية ، وظهرت خبرات كوادرها القتالية والفنية العسكرية المتطورة، وقصفت نهاريا وعددا من المدن الاسرائيلية لأول مرة.

 

بعد استشهاد الأخ القائد علي حسن سلامه “أبو حسن” عوضنا الله خيرا بشخص أبو الوليد الذي بدأ يتردد على قواتنا بشكل دائم، وتولى عملية الإشراف المباشر على تطويرها، فأدخل أنظمة ولوائح إدارية وأنظمة لوجستية عالية المستوى، ولم يكن ذلك بالأمر السهل، بل استغرق جهدا كبيرا، وتطلب الكثير من التعب من هذا القائد صاحب ملكة الإقناع والجاد والحازم في آن واحد، كما تطلب الأمر إيفاد المئات من الضباط إلى العديد من الأكاديميات العسكرية في العالم التي تتبنى عقائد عسكرية متنوعة، بل وصل الأمر إلى حد إنشاء كلية عسكرية فلسطينية، وكانت كل هذه التطورات في هيكلية قواتنا ستصبح أكثر صعوبة لولا اهتمام اللواء أبو الوليد وقوة عناده أيضا وتلك الجدية التي تتسم بها شخصيته بحيث حظي دائما بأكبر قدر من احترام الجميع..

 

الصورة من اليمين محمود الناطور “ابو الطيب” وسعد صايل “ابو الوليد”

 

لقد كان الشهيد القائد سعد صايل “ابو الوليد دائما ما يطالبنا بالتطور والتعلم والتدريب لانه كان يؤكد دائما ان صراعنا مع العدو الاسرائيلي هو “صراع حضاري” النصر سيكون فيه للاكثر تقدما، والاكثر تطورا ، والاكثر تدريبا ومجاراة لتطورات العلوم العسكرية والامنية والسياسية.

 

وصفه القائد العام أبو عمار بالقول: كان أبو الوليد ركناً شامخاً من أركان بنائنا الوطني، كان عسكرياً مثالياً مخلصاً في أداء مهامه، كفؤاً في إدارة شؤون قواتنا المنتشرة على مساحة الوطن العربي كله، وكان نموذجا يحتذى، في الرأي والمثابرة والعطاء.

 

تميز اللواء سعد صايل بتواضعه الثوري وتماسكه في أصعب الظروف، اعتمد على الدوافع الموجودة لدى المقاتل وعلى حماسه الوطني ورغبته في العطاء والتضحية، وهذه صفات يعتبر توافرها في المقاتل أمرا أساسيا لأنه يخوض معركة معقدة وشرسة مع عدو قوي لا يجوز الاستهانة بقدراته، ومثل هذا المقاتل استطاع اكتساب خبرات جيدة في ميدان القتال، وأنشأ معاهد داخل الثورة الفلسطينية هدفها صقل خبرات المقاتلين وتوحيد مفاهيمهم العسكرية وتزويدهم بالمعارف العسكرية النظرية المطروحة في العالم، وارسل المقاتلين إلى المعاهد العسكرية في الدول الصديقة لتوفير مدارك أوسع في الفهم العسكري والاطلاع على نظريات عسكرية أخرى غير تلك التي يعرفونها من خلال تجاربهم في الثورة، ما أسهم في صقل المقاتل ووضعه في الطريق الصحيح حتى يتقن استخدام الأسلوب الذي نعتمده وهو أسلوب حرب العصابات.

 

ومع بداية عام 1982 أدرك ابو الوليد ان المواجهة الشاملة مع الجيش الاسرائيلي قادمة لا محالة، وبادر الى جمع آراء تصورات الجميع لطبيعة المعركة القادمة، وصاغها في خطة دفاعية واحدة، وتابع ميدانيا تطبيقها على الارض بعد مصادقة الشهيد الخالد ابو عمار عليها. واذا كان التاريخ سجل بطولات المقاومة الفلسطينية اللبنانية لغزو اسرائيل للبنان عام 1982 في ملفاته فأبو الوليد احد صنّاعها الرئيسين.

 

كان الشهيد سعد صايل مفاوضاً محنكاً خلال حصار بيروت بالإضافة إلى قدراته العسكرية، وقد نقل عن فيليب حبيب من خلال ضباط الارتباط اللبنانيين قوله: إن المفاوض الفلسطيني سعد صايل رجل يثير الإعجاب بدقته، ومهارته وحسن أدائه وقدرته على التنظيم.. لقد كان أبو الوليد يرتبط بزمالة عسكرية مع عدد من الضباط اللبنانيين الذين كلفوا بدور الوسيط بين قيادة الثورة الفلسطينية وحلفائها، وبين فيليب حبيب فقد أسندت مهمة التفاوض والمناورة له وتوفير أفضل الشروط لإنسحاب مشرف من بيروت آنذاك كان الأكثر تعرضاً للخطر وهو يتنقل من موقع لآخر حاملاً رسائل الفلسطينيين لمحاصريهم، وحاملاً بعد ذلك رسائل المحاصرين المرهقة له وللفلسطينيين، ولم يكن مجرد ناقل رسائل وإنما كان قوة استطلاع مستنيرة لما يرتب للثورة.

 

وسعى أبو الوليد إلى تجيير صمود القيادة والمقاتلين لصالح تحسين شروط الخروج وتوفير حماية مضمونة للمخيمات وتحقيق مكاسب سياسية للقضية الفلسطينية. وبعد مفاوضات غير مباشرة شارك فيها أبو الوليد مع المبعوث الأمريكي “فليب حبيب”، تم التوصل يوم 13 آب 1982الى اتفاق لوقف اطلاق النار والفصل بين المتحاربين، نال موافقة جميع أعضاء القيادة الفلسطينية. وضمن الاتفاق انسحابا مشرفا للقيادة ومقاتليها تحت إشراف قوات متعددة الجنسيات أمريكية، فرنسية، وإيطالية، وكذلك المحافظة على أمن وسلامة أبناء المخيمات بعد خروج المقاتلين.

 

ولد سعد صايل في قرية كفر قليل جنوب مدينة نابلس عام 1932، وتلقى دراسته في مدارس نابلس وحصل على شهادة الثانوية العامة عام 1950، ثم التحق بالكلية العسكرية الأردنية عام 1951، حيث تخصص في الهندسة العسكرية.

 

التحق بالعديد من الدورات العسكرية ذات المستوى الرفيع والمتطور التي عقدت في بريطانيا، ومصر، والولايات المتحدة، والعراق، والاتحاد السوفييتي، والعديد من الدول الاشتراكية، ذات العلاقة بجوانب متعددة، من بينها: الدفاع الجوي، وتصميم الجسور وتصنيفها.

 

واصل عمله في الجيش الأردني في أعقاب قيام إسرائيل باحتلال الضفة الغربية 1967، وكان له دورا في معركة الكرامة التي وقعت بتاريخ 12 آذار/مارس عام 1968، حيث كان يدار تنسيق مشترك ما بين ممدوح صيدم “أبو صبري”، وضباط الجيش الأردني وعلى رأسهم سعد صايل “أبو الوليد”.

 

تدرج سعد صايل في رتبه العسكرية، حيث أسندت إليه قيادة لواء الحسين بن علي، وهو برتبة عقيد ركن، وانتقل بعدها إلى لبنان، لينضم إلى صفوف الثورة الفلسطينية عام 1971، وكان له دورا بارزا ومهما، نظرا لخبرته العسكرية في إعادة بناء الأجهزة العسكرية للثورة الفلسطينية.

 

عين مديرا لهيئة العمليات المركزية لقوات الثورة الفلسطينية، وعضوا في القيادة العامة لقوات العاصفة، وعضوا في قيادة جهاز الأرض المحتلة بعد أن تمت ترقيته إلى عميد، كما تم اختياره عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني، وانتخابه عضوا في اللجنة المركزية لحركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح”، وذلك بمؤتمرها الذي عقد في دمشق عام 1980.

 

ترأس الشهيد سعد صايل المفاوضات التي كانت تجري بعد حصار جيش الاحتلال الإسرائيلي لبيروت، حيث كانت تجري المفاوضات مع وفد أميركي، برئاسة الدبلوماسي فيليب حبيب ذو الأصول اللبنانية في بناية سكنية في بيروت، وفي بيت رئيس الوزراء اللبناني آنذاك شفيق الوازن. ولقد شهد فيليب حبيب للمفاوض الفلسطيني الجنرال سعد صايل بالمهارة والدقة وحسن الاداء وقدرته على التنظيم، خلال مفاوضات الراحل سعد صايل في اغسطس/اب 1983 على انسحاب المقاومين الفلسطينيين من بيروت.

 

بعد انسحاب مقاتلي منظمة التحرير من بيروت عام 1982 عقب التوصل لاتفاق، توجه خليل الوزير (أبو جهاد)، وصلاح خلف (أبو إياد)، وهايل عبد الحميد (أبو الهول)، وسعد صايل إلى سوريا من أجل التخطيط لتجميع القوات الفلسطينية المنسحبة من بيروت.  كان أبو الوليد يركز بأن تعود القوات الفلسطينية إلى منطقة البقاع اللبنانية حتى يعاد تشكيلها بالشكل الصحيح، وأن تباشر عملها العسكري ضد الاحتلال الاسرائيلي، وكان فكره بتوجيه العمليات المباغتة ضد قوات الاحتلال المتواجدة في البقاع الغربي، أو عمليات قصف بالأسلحة الصاروخية.

 

في يوم الاثنين 27 أيلول عام 1982 أول أيام عيد الأضحى، فتح مسلحون النار على موكب “أبو الوليد” والذي كان يضم ثلاث مركبات، واستشهد فيه السائق في المركبة الأولى، وأصيب أبو الوليد الذي كان في السيارة الثانية بالفخذ الأيمن، وتعرض لقطع في الشريان الفخذي. استشهد أبو الوليد في تمام الساعة الحادية عشرة مساء في مستشفى المواساة بدمشق، بعد أن توقف قلبه إثر النزيف الشديد الذي تعرض له.

 

وفي هذه المناسبة نعيد نشر التحقيقات التي اجرينها حول ملابسات استشهاد الجنرال القائد سعد صايل “ابو الوليد” والتي نشرناها في كتابنا بعنوان حركة فتح بين المقاومة والاغتيالات ، والتي تتضمن تفاصيل خطيرة لم تنشر من قبل حول الجهة التي تقف وراء عملية الاغتيال الجبانة التي لم تستهدف شخص ابو الوليد فحسب وانما استهدفت ايضا المؤسسة العسكرية الفلسطينية ومشاريعها الاستراتيجية لاعادة ترتيب اوضاعها في مرحلة ما بعد الخروج من بيروت. حيث كان يسعى وبكل قوة لعودة قوات الثورة الفلسطينية إلى منطقة البقاع اللبنانية لاستئناف عملها العسكري ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي.

Download (PDF, 1.13MB)