تقييم موقف على ضوء العدوان الإسرائيلي د.عبدربه العنزي

0
34

هذا العدوان العسكري الاسرائيلي الرابع على غزة متشابه في الاستخدام العسكري المفرط في القوة . المستهدف للمدنيين الأبرياء. المستخدم حرباً نفسية ضد المقاومة والغزيين. المدعوم أمريكياً. والمنشود لليمين الصهيوني.
لكنه مختلف من وجوه عدة. فهذه المرة سبب فعل المقاومة يلقى إجماعأً وطنياً . لأنه مُقدر ومبرر بل ومدعوم عن أية مرة سابقة. كان الدفاع عن الشيخ جراح والقدس كلمة السر التي انبرى الجميع للذود عن جراحها.
هذه المعركة الوطنية أعادت التعريف للثورة الفلسطينية على أن المقاومة خيار مصيري ووجودي. . وأعادت إلى وعينا الجمعي أن اسرائيل لن تقبل بأية تسوية سياسية بدون تكلفة وخسائر . وأن الخطأ الاستراتيجي الذي وقعته فيه السلطة والقيادة الفلسطينية في تبني استراتيجية السلام طوال 3 عقود بدون خيارات المقاومة بأشكالها المختلفة . أسقط حل الدولتين. وعزز الحكم لليمين المتصهين في اسرائيل. وانفراد للاحتلال بغزة والضفة والقدس. كلٍ على حدا. وكلٍ بتكتيك واستراتيجية مختلفة.
هذه المعركة تجلت فيها حقيقة تجنب الخوض فيها السياسيون والمثقفون والحزبيون والمؤدلجون. أن القيادة الفلسطينية في رام الله فقدت شعبيتها، ومصداقيتها، وشرعيتها. فلا هي التي بنت دولة ومؤسسات، ولا هي التي التحمت مع جماهيرها، ولا هي التي التزمت بنضال تحرري فعال، ولا هي التي نجحت في مشروع الوحدة الوطنية، أو الاشتباك السياسي مع الاحتلال، وأظهرت المعركة الحالية بوضوح: أن أضعف حلقات العمل الفلسطيني هي سلطة رام الله.
هذه المعركة هي الأخطر على اسرائيل منذ تأسيسها، ليس بسبب صواريخ المقاومة التي وصلت لأغلب المدن الاسرائيلية المحصنة بأحدث تكنولوجيا في العالم. بل لأن اسرائيل ولأول مرة في تاريخها تدخل مواجهة مفتوحة مع مقاومة عسكرية شرسة ومقاتلة وعنيدة في غزة. ومع مقاومة شعبية متصاعدة في نقاط الاشتباك المنتشرة لجنود الاحتلال في الضفة الغربية. علاوةً على أن الخطر امتد لداخلها وباعتبار الاحتجاجات الشعبية لفلسطيني الداخل يمثل للعقيدة العسكرية والأمنية الاسرائيلية تهديداً وجودياً للدولة اليهودية الخالصة. أو ما يسمونها “الدولة اليهودية” أو “يهودية الدولة”.
على الصعيد العربي، فالموقف المصري والأردني هذه المرة يبدو أنه سيرتقي إلى مستوى متقدم عن كل المرات السابقة، وتملك الدولتين المجاورتين أوراق ضغط حاسمة يمكنها أن تستخدمها لردع اسرائيل، وهناك مبررات للضجر المصري والأردني من العربدة الاسرائيلية.
المراهنة على الموقف الأمريكي تحت إدارة بايدن للضغط على اسرائيل هو اجتهاد واهم ومضلل. فكل الإدارات الأمريكية في مثل هذه المناسبات تتشابه في الموقف الداعم بلا تحفظ لإسرائيل، وينحصر الاختلاف فقط في اللغة الدبلوماسية المستخدمة فحسب. أكبر شاهد هو الافشال الامريكي لقرار صحفي في مجلس الأمن.
الموقف الأوروبي ما زال يحمل كل صفاته المتحفظة واللزجة على المستوى الرسمي، مع ميل واضح لتأييد اسرائيل من بعض الدول على غرار النمسا وبعض الجمهوريات الشرقية في أوروبا. وما زال تأثير اللوبيات والجاليات العربية والاسلامية في أوروبا يتحرك ارتجالياً وانفعالياً . بدون تخطيط وبدون رؤية واستراتيجية دائمة.
احتمالات الاجتياح البري الاسرائيلي لقطاع غزة مستبعد في ظل تجارب اسرائيل التاريخية في قطاع غزة قريباً أو في بيروت سابقاً التي تشير الشواهد أن كل الاجتياحات البرية دفعت اسرائيل أثمانها خسائراً في أرواح جنودها. ولن يجرؤ نتنياهو المأزوم داخلياً إلى هذه المخاطرة. ولن يحتمل الاقتصاد الاسرائيلي إطالة هذه الحرب على الإطلاق.
بعد انتهاء هذا العدوان. ستوجز النتائج بالتالي: انتصار المقاومة وتصاعدها. تكاليف باهظة لتدمير البنية التحتية الغزية. تآكل وتراجع لمصداقية السلطة الفلسطينية وفقدان جزء كبير من مبررات مشروعيتها. ستكون حماس شريك رئيس في أي اتفاق سياسي أو أمني على مستوى غزة والضفة الغربية. ولن يحدث تقدم على صعيد المفاوضات السياسية بين م ت ف واسرائيل. هذا العدوان سيكون ما قبله ليس كما بعده على صُعد عديدة.