في اليوم العالمي للمرأة اللواء محمود الناطور “ابو الطيب” يكتب – الأم .. الجدة من الذاكرة الفلسطينية إلى الرمز النضالي

0
305

بقلم اللواء محمود الناطور “ابو الطيب” (*) 8-3-2021م

 

أي مخزون من هذا ا لعطاء والحب تحمله الأم الفلسطينية، تنتظر عودة ولدها حياً… أم جثماناً… تزغرد في الشهادة والعرس معاً… وتمزج بين الألم والفرح… وتفاخر ليس بالممتلكات أو الإنجازات… بل بالشهادة التي تميزها عن النساء الأخريات…

 

أية أم هذه … أية أخت… زوجة أم جدة… وهي تملأ جدران البيت بصور الحبيب الغائب أو الشهيد أو الأسير مَن الذي يستطيع أن يترجم لنا هذا الكم الهائل من العاطفة المخزونة تحت جفون أمهاتنا… وأخواتنا… وبناتنا… وجداتنا… هذا الحزن الذي حوّل جفونهن إلى لون من ألوان الغضب… كل هذا فداك يا أرض المقدسات… يا أرض الرباط… يا أرض القدس… يا أرض الإسراء والمعراج… يا أرض المسيح… يا أرض الله… يا أرض الشهداء… أية أم في هذا الكون… غير الأم الفلسطينية… التي توزع الحلوى رغم هذا الدفق الهائل من الحزن… في يوم استشهاد ولدها…

 

أية أم في «أرض الله» تزغرد في عرس الاستشهاد إلا الأم والأخت والجدة الفلسطينية… أي بيت من بيوت هذه الأمة يستقبل المباركين إلا بيت الشهيد…

 

لك الله… لك المجد… لك كل أكاليل الغار…

 

يا أم كل الشهداء…

 

يا أمنا… يا أم فلسطين…

 

لك الله أيتها الجدة والأم والأخت والابنة…

 

عندما يأتي العيد وأنت على مقبرة الشهداء…

 

تنظفين محيط القبر…

 

وترشين المياه وتتحسسين جوانبه كأنه جزء من جسد الشهيد.

 

إن دور المرأة الفلسطينية في الحياة اليومية بكل أبعادها، هي مثالية الانتماء والولاء… والحب والجهد في البيت وفي الحقل، وهي التي ارتقت بحياتها وطموحها إلى جانب كل ذلك لتصبح المهندسة… والطبيبة والممرضة… والعاملة… والمزارعة… والمقاتلة… وكل المهن التي كان رجل الشرق يحتكرها…

 

ويقول الأديب الفرنسي الكبير جان جنييه… «في كل ثورة، المرأة هي دائماً العنصر الأكثر جذرية، وفي الثورة الفلسطينية يبدو ذلك في غاية الوضوح» … «إن المرأة أكثر ارتباطا بكل ما هو حسي وملموس، وهي تجد في عدم التوازن الذي يخلق الثورة، توازنا وجودياً أعمق، لهذا أقول إنها أكثر ثورية من الرجل»…

 

أما الكاتب الإسرائيلي غروسمان في تحقيق صحفي عن المرأة الفلسطينية قائلا : “هنا يمكن أن تسمع أقسى الكلام من النساء… فالرجال يخافون أكثر من الاعتقال والمضايقة… النساء تسير في مقدمة المظاهرات… وهن اللواتي يصرخن وينفثن غضبهن أمام كاميرات التلفزيون… نساء خمروايات ذوات ملامح جادة جبلن بالألم والمعاناة”.

 

وتعد المرأة الفلسطينية من اوائل النساء اللاتي شكلن جمعيات نسائية على الصعيد العربي، وكان لها نشاط بارز ضد الانتداب البريطاني ففي عام 1929م تجلى في كتابة المذكرات وإعداد العرائض ونشر الاعلانات الاحتجاجية في الصحف التي حملت توقيعهن وفي تنظيم المظاهرات فضلاً عن ذلك عقد أول مؤتمر نسائي في 26/10/1929م في القدس واشتركت فيه أكثر من ثلاثمائة سيدة فلسطينية من بينهن متيل مغنم وطرب عبد الهادي.

 

وفي عام 1935م أسهمت المرأة الفلسطينية في القتال وفي جمع السلاح ونقله إلى الثوار، وقامت بجمع التبرعات وتوزيعها على عائلات المجاهدين، كما سعت إلى توفير المؤن، والماء، والملابس للثوار في مختلف المناطق.

 

وعقب قيام منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 شاركت المرأة في مؤسساتها وأجهزتها وتمثلت في المجلس الوطني الفلسطيني منذ دورته الأولى، وفي جميع دوراته المتتالية، وضم المجلس المركزي ممثلة عن الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية.

 

وشهد وضع المرأة تحولاً سياسياً بعد عام 1965م، والتحقت في التنظيمات الفلسطينية، واعتبرت دعامة أساسية لها وأسهم عملها السياسي في إحداث نقلة نوعية في حياة المرأة الفلسطينية التي خرجت من دائرة الجمود إلى دائرة العمل الاجتماعي والسياسي والعسكري، وقد دخلت المرأة المعتقلات وعذبت، وتعرضت لشتى أساليب العذاب وارتقت شهيدة.

 

ونجحت المرأة في ذلك مستفيدة من تجربتها الرائدة المتراكمة، رغم الثمن الباهظ الذي دفعته ومازالت كونها كانت أثناء قيامها بدورها الوطني مسؤولة عن واجب آخر… البيت وتربية الأولاد وخدمة الزوج.

 

ابدعت في الصفاء لفلسطين الأرض حينما رشحت حبات عرقها على التراب الطاهر وهي تفلح الأرض مع الرجل، وفي كثير من الأحيان لوحدها عندما كان يتعرض زوجها أو ابنها للاستشهاد أو الاعتقال، حيث لم تدع الأرض تبور أو يجف ترابها، كما أنها أبدعت في عطائها للرجل الفلسطيني عندما كان لا يجد المال الكافي ليحقق حلمه في شراء البندقية للدفاع عن أرضه وعرضه وسرعان ما يجد المرأة وهي تقدم مجوهراتها وحليها مقابل الحصول على البندقية، وذهبت في نضالها إلى أبعد من ذلك حينما كانت تحمل البندقية وتواجه عمليات الاستيلاء على الأراضي أو تخريبها من قبل المستوطنين الصهاينة منذ بداية الغزو الصهيوني لفلسطين.

 

وعلى الرغم مما حلَّ بقضية فلسطين، ورغم اتساع حلقة التآمر على شعبنا، فقد ازدادت إصراراً على مواصلة نضالها فبعد عام 1967م انخرطت فعلياً في العمل المسلح، وشاركت في المجموعات الفدائية البطولية، وساعدت في نقل الأسلحة والمتفجرات وتخزينها ونفذت العديد من العمليات النوعية ضد مواقع العدو الصهيوني، وبرزت الفدائية الفلسطينية: فاطمة برناوي (أول أسيرة من حركة «فتح») ، دلال المغربي (أول شهيدة من حركة «فتح»).

 

وهناك الكثيرات من المناضلات اللاتي صنعن بصمودهن خلف قضبان الاعتقال أروع صور البطولة والفداء. وهنا نتقدم بالتحية والعرفان والتقدير الممزوج بالفخر والاعتزاز لكل شهيدات شعبنا اللاتي سطّرن بدمائهن أروع ملاحم الفداء لهذا الوطن. وإذا كنا لم نتمكن من ذكر كل الأسماء فإننا لن ننسى ذكراهن في تاريخ نضال شعبنا الطويل والمستمر، فليتمجد هذا الدم وإلى الأبد.  وفي الوقت نفسه نقف تقديراً واعتزازاً وتحية إلى أخواتنا المناضلات في سجون الاحتلال واللائي قدمنَّ أعظم عطاء فداء لهذا الوطن.

 

وتتميز المرأة الفلسطينية عن غيرها في العالم العربي بدورها النضالي فهي الجدة والأم والأخت والابنة التي تنتظر هذا الفدائي أن يعود إليها منتصراً وهي التي ترعى بيته وأولاده، وهي التي تسهم في نقل السلاح من قاعدة إلى أخرى، وهي التي تدفع مهرها، ذهبها، جواهرها ليشتري قطعة سلاح عندما كان يعز ألسلاح.

 

وهي التي انخرطت في التدريب العسكري والطبي والتوجيهي والإعلامي في صفوف الثورة الفلسطينية جنباً إلى جنب مع الرجل؛ ولهذا برزت أسماء فدائيات مناضلات فلسطينيات، وما زالت هذه الأسماء تقرع آذاننا تذكرنا بدور المرأة المجيد.

 

والمرأة الفلسطينية التي تميزت عن المرأة العربية بهذا الكم الهائل من المعاناة والحزن والقهر الناجم عن ضياع الوطن والتهجير والتشرد، إضافة إلى مراعاة القوانين الاجتماعية المجحفة، أثبتت عمق وعيها من خلال ارتباطها الوثيق بقضيتها الوطنية، ومارست بنفسها كافة أشكال النضال التي مارسها رجال الثورة، وأسهمت في عضوية كافة اللجان الشعبية والوطنية.

 

وفي سنين الاحتلال أصبحت المرأة عاملاً منتجاً، وخاصة بعد مضاعفة الأزمة الاقتصادية، وزيادة الغلاء، وقلة فرص العمل والاضطهاد السياسي والعسكري للشباب الذين دفعهم ذلك إلى الهجرة خوفاً من الاعتقال أو السجن أو البطالة وقلة العمل، مما اضطر المرأة لتحل مكان الرجل في العمل في قطاعات مختلفة.ونظراً لاندماج المرأة في العمل الوطني، واجهت أشكال التعسف والاعتقال والاضطهاد من قبل سلطات الاحتلال، وحتى عام 1981م كان مجموع مَن دخل المعتقلات من النساء ثلاثة آلاف امرأة.

 

وشاركت المرأة في الاعتصامات، ورفع المذكرات، وإرسال البرقيات الاجتماعية، والمشاركة في الإضرابات والمظاهرات بالإضافة إلى بعض الأعمال العسكرية.وسعت إلى تشكيل اللجان الاجتماعية والسياسية، ففي عام 1978م تشكل «اتحاد ولجان العمل النسائي في المناطق المحتلة» وفي عام 1981م تأسس «اتحاد ولجان المرأة العاملة الفلسطينية» و «اتحاد لجان المرأة الفلسطينية» و «اتحاد لجان المرأة الشعبية».

 

وفي يونيو/حزيران 1982م تم الإعلان عن تشكيل «اتحاد ولجان المرأة للعمل الاجتماعي» واتسعت القاعدة الاجتماعية لهذه التنظيمات الأربعة حتى غدت تضم زهاء ثمانية آلاف امرأة، بينما لم تكن عضوية المؤسسات الخيرية تتعدى المائتين وعشرين عضواً فقط.

 

من ناحية أخرى، لم يقتصر خروج المرأة والمشاركة في الثورة على فئة أو سن دون غيره، بل شمل الطبيبات والعاملات والطالبات والفلاحات والأكاديميات وربات البيوت اللائي انخرطن بروح موحدة في الثورة ونظمت الكثير من الاعتصامات والمظاهرات والمسيرات.

 

واستمرت المرأة الفلسطينية بعزيمتها القوية تتابع مسيرتها النضالية عبر جميع اشكال العمل الوطني وهي تدق أبواب الحرية والاستقلال وتمارس دورها في كل موقع، فقد ناضلت كأم تربي أطفالها على التحدي والنضال واخترقت بقوة إرادتها معظم الأطر الطلابية والنسائية لتمثل فلسطين في اتحاد المرأة الفلسطينية على صعيد الخارج وشاركت في النشاط السياسي والعمل الجماهيري الوطني داخل فلسطين المحتلة وخارجها، واستطاعت المناضلات الفلسطينيات تكوين الأطر النسائية في جميع المواقع حتى أصبح دور هذه الأطر يشغل حيزاً كبيراً من احتياجات جماهير شعبنا الفلسطيني في المخيم والقرية والمدينة، وبرز اتحاد المرأة للعمل الاجتماعي وشارك عبر تفاعله وعطائه اليومي في إيجاد البنية التحتية للانتفاضة الباسلة.

 

لا يمكنني تعداد الأعمال التي تقوم بها المرأة الفلسطينية في خضم هذا النضال، ولا يمكن إلا أن نعطي لها حقها الكامل المرئي واللامرئي، ولهذا لم أجد أحق من المرأة الفلسطينية الجدة والأم والأخت والابنة لأهديها هذا الكتاب. لقد أشرق تاريخ يوم الكرامة 21\3\1968م بنفس تاريخ يوم الأم، وهل هناك أعظم في دنيانا من الأم… الروح… والدم… والشوق… والدمعة… والقلب. والصوت… الأم. والحياة… وكل الأيام بيوم الكرامة… وهي روح الكرامة.

 

*من كتاب معركة الكرامة تأليف اللواء محمود الناطور “ابو الطيب”.