مقال اعجبني للأخ اللواء القائد محمود الناطور ابوالطيب لن ننسى .. في الذكرى الـ57 لانطلاقة الثورة الفلسطينية

0
979

دائما ما تأتي المناسبات المختلفة لتفرض علينا التوقف للحظات لنستعيد شريط ذكريات الماضية .. نستحضر خلالها الكثير من الاحداث التي مررت به في العام الذي مضى ، لتجد نفسك مضطرا لاستحضار سنوات طويلة مرتبطة ومترابطة، فيها الكثير من الاسماء والاحداث والذكريات السعيدة والمؤلمة ، والمواقف التي لازلت تذكرها ، رغم كل تلك السنوات، واخرى تحاول جاهدا ان تنساها ، لما فيها من احزان  وآلام.

 

ومع بداية العام الجديد 2022 ، واحتفالات الذكرى ال57 لانطلاقة حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح”، نستعيد تلك الاعوام الطويلة التي رافقنا فيها مسيرة الثورة الفلسطينية، والتي عايشناها شبابا ، وعشنا لحظات انتصارها وازماتها ، وعنفوانها الثوري الممتد على امتداد مشارق الارض ومغاربها ، والتي كانت تهتف بأسم حركة فتح وجناحها العسكري قوات العاصفة التي صنعت مجدا ، بصمود أبطالها ودماء شهدائها وجراحها، ومعاناة اسراها ، وصمودها في وجه اعتى قوة في الشرق الأوسط ، فقد قاتلنا بروعة الإيمان والتحدي .. من اجل فلسطين.

 

فمنذ أن تفتحت عيناي على هذه الدنيا، لمست عمق مأساة شعبي ومعاناته اليومية، وكانت تثيرني لعبة الحرب أكثر من غيرها في مراحل الطفولة، فاجترار قصة الوطن المغتصب كل يوم كانت تخلق في نفوس أبناء جيلي الكثير من الأحلام والخطط والآمال، وكانت كلها تتجه نحو الوطن لتنقذه من دنس المحتلين. وما أن بدأت مراحل النضوج الجسدي والعقلي ترسم ملامح المستقبل أمامي حتى وجدت نفسي أتتبع لحظات انطلاقة الرصاصة الأولى لثورتنا الرائدة، وحاز هذا الحدث على كل تفكيري فانخرطت مقاتلا في صفوف الثورة التي كانت بالنسبة لي مدرستي وجامعتي وحياتي، تعرفت من خلالها على أمور وقضايا كثيرة، وفي نفس الوقت تعرفت على أناس استطيع القول عنهم دون تحفظ بأنهم نبلاء هذه الأمة وقادة للأجيال الحاضرة.

 

ورغم انني فقدت الكثير منهم في معارك الشرف والبطولة، منذ سنوات طويلة ، الا انهم لازالوا يمثلون جزء من مخزون الذاكرة الفردية الملتصقة أبدا بالوطن والثورة والناس، وهو جزء يسير جدا من تاريخ مرحلة نضال ومعاناة مقاتلينا. ففي بلادنا لا يبكون على الشهيد بل يزغردون له، حين يسقط تكتمل الدائرة، ويتحقق الوعد، ويتصل الميراث .. وفي بلادنا لا يغسلون الشهيد، يقولون ان دماءه طهرته، ولا يكفنون الشهيد، يقولون ان قراره بالاستشهاد كان كفنه طيلة الوقت، وفي بلادنا الشهداء وحدهم هم الأبطال. كثير من الأخوة كانوا هم سياجي مثلما كنت سياجهم، هؤلاء الذين إختاروا طرقاً ودروباً أخرى لكي يحبو بها الوطن ويخلصوا له.. هؤلاء الذين كانوا مثالا نادرا للشجاعة والوطنية العزيزة والروح المجبولة على البذل والفداء.. وابتعدوا عن دائرة الضوء والحوار والمشادة ليس خجلاً أو ضعفاً أو إقصاء وتنحية؛ وإنما إبتعدوا إستجابة لدوافع ذاتهم الصادقة في تربيتها الوطنية والقومية والإنسانية .. أتحدث عن هؤلاء الأخوة لأنصفهم، قبل إنصاف نفسي، لأنهم أصحاب تاريخ مشرف كانوا هم صنّاعه.

 

لقد كان قدرهم ان يكونوا جزءا من مسيرة الثورة الفلسطينية بقيادة حركة فتح وجناحها العسكري قوات العاصفة ، التي انقذت الحالة العربية بعد هزيمة 1967م من حالة الانهيار، وجعلت الكفاح المسلح وحرب الشعب طويلة الأمد ، طريقا للنصر والحرية ، معتبرة أن الهزيمة العسكرية يجب ألا تؤدي إلى انهزامية الشعوب ما مكن الشعب الفلسطيني من استئناف الأمل، وشكل ظاهرة وجدت فيها الجماهير العربية رغبة لاحتضان الفدائيين. ويذكر هنا التاريخ الكلمات التي أطلقها الزعيم المصري جمال عبد الناصر في تلك الأيام قائلاً: “إن الثورة الفلسطينية وجدت لتبقى”.. ليضيف عرفات: “إن الثورة الفلسطينية وجدت لتبقى ولتنتصر”. لتصبح تلك الكلمات نبراساً يضيء الظلام الحالك الذي كان يلف العالم العربي وجماهيره التي كانت قد وصلت إلى أسوأ مراحل اليأس والإحباط بعد هزيمة حزيران 1967م.

 

وبينما شكلت معركة الكرامة حدثاً مفصلياً هاماً في تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة، ليس فقط من جهة بروز حركة “فتح” كحركة قائدة للنضال الفلسطيني لاستعادة حقوق الشعب الفلسطيني ووضعه على الخريطة الدولية في صورة الفلسطيني الثائر الباحث عن الحق والحرية. الا انها في المقابل إنما فتحت الباب أمام مطامع أطراف عربية ودولية ساعية للسيطرة على الورقة الفلسطينية وصولاً إلى تحقيق طموحاتهم الإقليمية وتعزيز دور تلك الدول في معادلة منطقة الشرق الأوسط مستغلة “الشتات الفلسطيني” لتجنيد عناصر وأطراف فلسطينية تخدم أجندات ومصالح تلك الدول على الرغم من أن حركة فتح سعت دائماً لتجنب الانزلاق إلى الصراعات العربية وفضلت دائماً عدم التدخل في شؤون الدول.

 

واستطاع حركة فتح المحافظة على القضية الفلسطينية، بالرغم من الأمواج والعواصف العاتية، والتطورات التي حدثت في المنطقة والعالم، معتمدة على سياسية اللعب على التناقضات، والانتقال من تحالف إلى آخر، ومن سياسة إلى أخرى، محتفظة بالقدرة على اعتراف غالبية القوى بزعامتها دون منافس، وأن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

 

وبينما سعت بعض الدول العربية إلى استغلال الاختلافات التي ظهرت داخل حركة فتح في أعقاب حرب أكتوبر 1973م لا سيما بعد أن لجأت الثورة في تلك المرحلة إلى تكثيف العمل السياسي بشكل متواز مع استعادة الفاعلية العسكرية، بهدف تكريس الشرعية، وتحديداً شرعية البندقية الفلسطينية عالمياً وعربياَ، في حين كان العمل العسكري برهانا على وجود هذه البندقية وقدرتها على بلوغ أهدافها.

 

وأدى تناغم العملين السياسي والإعلامي مع العمل العسكري إلى تعزيز المكانة السياسية للثورة التي استطاعت جذب أنظار العالم إلى قضيتها العادلة، وحصلت على اعتراف معظم الدول بحق شعب فلسطين في تقرير مصيره على أرضه، وتبدلت طبيعة المسألة الفلسطينية على الصعيد العالمي من مسألة إنسانية “مسألة لاجئين” إلى مسألة سياسية هي مسألة شعب يطالب بحقوقه، وجاء في مؤتمر القمة العربية في الرباط عام 1974م ليؤكد اعتراف كافة الدول العربية بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، وعبّد النضال الطويل الطريق إلى الأمم المتحدة حيث غدت منظمة التحرير الفلسطينية عضواً مراقباً دائماً في الجمعية العمومية للأمم المتحدة واحتلت القضية الفلسطينية موقعها الحقيقي بعد أن أقر العالم بأنها جوهر النزاع في الشرق الأوسط.

 

تلك هي حركة فتح الوسطية .. التي أنتجتها الطبقة المتوسطة صانعة الدول والأوطان والعلم والتنمية والاجتماع والتاريخ والثقافة والتي إن مر الدين عبرها سلم .. ودين فلسطين المركب من أهلها وذاكرتهم وعيشهم المشترك وحلمهم المشترك، الساهر في المساحة الجميلة بين الأقصى والقيامة، ليذهب فجر الميلاد معاً إلى بيت لحم ..

 

تلك هي فتح التي كانت .. حينما كانت تملأ الدنيا صخبا وضجيجا ، فالكل يهتف بأسم فلسطين ، دون أي نظر لاعتبارات مذهبية او طائفية او مناطقية ، بالرغم من كل الاختلافات والمؤامرات ، فقد كانت حركة فتح قوية برصيدها الجماهيري ، وآصالة ترسخا في قلوب ووعي الجماهير ، في كافة ارجاء المعمورة ، بعيدا عن حسابات او مصالح شخصية ، فالكل كان يتسابق لتقديم اغلى ما يملك من اجل فلسطين ، ولم يكن هنا من ينتظر المقابل .. كل التحية الى رجال صنعوا المجد .. سواء كانوا في القبور او في السجون او احياء ينتظرون .. ويكفيهم فخرا انهم جميعا في قلوب وذاكرة ابناء شعبهم الذين لن ينسوا ابدا ان هناك من ضحى من اجل الحرية والاستقلال واقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.

 

وفي هذه المناسبة اقوم باعادة نشر ملحق صور للكثير من الذكريات مع الكثير من الاخوة الابطال والشهداء والذي سبق وان نشرته في كتاب قوات ال17 وقائدها .. سيرة ومسيرة ..