في ذكرى ميلاد الفلسطينيّ السّيّد المسبح.. ‏الأستاذ عمر حمش‏

0
389

ارسل لي صديقي الأخ الدكتور عدنان الخروبي هذا المقال من رومانيا قراته واعجبني كثيرا وقررت ان أقوم بنشره وعدت الى صفحة الأستاذ عمر حمش الذي نشر المقال قبل عامين اعجبني المقال كثيرا لانه يعبر عن التسامح الفلسطيني بين المسلمين والمسيحيين وهذه العلاقة الرائعة انشرة بمناسبة عيد الميلاد المجيد .

 

بمناسبة عيد إخواننا المسيحين تحضرني شخصيات مسيحية عرفتها في حياتي:

الأوّل: الأستاذ جليل الصائغ، الذي كان ناظر مدرستي في مخيم جباليا، وكنت قد عملت معلما على نظام المياومة في السنة 1974، وكان ذلك يعني خصم كل يوم أتغيب فيه، في ذلك الوقت كنت قد خرجت من اعتقالي الأول، وكان ضابط المخابرات وقتها قد عزم على ملاحقتي، فأرسل لي تبليغا للحضور إلى مبنى السرايا بغزة، يتجدد تلقائيا كلّ يوم خميس!

كان الموعد الساعة الثامنة .. وكان ذاك الضابط يزجّ بي في زنزانة الانتظار من الصبح حتى الساعة الرابعة، دون سؤالي، ثمَّ يطردني، مجددا لي الموعد للخميس الذي يليه، وهكذا إلى أن أنهيت تلك المهزلة برفضي المثول بعد المرة الثالثة.

قلت له: اعتبر أن الخميس قد جاء، ولمّا آتِ، وهذه الزنازين أمامك، فاعتقلني إن شئت .. والحديث في ما جرى يومها يطول، لكن الشاهد هنا، أنّ الأستاذ جليل الصائغ رحمه الله، شملني بعطفه، وبتشجيعه لي، وأنه قد سجل كل الأيام التي تغيبتها أيام حضور كامل ..

الثاني كان الأستاذ: خليل سابا. وكان الآخر ناظري لعدة سنوات، ذاك الرجل كان وطنيا كبيرا، يعتلي منصة المدرسة في مناسباتنا الوطنية، ويكون قد حضّر للاحتفال بكل ذكرى، فيلقي خطبة، يتكلم فيها بقوةٍ، والتلاميذ يستمعون ..

كانت تلك أيام الخوف والاعتقال، وأيضا التهديد بالطرد من الوظيفة، أو حتى من البلاد كلها، وأذكره أيضا كيف كان في رمضان يراعي مشاعر المعلمين، وكيف كان يهنئنا في كل عيد ..

الثالث: كان الموجه المربي، والمناضل العريق: كمال الطويل، الذي كان قد اعتقل في سجون الواحات، وأذكر كيف مجّده الشاعر معين بسيسو في كتابه دفاتر فلسطينيه .. أيضا لا أذكر يوما أن معلما كره ذاك الرجل، أو لم يرحب به حين دخوله بوابة المدرسة ..

الرابع: مدير التعليم السيد بديع قفة: يوم خرجت من إحدى جولات اعتقالي، وكيف أجلسني في مكتبه، وقد انتقل إلى جواري، ثمّ طلب مني أن أروي له ما جرى معي .. يومها رويت له، كيف تمّ اختطافي إلى تلك الشقة اللعينة في أحدى القرى الزراعية، وما الذي جرى هناك، من قبل تحويلي إلى سجن المجدل ..

والشاهد هنا كان: دموع الأستاذ العظيم بديع قفة التي انهمرت على خديه.

هنا أيضا – من باب المقارنة – يوم سقط الصبي حاتم السيسي أول شهداء الانتفاضة على باب بيتي، وكيف مرتّ تلك الجماعة التي وارته التراب، ثمَّ كيف هرولت إليهم تاركا المدرسة، وناظري ” غير المسيحي هذه المرّة ” يصرخ بي: عُد يا مجنون!

يومها جمّعت بقايا الرجال، وهتفت فيهم، والناظر قبالتي مشدوها، وتحولت بقايا الجنازة إلى مظاهرة عظيمة احتوت الآلاف .. ومن ثمّ انتهت إلى اشتباكات عنيفةٍ بالحجارة، وإلى امتطاء تلك المجنزرة، وتقطيع شريط رصاصها في حادثة شهيرة ..

لقد كان ذاك الناظر الذي صرخ بي عبدا للروتين، وصاغرا للوائح في يومٍ انعطف فيه تاريخ شعبنا ..