الحلقة الثانية حوار الحلم بين الشهيد ابو حسن سلامة وابو الطيب محمود الناطور

0
1285

باب الجنة أم باب الجحيم

أبو حسن: صديقي أبو الطيب تتهمني أنني فتحت باب الجنة، ولكنه اتضح أنه باب الجحيم، نعم يا أخي أنت تعترف أنه عهد لأمريكا ولهذا اتجهنا لقرع الباب نحوهم، وللأسف الشديد أنك كنت لا تريد أن تكون شريكي بهذه الاتصالات سواء مع الجانب الماروني أو الجانب الأمريكي حتى رفضت الاطلاع على ما أقوم به، وتركتك على حريتك في التفرغ للعمل العسكري.. لكنك لا تعرف ما أسهل أن تقود قواتك لتخوض معركة في الشياح أو في عين المريسة أو الأوزاعي أمام أن تفاوض عدوك ومقابل أن تقنع من جلدوك في الجلوس معهم، نعم كانت مهمتي صعبة جدا وإنك تذكر في عام 1972 حينما انتقلنا من الأردن إلى لبنان وكنت أجلس بجانبك بالسيارة وكنا متوجهين إلى المنزل حيث مرت من أمامنا سيارة لقوات الأمن اللبناني الفرقة 16 ولاحظت عليك أنك تنظر إليها وتتحسر على سياراتك المحمولة التي كانت تحت إمرتك بعمان، تذكر ماذا قلت لك يومها.

أبو الطيب: أذكر يا أبا حسن قلت: إذا استعملنا نحن السلاح في بيروت ستكون بيروت مقبرتنا، نعم هذا صحيح، وكانت بيروت مقبرتنا.

أبو حسن : كنت أتمنى عليك يا أبا الطيب أن تطلع على جميع مباحثاتي مع تلك الأطراف حتى تعرف كم كان عملي مرهقاً والأوراق كانت عندي بالمنزل لأن حضرتك حتى رفضت الاحتفاظ بها بالمكتب لطابع السرية.

أبو الطيب : للأسف لم أطلع على هذه الأوراق لأنه بعد استشهادك لم أسأل زوجتك عن أي شيء يخصك وعلمت فيما بعد أن السيدة 1قامت بتسليم الأوراق للقيادة دون الرجوع لنا أو استشارتنا. فقط منذ اللحظات الأولى من استشهادك كنت أفكر فقط أن يبقى هذا البيت مفتوحاً كما كان على زمنك، وكيف نربي ونعلم هؤلاء الأولاد، والحمد لله تم كل شيء على ما يرام وكما تمنيت. نحن نقدر جيدا العمل الذي قمت به، ونحن نعرف أن فتح خط اتصال مع الأمريكان كان أخطر على إسرائيل من إطلاق النار عليهم، ونحن نعلم كيف أنك استطعت أن تكشف زيف تقارير إسرائيل للإدارة الأمريكية، لهذا تم اغتيالك واغتالوا معك مندوب الCIA روبرت ايمز (بوب)، بعدما عملت وإياه على تقدم المباحثات.

وللتاريخ، فإنني أجد نفسي مدفوعا، وبقوة تلك الدماء التي سالت، وضحت بحياتها في محاولة منها لخدمة قضية شعبها، لأن أستعرض للأجيال التي لم تعاصر تلك المرحلة ، نتائج اتصالاتك مع الأمريكان التي جعلت الإسرائيليين يستشيطون غضبا ويضعون كل إمكانياتهم لإغلاق الطريق أمام تلك الاتصالات وجعلها “بوابة الجحيم” على كل من حاول فتحها أو الاقتراب منها ولذلك اغتيل كل من اقترب منها سواء أكان فلسطينيا أو أمريكيا .

الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 وتأجيج الصراع بين مراكز القوى في واشنطن:

في ظل حكم رونالد ريغان اعتقد الإسرائيليون وأنصارهم في واشنطن أنه غير قادر على منعهم من تنفيذ خططهم، وأنه لا يستطيع أن يواجههم، في حال عدم تنفيذ تعليماته بشأن الشرق الأوسط. فقد ضغطوا كثيرا على ريغان لأخذ موافقته على “عملية تنظيف” محدودة في جنوب لبنان يبلغ مداها الأقصى أربعين كيلو مترا شمال الحدود، أي إلى قلعة شقيف كأقصى حد. وعندما أعطى ريغان موافقته لشارون الذي زار واشنطن أربع مرات لنيل الموافقة (خلال عام 1982) قال له بالحرف (حسب مصدري الموثوق جدا) :

Do it if you can. But if you fail you will have to deal with them””

“قم بالعملية ولكن عليك أن تعلم أنه إذا فشلت فعليك أن تتعامل معهم أي أن تتفاوض”

كان الداعم الأكبر لخطة شارون هو الكسندر هيج وزير خارجية أميركا، واللوبي الإسرائيلي في البنتاغون. فقد كان هيج يهيئ نفسه ويعد العدة لخوض معركة الرئاسة في العام 1984 على اعتبار أن رونالد ريغان لن يخوض المعركة لفترة رئاسية ثانية وأنه أصبح “تعبانا” وغير قادر على التركيز أو اخذ القرارات الصائبة. من هنا راح هيج يتحرك ويتصرف وكأنه الرئيس ريغان بعد أن أعطى موافقته على عملية “سلام الجليل”. وحذر ريغان عند إعطاء موافقته وكرر أكثر من مرة أن موافقته هي على اجتياح لتنظيف أربعين كيلو مترا فقط وأنه محرم دخول بيروت أو الاشتباك مع السوريين. وهذا ما يفسر اتصال القيادة السورية بالقيادة الفلسطينية في شهر آذار وشهر نيسان من العام 1982، وإلحاحها أن تعيد منظمة التحرير الفلسطينية نشر قواتها شمال الليطاني تفاديا لاجتياح إسرائيلي.

كذلك نعزو لهذا الموقف الأمريكي الذي أبلغته واشنطن لدمشق عدم تصديق القيادة السورية تقارير قائد قواتها (السورية) في “عين داره” عندما أبلغ دمشق أن الجيش الإسرائيلي يتقدم نحو مواقعه فصدرت له الأوامر بعدم الاشتباك. كذلك فإن هذا يفسر عدم استعداد القوات السورية للتصادم العسكري واضطرار القيادة السورية لدخول معارك جوية غير متكافئة ونقل قوات قتالية خاصة بالهيلوكوبتر إلى منطقة بحمدون التي جرت فيها أشرس المعارك بين الإسرائيليين والتحالف السوري اللبناني الفلسطيني.

كان ريغان يعتقد أن هيج سيلتزم بتعليماته وحدود موافقته وأن شارون سيفعل الشيء ذاته. إلا أن ما جرى على الأرض كان مختلفا. فقد إنقاد هيج لشارون وتصوره ظنا منه أن التقارير التي ستصل للرئيس ريغان حول سير الأمور في لبنان، ستأتي عبر مكتبه وأن هذا يعطيه الفرصة للتصرف.

فعبر شارون الحدود الدولية وفي اليوم الثاني جرت محاولة إنزال بحري قرب خلدة (بيروت الجنوبية) وهو خرق واضح لتعليمات ريغان. وتمددت القوات الإسرائيلية من الدامور حتى المختارة ووصلت بحمدون وهذا خرق فاضح. وفي اليوم الثالث وصل شارون بعبدا وعقد مؤتمرا صحافيا في قيادة الأمن العام في بعبدا، ونامت دبابته في فندق الكسندر في الأشرفية وحوصرت بيروت. وتوالت التطورات قصفا جويا اعمى وكل ما وصفناه في سردنا لمعركة بيروت.

في هذه الأثناء احتدم الصراع بين هيج ومحور شارون من جهة وبين مراكز قوى أخرى كانت ترى أن مصالح الولايات المتحدة أصبحت في خطر بسبب قرارات هيج واللوبي الإسرائيلي في البنتاغون. فأبلغت السيدة ريغان التي كانت تلعب دورا قياديا إلى جانب زوجها، بأن هيج يتصرف كما يريد وأنه خرق قرار الرئيس ريغان وأنه يقدم تقارير كاذبة للرئيس لأنه يريد توريطه وخوض الانتخابات في العام 1984. وكانت السيدة ريغان مصممة على خوض رونالد ريغان الانتخابات لفترة رئاسية ثانية. وكان الذي أبلغها بهذا هو القاضي كلارك (رئيس مجلس الأمن القومي).

أرسل البيت الأبيض أحد أصدقاء الرئيس ريغان ليكون مبعوثا للرئيس للإشراف على وقف إطلاق نار سريع وهو : فيليب حبيب. وكانت السيدة ريغان قد أصرت على إرسال أحد أصدقاء ريغان لتضمن سلامة المعلومات ودقة الالتزام بقرارات زوجها، وتم ذلك بالاتفاق مع القاضي كلارك رئيس مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض.

وكان روبرت ايمز(بوب) رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في جنوب آسيا هو الذي أبلغ القاضي كلارك بعدم سير الأمور حسب قرار الرئيس ريغان وحول تقارير الخارجية غير الدقيقة حول ما يدور في لبنان وخطورته على مصالح الولايات المتحدة. وعندما أرسل فيليب حبيب مبعوثا خاصا، كانت تقاريره تصل للوزير هيج الذي كان يخفي جزءاً كبيرا منها قبل أن يقدم ملخصها للرئيس ريغان. وتم الاتفاق بين روبرت ايمز(بوب) والقاضي كلارك أن ترسل التقارير للبيت الأبيض مباشرة بحيث لا يتمكن هيج من التلاعب بالتقارير لصالح شارون. كان الرئيس ريغان يصر إصرارا كبيرا على وقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل كما اتفق مع شارون. وعلمت السيدة ريغان وأعلمت زوجها بأن قراراته لم يلتزم بها هيج وأن الغزو شمل لبنان وأن بيروت تحاصر وتدك بالطائرات والمدفعية.

وكلف روبرت ايمز(بوب) بوضع خطة للسلام في الشرق الأوسط قدمت للقاضي كلارك الذي عرضها على ريغان. كانت تلك الخطة جاهزة عندما أعلن الرئيس ريغان عنوانها في خطاب علني “الأرض مقابل السلام”.

مبادرة ريغان جعلت مناحيم بيغن يقول أإنها كالخنجر في خاصرتي. وأصبح روبرت ايمز (بوب) معروفا بأنه المؤيد بشدة لخطة ريغان للسلام التي تعيد أراضي 1967 للفلسطينيين وتبحث بالتفاوض حلا لمدينة القدس.

وفقد شارون هيج، الذي عندما علم بان التقارير تصل البيت الأبيض مباشرة، توجه لمقابلة الرئيس ريغان وفي اجتماعهما العاصف لوح هيج بالاستقالة فكان جواب الرئيس ريغان الفوري: قبلنا استقالتك. ضعف هيج وقال: لكنني لم أقدم استقالتي فأجاب ريغان “اعتبرك مستقيلا منذ هذه اللحظة”. وكان شولتز قد أعلم بالاستعداد لتسلم الخارجية، فاستلم المنصب فورا.

وعلى أثر ذلك قرر شارون، الذي نال غضب مناحيم بيغن الشديد بسبب عدم صدق تقاريره وكذب بشأن خسائر الجيش الإسرائيلي، قرر أن يصفي روبرت ايمز(بوب) وقام بتحريك العملاء الإسرائيليين وغير الإسرائيليين من عملاء الموساد في لبنان لتدبير هذا الأمر.

في شهر نيسان من العام 1983 وصل روبرت ايمز إلى بيروت قادما من تل أبيب عبر قبرص، وذلك لحضور مؤتمر لمسؤولي محطات وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في جنوب آسيا، كان مقررا عقده في اليوم التالي لوصوله، وما أن بدأ الاجتماع في السفارة الأمريكية ببيروت، حتى تحركت سيارة بيك أب شاحنة صغيرة مليئة بالمتفجرات من طريق المطار باتجاه السفارة الأمريكية حيث فجرها سائقها وقتل ضمن من قتل روبرت ايمز(بوب) وسبعة من مسؤولي محطات وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.

ليعيد التاريخ نفسه، وكما وقفت إسرائيل وراء اغتيال الرئيس الأمريكي جون كندي، الذي أصر على وضع مفاعل ديمونة تحت الرقابة لوكالة الطاقة الذرية الدولية، وكما قصفت البحرية الإسرائيلية السفينة التجسسية الأمريكية ليبرتي، اغتالت روبرت ايمز(بوب) وزملاءه للقضاء على خطة ريغان للسلام والداعمين لها.

هكذا نسفت السفارة الأمريكية في بيروت:

تم تفجير مقر السفارة الأمريكية في بيروت يوم الاثنين الموافق 18/4/1983م حيث قتل ثلاثة وستون شخصاً هم (32 لبنانياً) و (17 أمريكياً) و (14 من الزوار للسفارة) ومن بين القتلى الأمريكيين سبعة يعملون لحساب وكالة الاستخبارات المركزية على رأسهم (كن هاس) رئيس محطة بيروت، و(بوب ايمز) كبير المحللين في وكالة الاستخبارات، (وجون هاريسون) ضابط الاتصال في السفارة، كما قتلت فيليس فيلاتشي السكرتيرة في السفارة، وجين لويس نائب رئيس محطة المخابرات المركزية الأمريكية في بيروت.

فقد قام انتحاري يقود شاحنة نقل صغيرة محملة بحوالي (910 كلغم) من المتفجرات باقتحام مبنى السفارة حيث انفجرت بداخلها، ما أدى لانهيار واجهة المبنى المركزي بكامله. وأعلنت مجموعة موالية لإيران تطلق على نفسها اسم (منظمة الجهاد الإسلامي) مسؤوليتها عن التفجير في اتصال هاتفي مع مكتب الأخبار حيث قال متحدث باسم المنظمة: هذا جزء من حملة الثورة الإيرانية ضد أهداف الإمبريالية في جميع أنحاء العالم، ونحن سوف نبقى نضرب أي وجود للإمبريالية في لبنان بما في ذلك القوة الدولية.

وكشف وجود بوب ايمز كبير المحللين في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ومدير منطقة الشرق الأوسط بين القتلى عن مصلحة إسرائيلية في تفجير السفارة الأمريكية في بيروت يوم 18/4/1983م، وقد لمح إلى ذلك السفير الأمريكي في تل أبيب سام لويس قائلاً: “جعلنا ذلك نعتمد كلياً على الاستخبارات الإسرائيلية وستنظر المخابرات الأمريكية إلى التهديد الإسلامي في الشرق الأوسط من خلال المنظور الإسرائيلي”. وقول السفير الأمريكي في تل أبيب سام لويس جاء تعقيباً على ضعف قدرة المخابرات المركزية الأمريكية على جمع المعلومات في المنطقة العربية وتحليلها بعد مقتل بوب ايمز ورئيس محطة المخابرات الأمريكية في بيروت ونائبه. كما نقلت الإذاعة الإسرائيلية عن موشيه ارينز قوله في مجلس الوزراء عن “أن الهجوم يبرر المطالب الإسرائيلية للترتيبات الأمنية في لبنان(1 )”.

وتمثلت المصلحة الإسرائيلية في التخلص من بوب ايمز لكونه مسؤولا عن إعادة صياغة الاستراتيجية الأمنية الأمريكية في المنطقة وأسهم بدور أساسي في إعداد مبادرة الرئيس الأمريكي ريغان للسلام في الشرق الأوسط، وكان على علاقة واتصال مباشر مع الشهيد علي حسن سلامه “أبو حسن” قائد قوات ال17 الذي اغتالته إسرائيل عام 1979. ويمكن تأكيد مسؤولية إسرائيل عن قرار اغتيال مسؤول المخابرات الأمريكية “بوب” للأسباب الآتية:

  1. مسؤوليته عن فتح العلاقة مع البيت الأبيض وياسر عرفات منذ سنة 1975م.
  2. قيامه بترتيب الزيارة الرسمية لـعلي حسن سلامه إلى واشنطن خلال شهر (12/1976م) بدعوة من جورج بوش الأب الذي كان آنذاك مديرا للمخابرات المركزية الأمريكية(2 ).
  3. إن روبرت ايمز هو الذي أعد للرئيس الأمريكي رونالد ريغان مبادرته للسلام في الشرق الأوسط عام 1983 والتي تسلمها عرفات قبل خروجه من بيروت، واعتبر مناحيم بيغن رئيس وزراء إسرائيل آنذاك تلك المبادرة بأنها (خنجر ضرب في قلبي).
  4. إن روبرت ايمز حصل على نسخة من شريط الفيديو الذي صورته شبكة (ABC) عن مذبحة صبرا وشاتيلا والذي يكشف دور القوات الإسرائيلية في تلك الجريمة الإنسانية البشعة، وقام بتسليم شريط الفيديو إلى مناحيم بيغن الذي اتخذ قراراً بوقف العمل السياسي منذ ذلك الحين كون الشريط يفضح وزير الدفاع في حينه أرئيل شارون ويشكل سابقة خطيرة لكتلة الليكود وجماعة اليمين الإسرائيلي، وبموجب ذلك فإن زعماء كتلة الليكود لم يغفروا لروبرت آيمز (بوب) ما فعله، وعليه فقد قتلوه بتفجير السفارة الأمريكية وقتلوا معه جميع مدراء محطات المخابرات المركزية الأمريكية في الشرق الأوسط والذين كانوا في ذلك الحين متعاطفين مع (م.ت.ف).

ولعل استهداف مقر السفارة الأمريكية في ذلك الوقت الذي كانت تجري فيه اجتماعات هامة لكبار المسؤولين في جهاز المخابرات الأمريكية (CIA) يضع علامات استفهام حول الجهات التي توفرت لها تلك المعلومات حول تلك التحركات والتي لا يمكن أن تتوافر إلا لجهات استخبارية كان لها سيطرة فعلية على الأراضي اللبنانية في تلك الفترة وهي المخابرات الإسرائيلية التي استطاعت مراقبة تحركات بوب أيمز مدير منطقة الشرق الأوسط في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية منذ مغادرته تل أبيب متوجهاً إلى قبرص ومنها وصل إلى بيروت يوم الأحد 17/4/1983م لحضور اجتماع في مقر السفارة الأمريكية ببيروت لمحطة الوكالة، ومن مطار بيروت توجه إلى مبنى السفارة مباشرة.

وأشارت المعلومات المتوفرة إلى أن المخابرات الإسرائيلية قامت بتمرير تلك المعلومات حول اجتماعات المخابرات الأمريكية في بيروت إلى المدعو “أمير فرشاد إبراهيمي” أحد قيادات الحرس الثوري الإيراني في تلك الفترة والذي كان مرتبطا مع جهاز المخابرات الإسرائيلية “الموساد” والذي قام بدوره بنقل تلك المعلومات إلى المدعو علي أصغري قائد الحرس الثوري في لبنان في تلك الفترة ومن هنا تسرب الخبر إلى عماد مغنية. وهو ما شكل فرصة لا تعوض للمذكور لتنفيذ عملية نوعية تستهدف النشاطات الاستخبارية الأمريكية في المنطقة في إطار الصراع الذي كان على أشده بين الطرفين.

علي رضا أصغري :

ولد علي رضا أصغري في بلدة (اردشتان) بمحافظة أصفهان عام 1944م، وعندما بلغ العشرين من عمره التحق بالخدمة العسكرية في الجيش الإيراني، وفي عام 1973 أحيل إلى الخدمة في جهاز استخبارات شاه ايران (السافاك) وشارك بدورات أمنية في إسرائيل، وظل يعمل في السافاك حتى عام 1979 م حيث سقط نظام الشاه. وبعد أن سيطرت الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني على الحكم في إيران، أعلن ولاءه للجمهورية الإسلامية مع العديد من ضباط السافاك والتحق للخدمة في حرس الثورة الإيراني.

قرر المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران خلال الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982م، إرسال قوات إيرانية للمشاركة في التصدي للغزو، وبعد أن حطت الطائرة الإيرانية الخامسة في دمشق التي نقلت وحدات من الحرس الثوري وقوات الباسيج ولواء ذو الفقار الخاص، تراجع الإمام الخميني عن إرسال المزيد من القوات( 3) مبررا تراجعه بأن القوات المرسلة إلى لبنان وسوريا لا بد أن يكون لها دعم لوجيستي كبير، وأن المشكلة هي أن طرق الإسناد والدعم تمر عبر العراق وتركيا، والأول في حرب شرسة مع إيران والثاني عضو في حلف الناتو ومتحالف مع أمريكا وأن الطريق الوحيد هو تدريب الشبان الشيعة هناك.

وبموجب قرار الخميني تم إرسال قوات من الحرس الثوري إلى لبنان لتدريب الشيعة، حيث قال علي أكبر محتشمي – السفير الإيراني لدى سوريا حينذاك- إن العديد من الشباب تلقوا تدريبات قتالية منذ أن أسهم حرس الثورة في تأسيس حزب الله اللبناني بالتزام مجموعة من داخل حركة أمل ( 4) وخلال تلك الفترة كان علي رضا أصغري نائبا لقائد حرس الثورة في لبنان الحاج أحمد متوسليان والذي كان يعمل تحت غطاء دبلوماسي بصفته الملحق العسكري في السفارة الإيرانية ببيروت.

وحينما كان القصف الجوي والبري والبحري الإسرائيلي على أشده ضد القوات الفلسطينية والمشتركة في بيروت خلال عملية الغزو الإسرائيلي للبنان، أرسلت إيران وفدا أمنيا إلى بيروت فاستقبله في دمشق قائد حرس الثورة في لبنان الحاج أحمد متوسليــــان، إلا أن الوفد الذي كان يضم -إضافة إلى الحاج أحمد متوسليان- كلاّ من محسن موسوي القائم بأعمال السفارة الإيرانية في بيروت وكاظم إخوان مصور وكالة أنباء أرنا الإيرانية وتقي رستكار سائق الوفد تعرض للاختطاف يوم 4/7/1982م على حاجز للقوات اللبنانية الكتائبية في موقع تفتيش بمنطقة “بربارة” شمال بيروت، والتي كانت محاصرة من قبل قوات العدو الإسرائيلي وطبقا لتصريحات المسؤول الكتائبي آنذاك سمير جعجع في اتصال هاتفي معه يوم 20/11/1990م فقد قال أن الدبلوماسيين الإيرانيين قد تم إعدامهم في هيئة الأركان العامة لقوات الكتائب في منطقة “الكرنتينا” وتم نقل أجسادهم إلى خربة تقع خلف مبنى الأركان العامة وتمت تسوية قبورهم بالأرض( 5) وبعد مقتل قائد حرس الثورة الإيراني في لبنان الحاج أحمد متوسليان، وبناءً على ترشيح من قيادة حرس الثورة في إيران، تولى الجنرال علي رضا أصغري قيادة حرس الثورة الإيراني في لبنان.

العلاقة بين أصغري وعماد مغنيه:

ولد القائد العسكري في حزب الله اللبناني عماد فايز مغنيه في قرية (طير دبا) بجنوب لبنان عام 1962م ثم انتقلت أسرته إلى بيروت لتعيش في منطقة الضاحية الجنوبية بالقرب من المخيمات الفلسطينية، وبعد أن أنهى دراسته الثانوية التحق بقوات ال17 في حركة فتح، حيث تلقى دورات عسكرية وأمنية متعددة، وشارك خلال الغزو الإسرائيلي للبنان في القتال ضد القوات الإسرائيلية، وعندما تقرر رحيل قوات منظمة التحرير الفلسطينية عن بيروت أواخر شهر (8/1982) بقي بصفته لبناني الجنسية في بيروت مع المقاتلين في قوات الثورة الفلسطينية ممن يحملون الجنسية اللبنانية التزاما بالاتفاق مع فيليب حبيب المبعوث الأمريكي للبنان الذي ينص على عدم ترحيل حملة الجنسية اللبنانية مع القوات الفلسطينية، وعين عماد مغنية في حراسة السيد محمد حسين فضل الله.

وبينما كان الجنرال علي رضا أصغري يتردد على السفارة الإيرانية في دمشق لحضور الاجتماعات الأمنية لحرس الثورة الإيراني، كان عماد مغنيه ضمن عناصر حزب الله الحاضرين بهدف التنسيق، فأثار اهتمام الجنرال أصغري فاستقطبه ضمن الحرس الثوري الإيراني في لبنان، وجند له عدداً من كوادر الحرس من أصول عراقية وتم تكليف هؤلاء للعمل في جهاز العمليات لحزب الدعوة العراقي، وبموجب هذه المهمة انتقل عماد مغنيه إلى معسكرات البقاع التابعة للحرس الثوري، وبدأ يخطط وينفذ عمليات خطف وتفجير ضد السفارة والمصالح الأمريكية والعديد من العمليات ضد عدد من الأهداف الحيوية في عدد من الدول العربية كما حدث باختطاف طائرة الجابرية الكويتية بشهر 4/1988م الذي استمر ستة عشر يوما منها ثلاثة أيام في مطار مشهد في إيران وخمسة أيام في لارنكا-قبرص وثمانية في مطار هواري في الجزائر حيث تم إنزال الطائرة في الجزائر بعد أن تم قتل اثنين من ركابها ورميهم من شباك الكبينة(6).

الجنرال أصغري والانشقاق عن النظام الإيراني:

عاد علي رضا أصغري إلى إيران عام 1994م ليتولى منصب الإشراف على الصناعات العسكرية الإيرانية التي تنتج الصواريخ البالستية وأسلحة حرس الثورة والجيش الإيراني ثم نائبا لوزير الدفاع الإيراني عام 1995م وظل في هذا المنصب حتى نهاية عام 2005 حيث أحيل على التقاعد ( 7).

بعد تسلم الرئيس محمود أحمدي نجاد السلطة في إيران، وكان أصغري على خلاف معه لا سيما أن نجاد اعتبره محسوباً على جماعة الرئيس الإيراني الإصلاحي محمد خاتمي، وأدرج اسمه ضمن قائمة للتحقيق في قضايا فساد، لكن علاقة أصغري ظلت مستمرة مع حرس الثورة حتى الأشهر الأولى من عام 2006م حين بدأت لجنة في داخل الحرس الثوري الإيراني برئاسة قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني التحقيق معه بأمر من الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد.

قرر الجنرال أصغري تأسيس شركة تجارية للاستيراد والتصدير باسم “زيتون” تكون غطاءً لتحركاته واتصالاته مع الحرس الثوري في سوريا ولبنان. وتمكن من إقناع قيادة الحرس الثوري تكليفه بمهمة “التشييك” على المنشآت الدفاعية لحزب الله اللبناني بما في ذلك شبكة الأنفاق الجديدة للتأكد من صلاحيتها لنشر وإخفاء منظومة صواريخ متوسطة المدى التي سيتم تزويدها لحزب الله. وبموجب ذلك وصل الجنرال أصغري إلى دمشق يوم 9/12/2006م فاستقبله القائد العسكري لحزب الله عماد مغنيه وثيق الصلة والمعرفة به منذ سنوات طويلة، وانتقل الاثنان إلى لبنان حيث اصطحبه عماد مغنيه في جولة على المنشآت العسكرية والتحصينات وشبكة الأنفاق التابعة لحزب الله.

وفي هذه الفترة أصرت لجنة التحقيق على حضوره إلى إيران للتحقيق في التجاوزات التي نسبت إليه، إضافة إلى العديد من قيادات الحرس الثوري، فقام الجنرال أصغري بالاتصال مع زميله السابق في الحرس الثوري “أمير فرشاد إبراهيمي” والذي كان ملحقاً إعلامياً بالسفارة الإيرانية في بيروت، لكنه انشق عن النظام عام 2003م وهرب إلى ألمانيا، وطلب مساعدته في اللجوء لألمانيا( 8).

كان أمير فرشاد إبراهيمي مرتبطاً مع جهاز الموساد الإسرائيلي فقام بنقل طلب الجنرال أصغري إلى رؤسائه في الموساد، فرحبوا على الفور بالموضوع معتبرين أن الجنرال أصغري “صيد ثمين” نظراً للمعلومات التي يملكها بصفته نائبا لوزير الدفاع الإيراني، وجند الموساد عملاءه في سوريا لتأمين هروبه فور وصوله إلى سوريا باتجاه تركيا. عاد أصغري إلى دمشق بعد انتهاء مهمته في لبنان، وأجرى اتصالاً ثانياً مع زميله السابق أمير فرشاد إبراهيم في ألمانيا مستفسراً عن طلب اللجوء، فأبلغه إبراهيمي أن كل شيء أصبح جاهزا وأن أشخاصا في دمشق سيتصلون به وسينقلونه إلى تركيا حيث سيكون أشخاصاً مهمين في انتظاره ( 9).

قام الموساد الإسرائيلي بإجراء اتصال آمن مع الجنرال أصغري في دمشق، وكلف مجموعة من عملائه في سوريا بتهريبه يوم 6/2/2007 إلى تركيا حيث تم حجز غرفة في احد الفنادق قضى فيها ليلة واحدة، وفي اليوم الثاني نقل إلى مكان محدد في استانبول لإخفائه عن الأنظار، وبعدها قام الموساد الإسرائيلي باطلاع المخابرات المركزية الأمريكية بموضوع انشقاق الجنرال أصغري، فتولت المخابرات المركزية الأمريكية إجراءات نقله إلى ألمانيا لإجراء تحقيق مشترك أمريكي إسرائيلي في قاعدة (واين ماير) الجوية قرب فرانكفورت التابعة لحلف الناتو. طلب الجنرال أصغري قبل الإدلاء بما لديه من معلومات أن يتم منحه اللجوء السياسي لأمريكا، وتسليمه المكافأة التي خصصت لمن يدلي بمعلومات عن مكان عماد مغنيه وقدرها (25 مليون دولار)، فتم إبلاغه بالموافقة عندها كشف أصغري عن معلومات مذهلة لم تكن في حسبان المخابرات المركزية الأمريكية وإسرائيل ومنها:

  1. معلومات دقيقة عن الملف النووي السوري في دير الزور، واتفاق التعاون لبنائه مع كوريا الشمالية، وهي معلومات أفادت إسرائيل في قصف هذا المفاعل.
  2. معلومات عن مستشار الرئيس السوري للشؤون العسكرية اللواء محمد سليمان المشرف على المشروع النووي السوري (تم اغتياله فيما بعد).
  3. معلومات إضافية عن الملف النووي الإيراني.
  4. معلومات عن تحصينات حزب الله اللبناني وأنفاقه في الجنوب وكميات التسليح ونوعية الصواريخ التي زودته ايران بها.
  5. معلومات تفصيلية وهامة عن تحركات عماد مغنيه القائد العسكري لحزب الله اللبناني والذي اغتيل لاحقا بفضل هذه المعلومات التي قدمها الجنرال أصغري.

بعد انتهاء التحقيقات مع الجنرال أصغري مارس الموساد الإسرائيلي ضغوطا هائلة على إدارة الرئيس الأمريكي بوش الابن لمنحه حق اللجوء السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية ومنحه المكافأة المعلن عنها، وقد تم توسيط ايليوت ابرامز رئيس قسم الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض لهذا الشأن، فصدر قرار رئاسي من البيت الأبيض بأمر من المخابرات المركزية الأمريكية بإدخاله إلى الولايات المتحدة الأمريكية والموافقة على منحه حق اللجوء السياسي.

بعد وصوله إلى أمريكا كشفت معلومات صحفية أن الجنرال علي رضا أصغري كان يقود حرس الثورة الإيراني في لبنان خلال تفجير السفارة الأمريكية عام 1983، فأثارت هذه المعلومات مخاوف الطرفين الإسرائيلي والأمريكي، الأمر الذي سيضع الإدارة الأمريكية في حرج شديد أمام المواطنين الأمريكان بشأن منح اللجوء السياسي لمن أشرف على قتل الجنود والمسؤولين الأمريكيين في بيروت، كما سيضع إسرائيل في دائرة التواطؤ في مقتل الجنود والمسؤولين الأمريكان مما سيترك عواقب وخيمة في العلاقات بين البلدين، وللتخلص من هذا المأزق سربت إسرائيل معلومات كاذبة عن انتحار الجنرال علي رضا أصغري في أحد السجون الإسرائيلية، ونقل هذه المعلومات الكاذبة الصحفي الأمريكي ريتشارد سيلفر شتاين على موقعه الإلكتروني يوم 28/12/2010م حيث ادعى أن الجنرال أصغري الذي اختفى في تركيا عام 2007 قد عثر عليه ميتا داخل سجن أيالون الإسرائيلي، ونسب هذا النبأ إلى مصادر قريبة من إيهود باراك، وقد أعادت نشر الخبر الكاذب صحيفة يديعوت أحرنوت على موقعها الإلكتروني التي أضافت أن الجنرال أصغري الذي كان مسجوناً في الزنزانة رقم (015) قد وجد منتحرا في الزنزانة.

لقد أرادت المخابرات المركزية الأمريكية وجهاز الموساد الإسرائيلي إنهاء قصة الجنرال علي رضا أصغري بإعلان وفاته لطي صفحته وقطع الطريق على كل من يشير إلى وجوده حياً وطي هذا الموضوع الخطير كما سبق أن طوي موضوع تدمير السفينة الحربية الأمريكية “ليبيرتي”يوم 9/6/1967م بواسطة الطائرات الحربية الإسرائيلية مقابل الشواطئ المصرية أثناء حرب 1967م، وكذلك تفجير مكاتب المعلومات الأمريكية في القاهرة في الخمسينات بوساطة الموساد تحت اسم “عملية لافون”(10) الذي كان وزيرا للداخلية في الحكومة الإسرائيلية والتي تم كشفها وغطيت أيضاً.

ورغم كل هذا الكذب الإسرائيلي فإن العميل “أمير فرشاد إبراهيمي” كشف في تصريح لصحيفة دير شبيغل الألمانية يوم 2/11/2009 أن الجنرال أصغري حي يرزق بعد أن منحته الولايات المتحدة الأمريكية حق اللجوء السياسي، وأن أصغري اتصل به شخصيا مرتين أولاهما من واشنطن والثانية من تكساس. بدوره فقد نشر الصحفي الإسرائيلي يوسي ميلمان مقالاً في صحيفة هآرتس الإسرائيلي انتقد فيه الموساد الإسرائيلي معتبرا أنه من المستبعد تماما وجود شخص مثل أصغري في إسرائيل، وما هي إلا أسطورة وخبر لا أساس له من الصحة( 11).

أما صحيفة الثبات اللبنانية فقد نشرت تحقيقا بتاريخ 11/11/2010م كشف النقاب بأن الجنرال أصغري قد حصل على جائزته المالية وقيمتها (25 مليون) كما ذكرنا سابقاً، ويعيش في مزرعته التي اشتراها في مقاطعة أوهايو بعد منحه أوراق هوية جديدة(12).

اغتيال أبو حسن سلامة :

لقد شكل ابو حسن سلامة خطرا على الاسرائيليين ووضعوه على قائمة الاغتيالات وحالوا اغتياله عدة مرات وطاردته اجهزتهم الاستخبارية وفرق الموت في كل بقاع الارض ولكن العناية الالهية انقذته ووقفت الى جانبه دائما لينجو من الموت .. الى ان اصبح قرار اغتيال ابو حسن سلامة اكثر الحاحا ،،، كيف لا وهو قد تجاوز اخطر الخطوط الحمراء الاسرائيلية ،،، حيث اقترب من اختراق حاجز العلاقات مع الولايات المتحدة الامريكية.

كان اسحق حوفي “مايك هراري” رئيسا لجهاز الموساد ما بين 1974-1982م، هو من تولى عملية الرد الاسرائيلى بعد عملية ميونخ 5-9-1972 ، واقام في لبنان و نفذ عددا من الاغتيالات داخل لبنان وخارجه. ومنها عملية الموساد الفاشلة ضد احمد بوشيكي في النرويج ظنا انه أبوحسن سلامة.

في حوالي الساعة الثالثة والنصف يوم 22/1/1979م وصل مرافقوه في سيارتين أولهما من طراز “شيفروليه – ستيشن” والثانية جيب من طراز “لاندروفر” وعندما خرج “أبو حسن” من شقته ومن معه، هرع حارس الشقة ليفتح له باب المصعد.. وما أن أطل بطلعته المهيبة من باب المصعد حتى ركض أحد مرافقيه إلى فتح باب سيارة الشيفروليه التي كانت تقف امام المنزل على الشارع العام .

وتحرك الموكب عدة امتار في الشارع مبتعدا عن المنزل لتنفجر سيارة مفخخة كان عناصر جهاز الموساد الاسرائيلي كانوا قد وضعوها، بعد عمليات مراقبة ورصد لتحركات ابو حسن سلامة، وتترصد خروجه ودخوله الشارع وتراقب بيته لشهور طويلة، بإشراف عميلة إسرائيلية تدعى “أريكا” والتي كان يعرفها جيرانها باسم PENELOPE التي مارست الرسم (والمراقبة) من على الشرفة في الشقة التي استأجرتها بجوار منزل ابو حسن سلامة.

واستطاعت الجاسوسة “اريكا” ان ترصد وتتأكد من وجود أبو حسن في السيارة التي تحركت واعطت اشارة الى مجموعة الموساد التي كانت قد وصلت قبل فترة الى بيروت وأقامت في عدة فنادق متفرقة واستأجروا سيارة فولكس فاجن وقاموا بتجهيزها بنوعية شديدة الانفجار من المتفجرات من مادة HEXAGANE التي كان يبلغ وزنها حوالي 11 كلغم. ثم قاموا بوضعها في طريق مرور سيارة أبو حسن بالقرب من منزله وذلك عند التأكد من وجوده في السيارة ، وهو ما حدث من خلال مراقبة العميلة “اريكا” التي قامت بالضغط على زر التفجير من شرفة منزلها المطلة على سيارة فولكس فاجن المفخخة. ثم قامت مجموعة الاغتيال بالانتقال إلى بيروت الشرقية بعد الانفجار مباشرة وفي الليل تم نقلهم بواسطة زورق إلى البارجة الحربية الإسرائيلية (13).

الانتقــــــــام :

تم تشيع الشهيد ابو حسن في مقابر شهداء منظمة التحرير الفلسطينية، بالقرب من مخيم شاتيلا فى بيروت الغربية، بحضور اكثر من خمسين الف فلسطيني ولبناني تقدمهم “الختيار” أبو عمار الذي حمل النعش بنفسه وهو يبكى والدموع تنهمر على وجنتيه ولحيته، وودع ابو حسن قائلا: “إننا نوارى شهيدا التراب إلى اللقاء أيها البطل، نحن لا نبكيك اليوم فاستقر مكانك فى كبرياء سنكمل مسيرتنا إلى فلسطين مهما كانت التضحيات”.

وبالفعل لم تكن عملية الاغتيال لتمر بسهولة وقوات الـ17 اعتادت أن ترد الصاع صاعين فكيف باغتيال أبو حسن سلامة، نعم ، قد يفترض البعض أن 5 سنوات فترة طويلة ليتم بعدها الرد على اغتيال أبي حسن ولكنها في حرب العقول والاستخبارات في تلك الحرب الخفية تمثل براعة وجسارة وكفاءة حيث مثلت عملية “ليماسول” في قبرص عام 1985 ردا مثيرا ثأرا لمقتل أبو حسن ، فكان القضاء على 5 من كوادر الموساد ومنهم ممن شارك في مقتل أبو حسن عملا أسطوريا بحق.

فقد قامت مجموعة من قوات الـ17 بإشراف المقدم حسني سليم “ابو سليم” والذي كان يقيم في قبرص برصد مجموعة من ضباط الموساد وقفت خلف اعتقال العشرات من كوادر الثورة الفلسطينية اثناء عبورهم من قبرص الى لبنان عن طريق البحر، ويعاونهم العميل السوري مصطفى صبرا ، وقامت المجموعة الفدائية باقتحام المركب الذي كانوا يقيمون فيه ويديرون من خلاله عملياتهم الاستخبارية في رصد تحركات كوادر الثورة الفلسطينية.

تمت عملية اقتحام المركب واحتجاز ركابها كرهائن للمطالبة باطلاق سراح أسرى في سجون الاحتلال، وتدخلت عدة وساطات تطالب افراد المجموعة بعدم قتل المحتجزين ، الا ان وصول وحدات كوماندوس اسرائيلية وشعور أبطال المجموعة بتحركاتهم حول المركب ادى الى قيامهم بقتل العميلة “استر” ووضعوها على مقدمة المركب يوم كامل انتقاما لابي حسن سلامة ثم قامت المجموعة بعد ذلك بقتل باقي عناصر المجموعة الاسرائيلية وتسليم أنفسهم للحكومة القبرصية. ومن الجدير بالذكر انه وفي بنفس اليوم والتوقيت قامت المجموعة بتصفية العميل السوري مصطفى صبرا.

لم يكن أبو حسن قائداً لمقاتلين، وإنما كان أخاً وصديقا للجميع، فإذا كان أحد العناصر بحاجة لمساعدة ما يجد أبو حسن في خدمته، وعندما كان يعلم بمظلمة لأي عنصر كان يتدخل فورا لإنصافه. ولذلك كان كان يوم 22/1/1979م هو “يوم الاثنين الحزين” في تاريخ الثورة الفلسطينية، وهو يوم مفعم بالأسى ونوبات الألم القاتلة في حياة كل من أحب القائد الشهيد علي حسن سلامه ذلك الإنسان الموسوم بطباع المحبة التي تدخل إلى قلوب الجميع، وكما يقول الشاعر “لا يعرف الشوق إلا من يكابده” لذا فلا يعرف المحبة الصادقة لأبي حسن إلا أولئك الذين عايشوه، وكابدوا معه مشقة الخوض في غمار دهاليز الموت الذي كان ينتظرهم في كل لحظة، في انتصارات القوة 17، في لحظاتها الحرجة، كان طيف أبي حسن يسكن وما يزال في أسطورة عشق وطني لشعب الاغتراب، ولقد قدر الله أن يجمع أحاسيس المحبة الموجودة في قلوب الذين عرفوه، أو عاصروا مقارعته لأجهزة المخابرات الإسرائيلية، أو أولئك الذين أحبوه عشقا بالوطن، لشهدت الدنيا اندفاع نهر عظيم يفوق كل الأنهار.. هو نهر المحبة لأبي حسن وريث شلال الدم الفلسطيني الذي تفجر مطلع القرن العشرين دفاعا عن عروبة وإسلامية فلسطين، لقد عشقت روح “أبو حسن” النضال إرثا عن والده الشيخ حسن سلامه أحد قادة الجهاد المقدس الذي استشهد في معركة رأس العين يوم 1/6/1948م.

———————————————————————-

(1 ) تقرير عن تفجير السفارة الأمريكية، 1983 بتاريخ 3/1/2004 – ويكيبيديا.

(2 ) جاء في كتاب إرث من الرماد (تاريخ CIA) من تأليف تيم واينر، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت 2010، ص522: المعلومات التي قدمها علي حسن سلامة شكلت غصن الزيتون الذي رفعه عرفات إلى الولايات المتحدة الأمريكية، تفاوض سلامة وايمز على تفاهم محوره ألا تقوم (م.ت.ف) بمهاجمة أمريكيين. لقد اختفى هذا من تقارير المخابرات المركزية الأمريكية عندما اغتالت الاستخبارات الإسرائيلية علي سلامة.

( 3) علي أكبر محتشمي بور سفير إيران السابق لدى سوريا للفترة من 1982 – 1985 م في حديث لصحيفة (شرق الإيرانية) بتاريخ 3/8/2008م.

(4 ) المصدر نفسه حديث لصحيفة (شرق الإيرانية) بتاريخ 3/8/2008م.

( 5) وكالة أنباء الجمهورية الإيرانية (أرنا) ومركز مهر للأنباء بتاريخ 6/7/2008م.

(6)المصدر منتديات مملكة البحرين – شهر 1/2004م.

( 7) دافنا لينز مراسلة الواشنطن بوست 8/3/2008م موقع 14 آذار بتاريخ 6/6/2011م، وكذلك صحيفة الغارديان البريطانية بتاريخ 12/8/2007م.

( 8) دير شبيغل – بارك فورت وهولغر ستارك – 2/11/2009م.

( 9) دير شبيغل المرجع نفسه

(10)بموجب هذه العملية تم زرع قنابل في مكاتب المعلومات الإنجليزية والأمريكية في مصر في 1954 وألقي اللوم على الإخوان المسلمين والشيوعيين والقوميين المصريين لخلق موجة عنف في مصر وحال من عدم الاستقرار تجبر بريطانيا بالإبقاء على قواتها الحربية في منطقة قناة السويس، هذه العملية تمت تحت اسم (عملية سوزانا) أدارها جهاز الموساد الإسرائيلي عبر تجنيد عدد من المصريين اليهود، وألقت المخابرات المصرية القبض على كل المتورطين الذين اعترفوا بأن من قاد هذه العملية هما الكولونيل (Dar و Elad) اللذين تمكنا من الهرب في حين تم اعتقال إسرائيليين هما يوسف كارمون اليهودي المولود في هنغاريا وميير ماكس بينث من جهاز (أمان) حيث أقدما على الانتحار داخل السجن.

(11 ) موقع أخبار جاما – 8/12/2011

(12)حسب تقرير BAER (موظف في الCIA) الذي رفعه رسميا للوكالة في سنة 1984 بعد تحقيقاته في بيروت، فإن علي رضا اصغري هو الذي كان وراء تفجير السفارة وتفجير المارينز قرب مطار بيروت في سنة 1983، وبالرغم عن هذا يقول الكتاب ان اليوت ابرامز رئيس قسم الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض هو الذي اقنع الرئيس بوش (الابن) في سنة 2007 لإعطاء الجنرال علي رضا اصغري المناعة القانونية والبراءة مع اللجوء السياسي إلى الولايات المتحدة وساعد ابرامز في تسويق الجنرال علي رضا اصغري جهاز الموساد.

(13)انظر: كتاب المؤرخ الأمريكي كاي بيرد عن حياة روبرت ايمز رجل الاستخبارات الأمريكية الأول المتخصص في قضايا الشرق الأوسط، الجاسوس الصالح،2013م.