حوار الحلم بين الشهيد ابو حسن سلامة و ابو الطيب

0
1549

يكتبها اللواء محمود الناطور ابوالطيب

الحلقة الاولى

يتكرر السؤال من وقت لآخر ، حول مصير جهاز ال 17 ، ليس فقط ، تساؤل يُطرح ممن يسمى الجيل القديم أو الحرس القديم ، بل ، هناك قراء مواظبون على قراءة التاريخ بشكل عميق لا سياحياً ، وتحولت مع الوقت قراءتهم إلى أسئلة ، اجتمعت في نهاية المطاف ، في سؤال واحد ، لماذا ، كانت النتيجة بهذا الشكل ، وقد يتقدم شخص أخر ، ويطرح سؤال بهذا الشكل ، لو جاء أبوحسن سلامة في منامك يا ابو طيب ، ماذا ستقول له عن مصير جهاز 17 ونهايته السعيدة ، ألم تكن ، أمانة ، في الحقيقة هي كذلك ، ورغم أن الموت ، قطع حبل التواصل بيننا ، إلا أن هناك حقيقة ، أكتفي بها لنفسي ، بأن الرجل لم يفارقني في أغلب حياتي ، فهو زائر دائم في عتمتي ، يطل من حين لأخر ، بطوله المشهود وجهامته ، يقف بين الهواء ، فأشعر به كما استشعر الهواء ، وفي أحد المرات ، تساءل عن سبب همي الدائم ، ومن هنا ومن هذا التساؤل ، ابتدأ حوارنا المثقل ، الذي يجعلني أن ابغط أبو حسن على استشهاده ، وأتأمل ، حكمة القدر على معاقبتي ، عندما اختار لي البقاء .

 

أبو حسن : ألاحظ يا ابو الطيب أنك على دوام مهموم ؟

ابو الطيب : وكيف لمثلي أن يكون غير ذلك .

أبوحسن: أعرف بأن الحِمل ثقيل ، والمهام كبيرة ، فجهاز مثل آل 17 ، تنوء جبال عن حمله . كيف أصبح اليوم ، بالتأكيد ، شهد تطور وانخرط به جيل جديد .

أبو الطيب : بالتأكيد أنه شهد تطوراً حتى أن من شدة التطور ، تبخر .

أبو حسن: كيف علي الزئبق استشهد، ومصطفى الطيب استشهد .

أبو الطيب : خالد الجزائري.. استشهد، نزيه الضبع.. استشهد، مفيد المصري.. استشهد، أبو فارس.. استشهد، أبو محمد الداية.. استشهد، أبو النور.. استشهد ، فالقائمة تطول ، من الأفضل أن تسألني عن من تبقى على قيد العيش ، المنزعة من الحياة لانك اذا استمريت بالسؤال عن الشهداء نحتاج لعشرات الاوراق اما اذا عن الاحياء فقط نحتاج لبعض الاسطر.

 

ابو حسن وفتح ماذا حصل بها

لم يبق من فتح واحد ألف وتسعمائة وخمسة وستون سوى الاسم وتاريخ طويل من النضال والتضحيات، يتغنى به أبناء الحركة ويحاولون الذود به عن أنفسهم وعن حركتهم التي هجرت الكفاح المسلح منذ زمن بعيد ، وجففت ينابيع الفتح الأولى منذ ولجت اوسلوستان. ، وجرم قادتها من مهندسي عملية سلام أوسلو وأخواتها، المقاومة وكافة أشكالها و التي على أساسها انطلقت حركة فتح ، وبها آمنت وبها عملت. لكن شتان ما بين فتح التي كانت فتحا مبينا وفتح التي صارت حزب سلطة..

 

كانت حركة فتح البادئة بالإعلان عن ولادتها كتنظيم فلسطيني يؤمن بالكفاح المسلح وسيلة وحيدة لتحرير فلسطين ، قبل أن تتحول فتح في النهاية مع رئيسها محمود عباس الى مؤمنة بالمفاوضات وعملية السلام خيارا وحيدا لاستعادة ولو جزء صغير من ارض فلسطين التاريخية ، جزء أصغر مما جاء في البرنامج المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية.

أما فيما يخص الكفاح المسلح فقد تخلت عنه فتح عمليا وميدانيا وتسألني عن ال17 فلم يبقى من هذه الأذرع لقوات العاصفة أي وجود رغم أنه تم تفكيك كتائب شهداء الأقصى الذي كان يعتبر الذراع المسلح لفتح، هذه الظاهرة الشريفة التي برزت وظهرت في الانتفاضة الثانية سنة 2000 ، التي شكلت بريق أمل لاستعادة فتح لفهدها الأسود ، ولعاصفتها المغدورة ، ولقطاعها الغربي المقموع، ولدورها ومكانتها في الكفاح المسلح والشعبي الفلسطيني، لذا قضت السلطة بعد وصولها بشكل هادئ على مجموعات الفهد الأسود ، وبقايا القطاع الغربي التي كان يتبع تنظيم الأرض المحتلة وبطريقة فيها كثير من العار مع كتائب شهداء الأقصى، حلت ووزعت قوات ال17 ولم يبقى لها أي وجود.

، لكن ، من الممكن أن طرب مسامعك بخبر يسر الخاطر في ظل هذا الانحطاط والانحدار الذي وصلنا له ، فهناك بعض الرياضيون / على الاخص ، لاعبون كرة القدم ، عز عليهم مصير التي آلت إليه قوات ال17 ، فقاموا بكتابة رقم 17 على قمصانهم كنوع من الترميز والعرفان لماضي يأبى الحاضر الاعتراف به .

ابو حسن: ما الذي اوصل فتح لكل هذا التراجع

فتح هي الاساس ، وهي الاداة ، هي العنوان ، وهي البرنامج ، هي الانسان المكون على الوعي وعلى الحقيقة وعلى المستقبل، فتح لنفسها حزبا طليعيا، ولغيرها هي ائتلاف جبهوي، تتسع حالة الشراكة فيه ومعه، لتشمل المستقلين واليسار الفلسطيني والتيار القومي، وكافة المؤمنين التقاة من المسلمين والمسيحيين، ولانها كذلك حققت الانتصار، ولما اختلت معادلة الانتصار الرباعية بين صفوفها ولدى بعض قياداتها تعرضت فتح للهزائم والانكسارات سواء في الانتخابات البلدية عام 2005، وفي الانتخابات البرلمانية عام 2006، وامام الانقلاب الحمساوي الدموي عام 2007، وفشلها في استعادة غزة ولا تزال.

الشعب دائما يسير وراء المنتصر.. لقد ادى الانتصار الكبير في معركة الكرامة في اذار 1968 الى الاقبال الواسع والفيض الغامر للتطوع في صفوف الفدائيين.

ابو حسن- سؤال- اين اصبحت م.ت.ف

هناك فرق كبير بين بدايات المنظمة ونهاياتها .. بدايتها بدأت كمنظمة تحرير تعلقت بها آمال وتطلعات الشعب الفلسطيني بالعودة والتحرير وتقرير المصير.. لكن ما ألت إليه الأمور أصبحت عبارة عن صورة لا معنى ولا قيمة ولا دور لها وأصبحت مفرغة وتوغلت عليها السلطة والأفراد”.

لا تتوفر إرادة إقليمية ولا رسمية فلسطينية أن تبقي المنظمة حاضنة للتحرر الوطني أو أن تقوم بتوحيد الشعب الفلسطيني ورعايته بالشتات وجميع كل أماكن تواجده.

ابو حسن: قلت لي لم يبقى من فتح سوى الاسم والتاريخ.

ابو الطيب: نعم لم يبق من فتح 1965 سوى الاسم والتاريخ ، وأيضاً التاريخ ، هناك محاولات مستمرة في تزيفه والتلاعب في محطاته ، حتى باتوا المناضلون واسرى الشهداء ، يتحسسون رؤوسهم خوفاً على تاريخهم ، ومن جانب آخر ، تحول التاريخ ، بالنسبة للبعض ، ليس أكثر من سلم ، فأصبحوا الجميع أبطال ، طالما ، أن الحركة تخلت عن الكفاح المسلح .

 

فالوضع الدولي والعربي تغير لدرجة أن العراق وسوريا باتوا في خبر كان ، فكان لا بد لفتح أيضاً أن تتغير ، لهذا ، أصبح الفدائي ظاهرة غير مرغوب بها وشخص مثل أبوجندل ، الأغلبية الساحقة ، تحاول التبرؤ منه ، أو انكار معرفتهم به ، إنه يا يصديقي المغدور ، العهد الجديد ، عهد الأمريكي الذي ، أنت كنت من أول من فتح باب الجنة ، لكن ، اتضح لاحقاً ، أنه باب من أبواب الجحيم .

 

منذ لحظة التوقيع على اتفاقية اوسلو، كان قرار القيادة الفلسطينية واضحا في التجاوب مع معطيات الشرعية الدولية، ومسايرة خط الواقعية السياسية التي فرضتها متغيرات موازين القوى على الساحة الدولية، وكان الاعتراف المتبادل مع العدو واللجوء الى خيار التفاوض والعمل الدبلوماسي خيارا فلسطينيا رغم قسوة ومرارة الاستحقاقات المترتبة عليه، وقبولنا بالحل الممكن في احقاق الحد الادنى المقبول من اهداف شعبنا وثورتنا وحركتنا الرائدة، دون المساس والاجحاف بثوابت القضية واركانها الواضحة.

 

** الفلسطينيون طالبوا وما زالوا يطالبون بتغيير حقيقي على ارض الواقع مقابل احداث التغيير في نظريتهم الوطنية والقومية بالنسبة لحل الصراع، في حين طالبت اسرائيل الجانب الفلسطيني ليس فقط باحداث تغيير في نظريتهم القومية قبل حدوث أي تغيير في الواقع وانما تبني نظرية أمن تحتوي ضمنا على عناصر جديدة تتلائم مع متطلبات الامن الاسرائيلي، وتتعارض مع المنطلقات القومية الفلسطينية ولا تطلب من نفسها احداث أي تغيير في تظريتها الامنية القومية التي تمت صياغتها في زمن الحرب والتهديدات العسكرية بل وتعطي الحق لنفسها بادخال عناصر جديدة من اجل تطوير نظريتها الامنية على نفس اسس الماضي.

 

حتى اثناء تطبيق بنود اسلو ، اتفاق السلام ، بتدخل أبو حسن بمداخلة صغيرة ، مستغرباً ، وهل صنعتم سلام مع الاسرائيليين ، بالطبع ، ليس فقط ، سلام ، بل ، اصبحنا في خندق واحد ، بعد ما طُردنا من جميع الخنادق ، فلم نجد أحن على ذبحنا سوى جلادنا ، وجلادنا لم يقبل بنا قبل أن فرض علينا أن نفكك جميع الأجهزة التى كانت لها علاقة في مقاومة الاحتلال، فالكفاح المستحدث ، منذ اوسلو ، هو ، كلما ابتعدت عن ادبيات حركة فتح ، فاليوم المعايير جميعها اختلفت ، وطالما ، انت تجيد الصعود على سلم اوسلو ، يعني ، أنت تحظى باهتمام ، كل شيء انهار يا أبو حسن ، بعد أن خلعوا انيابنا ومخالبنا وأدخلونا كالأسود في معتقل كبير بحجم وطن ، كما زعموا وكما نحن صدقنا .

للحوار مع أبو الحسن بقية أنتظروني في الايام القادمة