علم غزة الخفاق (موسى سابا) بقلم / وزير العدل الفلسطيني / فريح أبو مدين

0
638

قُضي الأمر وفارقت الروح الجسد الذي أشقى صاحبه جهداً ونضالاً وانتقل موسى سابا (أبو عيسى) ابن غزة البار وأحد أعلامها الوطنية والاجتماعية إلى رحاب الله بعد أن أدى دوره كاملاً في خدمة فلسطين وشعبها، بعد أن هاجر من مدينته ومسقط رأسه بئر السبع المحتلة التي تمنى أن يدفن فيها وكان دائماً يفخر بها ويفاخر أهلها من أبناء البادية والتي كان يعرف جميع قبائلها وتعدادهم، حيث عمل في دائرة الإحصاء قبل النكبة.

وبعد انتقال أسرته لغزة عمل بوكالة غوث اللاجئين لتمكنه من اللغة الإنجليزية، وكان نموذجاً للتفاني والاستقامة وهو يخدم في معسكرات اللاجئين وفي العمل السياسي الذي كان أحد رموزه وأذكر له أنه كان فاعلاً وقائداً في انتفاضات غزة المتوالية وكان أولها بعد مذبحة 28/2/1955 المطالبة بالتسليح، ثم تطورت المظاهرات ضد مشروع التوطين للاجئين في سيناء حتى تم إسقاطه. بعد ذلك احتل قطاع غزة في حرب تأميم قنال السويس مع سيناء وانسحبت إسرائيل في 23/12/1956 من سيناء وبقي القطاع تحت الاحتلال وانتظمت حركة المقاومة بسرعة بإسناد مصري قوي، حتى تم الانسحاب يوم 7/3/1957 وكان أبو عيسى يقبع في سجن غزة المركزي وترك هو وباقي المقاومين في السجن حتى حطمت الجماهير الغزية السجن وحررت من كانوا به، وخرج أبو عيسى إلى المظاهرات محمولاً على الأكتاف حتى يوم 14/3/1957 حتى تم مشروع تدويل قطاع غزة وسقطت غزة مرة أخرى تحت الاحتلال في حرب يونيو-حزيران 1967 وفوراً تنادى نخبة من الأبطال بقيادة الشهيد/ زياد الحسيني مشكلين خلايا الكفاح المسلح والبداية كانت بقوات التحرير الشعبية المنبثقة عن جيش التحرير وتولى أبو عيسى موقع الموجه السياسي لتلك الحركة واستشهد زياد الحسيني والبطل عبد القادر أبو الفحم نائبه وأسر أبو عيسى

مع د. محمد زين الدين وآخرين.

وبعد خروجه من السجن عمل مع د. حيدر عبد الشافي أميناً لمكتبة الهلال الأحمر حتى أحرقت وكان حزن أبو عيسى لا يوصف صارخاً لماذا أحرق الفاشست كتب الفكر والمعرفة، ثم انتقل لإدارة جمعية الشبان المسيحية، حيث خلق منها معقل للوطنية عاملاً ليل نهار في تطوير الجمعية وجعلها مقراً لكل المناسبات الوطنية خاصة بعد الانتفاضة الكبرى التي بدأت من قطاع غزة.

وأذكر كيف حوصرت الجمعية بعد أن علمت سلطات الاحتلال باجتماع قيادات الانتفاضة برئاسة د. حيدر عبد الشافي وكان أبو عيسى منسقاً لكثير من تلك الاجتماعات، كما عمل أبو عيسى في المجال الصحفي مع المرحوم الكبير زهير الريس ومحمد آل رضوان وآخرين من رواد الفكر التقدمي في جريدة أخبار فلسطين، ولقد تابعت بحكم صداقتي الشخصية معه حالة الحزن التي سيطرت عليه بعد الانقسام، ثم كيف ذهل حزناً مرة أخرى بعد حرق مكتبة جمعية الشبان المسيحية، ولكنه بقي صامتاً حزيناً ولم يصرخ كالمرة الأولى لماذا أحرق الفاشست المكتبة؟ لقد كان أبو عيسى محط إجماع جميع القوى الشعبية والسياسية، وكان صاحب حظوة لدى جميع من عاصروه، وكنا نتندر مع أبو عيسى أحيانا حول بطاقة هويته، حيث كان مكتوبا فيها خانة الديانة مسلم وكان يرفض تغييرها، قائلا وايش تفرق وأقول له بعد وفاته أصبحت تفرق يا أبو عيسى.

رحم الله أبو عيسى الذي كان نبراساً للوطنية يجمع كل الأطياف في مواجهة الاحتلال. وخالص العزاء لأبنائه وأحبائه وخاصةً زوجته أم عيسى الصابرة المتحملة مسيرة أبو عيسى المليئة بالتعب والجهد، وأذكر كم حاولت هذه السيدة أن تقنع أبو عيسى حينما تأذى نظره للعلاج خارج القطاع، حينما طلبت مني بحكم قربي منه أن أقنعه بذلك، إلا أنه أقسم قسماً غليظاً أن لن يغادر غزة مادام حيا.

وهكذا كان وكان بفطرته يقسم كثيراً بالقرآن والإنجيل، وهذا غيض من فيض وعلى لجنة التأبين أن توفيه حقه.

طوبى لروحك أبو عيسى في فضاء فلسطين الرحب.

كاتب ووزير عدل فلسطيني سابق