منذ متى لم نكن منقسمين؟ بقلم/ شمس شناعة

0
557

تطوف في جنبات الذاكرة ملامح هذا الانقسام الذي يطوي سنوات من عمر الأجيال الفلسطينية، وهي أجيال ضاعت بين الأحلام من جهة وخيبات الأمل من جهة أخرى، ليتكشف الكثيرون أنهم عوّلوا على السراب من أجل تحقيق الانجاز وتداعت أحوالهم حتى باتت تصعب على الكافر، وبشكل متسارع، حتى كاد قطاع غزة أن يتحول إلى كائن يعيش بطريقة التنفس الصناعي، بعدما عجزت عجلة القصور الذاتي عن إمداده بأسباب البقاء.

نحن منقسمون حتى قبل أن نلتحق جميعاً بالمشروع الوطني التحرري، فقد كان ردنا على وعد بلفور معارك عائلية بين علية القوم بشان من يتولى رئاسة بلدية القدس ومن يتولى رئاسة الهيئة الإسلامية العليا، وقد كان القرار في حينه للمندوب السامي البريطاني الذي كان يقرر من منا يستحق هذه الصفة أو تلك، ثم كان ردنا على إعدام القادة جمجوم وحجازي والزير بأن انقسمنا إلى فريقين أحدهما يؤيد الكتاب الأبيض والآخر يرفضه، ثم عدنا بعد ثورة القسام وانقسمنا من جديد بين مؤيد لقرار قادة العرب بالتوقف عن الإضراب وإفساح المجال أمام بريطانيا العظمى لتبحث خياراتها لحل المعضلة ومعارض لهذه التسوية، ثم عدنا وانقسمنا بعد نكبة العام 1948 بين فريق يرحب باللاجئين ويراهم جزءاً من أبناء وطنه ضاقت بهم السبل وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وفريق تعامل بمنطق أنه من أهل الديار وهؤلاء ضيوف ثقيلو الظل عليه، ثم انقسمنا بعد نكسة 1967 بين منجرف مع التيار القومي الناصري وفريق ثاني يرى أن الناصرية هي التي قادتنا للهزيمة، وعدنا للانقسام بعد مدريد وأسلو بين من يرى في الحل التفاوضي فرصة للخلاص من الاحتلال وبين من رأى في ذلك تفريطاً وانتكاسة وتراجعاً عن المبادئ، وظلت حلقة الانقسام تضيق علينا حتى أوغلنا في دماء بعضنا وحدث الفصل الذي لم تنتهي فصوله إلى يومنا هذا.

بالنتيجة يمكننا القول أننا منقسمون حتى قبل أن تقسمنا السياسة والجغرافيا، وأن الانقسام يسكننا حتى قبل أن تتوطن الأحزاب في شوارعنا ومدننا وقرانا ومخيماتنا، وأن عقلية الانقسام تتربع على كل معتبر لدينا حتى قبل أن نشرع في تجزئة المجزأ وتكريس منهج الفصل سلوكاً في حياتنا اليومية حتى ليكاد بعضنا ينسى متى بالضبط كنا موحدين!!

ما بعد الانقسام وبشكل مخطط ومدروس تم توجيه الأمور من قبل إسرائيل في قطاع غزة وفي الضفة بما يعزز تكريس عملية الفصل بينهما، والتعامل مع قطاع غزة كأنه كيان سياسي قائم بذاته، كان فرض الحصار على قطاع غزة، وعمليات العدوان العسكري أو الحروب المتكررة على القطاع من آليات ومستلزمات تكريس الانقسام، وتعزيز التباين بين الضفة وغزة، وجذب الانتباه إلى ما يجري في القطاع، وإبقائه جبهة مفتوحة حتى يتم إبعاد الأنظار عن الضفة والقدس حيث الحرب الفعلية التي تخوضها إسرائيل وحيث يجب أن تكون حرب الفلسطينيين مع إسرائيل.

نبعت الإستراتيجية الإسرائيلية من محاولة استغلال حالة الانقسام وتوظيفها بما يخدم المصالح والأهداف الإسرائيلية الثابتة، والداعية إلى تفتيت وتجزئة قضية الصراع الإسرائيلي ـــــ الفلسطيني، والقائم على أساس دولتين لشعبين، بمحاولة إعادته إلى صراع عربي ــــــ إسرائيلي ضمن خيارات إسرائيل في حل قضية فلسطين نحو الضفة الغربية إلى الأردن، وقطاع غزة إلى مصر

تكمن خطورة الانقسام في إعطاء إسرائيل مبرراً لاستخدام إمكانياتها وقدراتها على التحكم في مسألة تكريس الفصل السياسي، والفصل الاقتصادي، والفصل الجغرافي، وبما يسمح للمخطط الإسرائيلي بتنفيذ مشروعه القديم الجديد، وهو فصل الأراضي الفلسطينية المحتلة وتفتيتها من أجل دثر فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة، والقفز عن حلّ قضية اللاجئين الفلسطينيين حلاً عادلاً، ودفع الشعب الفلسطيني للاقتتال الداخلي لاستنزاف قدرته وإمكانياته.

وبعد، هل ما زلنا مقتنعين أن هناك حزب واحد أو فصيل واحد لديه الرغبة في أن يتوحد الوطن خلف لوائه، كلنا ذهبنا في مختلف الطرق بحثاً عن إمكانية الوصول إلى حالة يتبعثر فيها كل شيء، وتتداعى فيها كل القيم الجميلة والمُثل العليا التي نشأت عليها أجيالنا، لمصلحة حالة من التشرذم ضيعت جيلاً وهي في طريقها لإضاعة المزيد من الأجيال التي تئن تحت وطأة انقسام بات يتحول تدريجياً إلى انفصال أبدي لا رجعة عنه ولا سبيل إلى مغادرته.