الرواية الحقيقيه لاغتيال الشهيد خليل الوزير نائب القائد العام لقوات الثوره الفلسطينيه -3-

0
387

10156084_382934748513061_3166146030824542741_nاغتيال ابوجهاد 2اغتيال ابوجهاد 1اغتيال ابوجهادعملية الاغتيال:
وصل أبو جهاد بعد منتصف الليل إلى منزله قادما من زيارة لأبو اللطف ودخل إلى المنزل برفقة مرافقه مصطفى أبو فاعور الذي عاد إلى السيارة ونام فيها، كما كان حبيب البستاني متواجدا في حديقة المنزل، أما أبو سليمان كريشان فقد ذهب إلى قبو المنزل للنوم.
عند بدء عملية التنفيذ وصل القتلة على متن حافلتين (ميكروباص) وسيارة صغيرة من طراز (بيجو-305) وتوقفوا بالقرب من منزل القائم بالأعمال الكندي الذي يبعد حوالي (50 مترا)، وبدأت المجموعة في النزول سيرا على الأقدام نحو منزل أبو جهاد، وانقسموا إلى مجموعتين:
أ‌- المجموعة الأولى توجهت نحو باب الفيلا من الخارج وتحركت امرأة كانت تحمل في يدها “خارطة سياحية” بينما الرجل يحمل في يده علبة تشبه علب الحلويات واقتربت من المرافق مصطفى عبد العال (أبو فاعور) النائم في السيارة وبجواره سلاحه وكأنها تريد أن تسأله عن كيفية الوصول إلى مكان معين، وقبل أن ينهض المرافق للإجابة أخرج الرجل مسدسا مزودا بكاتم صوت من داخل العلبة وعاجله برصاصة في الرأس، فأردته قتيلا.
ب‌- المجموعة الثانية قفزت عن حائط السور الملاصق لكراج الأخ أبو جهاد من قبل منزل جارته الفرنسية، ثم توجهت نحو باب الفيلا من الداخل لخلعه بواسطة (طفاشة لخلع الأبواب) وهنا ظهر عامل الحديقة التونسي “الحبيب الدخيلي” فتم قتله والذي كان الضحية الثانية، وقد وجد الشهيد في حديقة المنزل على بعد 15 مترا فقط من البوابة الخارجية.
اندفعت المجموعة الأولى إلى الباب الداخلي، وعندما انفتح الباب محدثا هذا الصرير المدغوم الذي تناهى صوته إلى أذني أبو جهاد حيث كان يجري محادثات هاتفية مع أحد مكاتبه في أحد العواصم الأوربي قائلاً: “مرحبا، آسفين على الإزعاج، اتصلوا بي من روما وابلغوني أن فايز أبو رحمة قد اعتقل، ممكن بالله نتأكد من هذا الخبر”. الساعة الآن تشير إلى الواحدة وعشر دقائق بعد منتصف الليل في غزة، مما كان من الصعب سؤال أحد الآن عن صحة هذا الخبر.. في الصباح يمكن أن نتأكد. هذا كل ما قاله محادث الأخ أبو جهاد على الخط الآخر. وهنا بالذات أنهى الأخ أبو جهاد محادثته، لم يكن مرتبكا رغم أنه لحظتها كان قد سمع صوت خلع الباب فعلى مدى 35 عاما من العمل والنضال لم يشعر الأخ أبو جهاد أحدا بالقلق أو الارتباك، بل كان على العكس يضفي على الآخرين في احلك الساعات وأكثرها خطرا هذا القدر العجيب من الطمأنينة والأمل اللتين كان يتميز بهما على الدوام، لم يتردد أبو جهاد في حسم موقفه كعادته، ادرك على الفور أن الأمر جلل، فاستل مسدسه الذي يضعه فوق الخزانة المجاورة، ويصر على تغطيته بطاقية صغيرة بيضاء، ولم ينتظر أن تفاجئه المعركة التي سمع هديرها في انخلاع الباب، ووطأة البساطير العسكرية لمجموعة الاغتيال وهي تصعد الدرج الداخلي للمنزل بسرعة فائقة حيث كان أبو جهاد.
كانت عقارب الساعة تشير إلى الواحدة وعشر دقائق، ربما تجاوزتها بثواني قليلة كانت ثقيلة كالدهر، ومشحونة بالقلق الكامن والتوتر المكبوت. لم يتراجع ولم يختبئ بل خرج فورا للمواجهة قابضا على مسدسه ليبادر كعادته بإطلاق الرصاصة الأولى على أعدائه. كان القتلة أربعة، اطلق أبو جهاد الرصاصة الأولى فأصاب احدهم لكن سرعان ما اطلق الآخرون زخات كثيفة من الرصاص “الخاص” الذي انهمر بشكل غزير على كفه فانفجر المسدس في يمينه، ومن ثم تناوب القتلة على الضحية، أربعة وسبعون طلقة اخترقت رأسه وجسده الطاهر، وكان ظهره للحائط وكأنما كان عليه وهو في لحظة استشهاده أن يلخص كل مأساة الفلسطيني المعاصر الذي يقاتل وظهره للحائط.
على مكتب أبو جهاد كانت هناك رسالة يهم بتسطيرها للقيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة، كان قد كتب منها أربعة وأربعين كلمة فقط احتوتها جميعا ستة اسطر فحسب، ولم يكمل أبو جهاد الرسالة، وكأنما ليترك فيها وصيته الأخيرة: “أكملوا رسالتي من بعدي”. لم يكمل الأخ أبو جهاد رسالته الأخيرة للقيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة، ولم ينطق بكلمة واحدة غير انه تمتم بالشهادة وهو يضغط بسبابته على زناد مسدسه.

وتروي انتصار الوزير “أم جهاد” ذكرياتها عن تلك اللحظات قائلة: سمعت «أبو جهاد» يقوم بسرعة من خلف مكتبه، فتحت عيني فوجدته يحمل مسدسه ويتجه نحو باب الغرفة، لحقت به ووقفت إلى جانبه، نهرني وطلب مني أن أبتعد عنه، وقفت في الزاوية الأخرى، ثوانٍ وشاهدت أمامي شخصاً على بعد متر واحد، كان في حوالي الثانية والعشرين من العمر، أشقر، يضع على وجهه قناعاً شبيهاً بقناع غرفة العمليات، ولم يتكلم أبداً، أطلق علـيه «أبو جهـاد» رصاصـة مـن مسـدسـه، فـرد عـليه بـمشـط كامـل مـن رشـاشه، سقـط «أبو جهاد» على الأرض، جاء رجل ثانٍ، ظننت انه سيقتلني أنا، ولكنه أفرغ رشاشه بجسد «أبو جهاد»، جاء الثالث، وفعل الشيء نفسه، كنت أضع يدي فوق رأسي وأنطق بالشهادتين، وعندما جاء شخص رابع ليفعل الشيء نفسه صرخت بصوت عالٍ ومدوٍ (بس)، لكنه أفرغ رشاشه في جسده. ثم توجهوا جميعاً إلى غرفة النوم، ابني نضال (سنتان ونصف) ينام داخل الغرفة، فكرت به، شعرت بخوف شديد عليه، وبحركة عفوية حاولت أن أتحرك نحوه، لكن أحد المهاجمين وقف أمامي يهددني برشاشه كي لا أتحرك، دخل الثلاثة الآخرون إلى غرفة النوم، أطلقوا رشات من الرصاص، فتيقنت أن نضال قد قتل ولكنه كان يصرخ، وكان صراخه يُطمئنني. انسحبوا من غرفة النوم كانت حنان قد خرجت من غرفة نومها لترى ما يحدث، فوجئت بالأشخاص المجهولين أمامها، وفوجئت بأحدهم يقول لها باللغة العربية: «اذهبي إلى أمك». وغادر الأشخاص الأربعة الطابق العلوي من المنزل».

وتضيف «أم جهاد»: «انحنيت على «أبو جهاد»، ناديته، حاولت سماع تنفسه، حدقت في عينيه، حركتهما بيدي، فلم ألحظ أي أثر للحياة، كان الرصاص في وجهه وعنقه ويديه وجسده، وكان ينزف بشدة كمية كبيرة من الدم. دخلت غرفة النوم، حملت نضال بين يدي، وعدت وجلست معه إلى جانب «أبو جهاد»، قمت وذهبت إلى الشـرفة، نـاديـت بأعـلـى صـوتـي، لـم يجـبـني أحـد، شـعـرت بـأن كـلَّ ما حولي فراغ مُطلق، نزلت مع ابني الصغير نضال وابنتي حنان إلى مدخل المنزل، جلست هناك وأنا أحتضن نضال، وحنان تعانقني، كانت حولي ثلاث جثث، جثة «أبو سليمان» كريشان (الحارس)، وجثة مصطفى عبد العال (سائق) «أبو جهاد»، وجثة لشاب تونسي الحبيب الدخيلي – (جنيناتي)، جاءت الفتاة التونسية التي تُساعدني في عمل المنزل خائفة مرتعدة، روت لي أنها شاهدت أربعة أشخاص آخرين يطلقون النار في غرف الطابق الأرضي من المنزل، وقالت أن بينهم امرأة، وأن المرأة كانت تلتقط الصور، ولكنني لا أستطيع أن أؤكد ذلك. كان ابني الصغير يقول لي وأنا أحتضنه عند مدخل المنزل: «ماما أنا خائف هل أنت خائفة؟» – قلت له: «ماما أنا لست خائفة، أنت أيضاً لا تخف». تركته مع حنان، وصعدت لرؤية «أبو جهاد» ثانية، ومرة أخرى ناديت من الشرفة أطلب المساعدة، ولم يجبني أحد».

حنان أقرب أبناء أبو جهاد إلى قلبه كانت هي الأخرى نائمة في غرفتها، سمعت صوت الرصاص، فهرعت خارج غرفتها فاصطدمت على الفور بأحد القتلة، كان قصيرا وممتلئا اصلعا ورأسه كبير، قدرت حنان أن يكون قد تجاوز عقده الرابع، التجاعيد واضحة على طرفي عينه، يرتدي كالمجموعة نفس الزي الذي يرتديه رجال وحدة مكافحة الإرهاب التونسية، يحمل في يده رشاشا عليه كاتم للصوت، ووسطه مزنر بحزام عريض مشكوك كله بطلقات الرصاص وعلى جانب خصره كان هناك مسدس آخر. بشكل غريزي سألته حنان “شو في” فدفعها باتجاه موقع المجزرة وهو يقول “روحي هناك حد إمك”. القتلة الثلاثة الآخرون رأتهم حنان من خلف الدخان الذي اطلقته حمم الرشاشات، كانوا ينسحبون لحظتها.

“راضية” تعمل كمربية للصغير نضال وتقيم مع الأسرة بصورة شبه دائمة، كانت في هذه الليلة ترقد في الغرفة المجاورة لغرفة أبو جهاد التي تطل نافذتها على البوابة الخارجية للمنزل المجاور، تنبهت من نومها عندما سمعت صوت الباب الخشبي وهو يخلع وصوت أقدام المجموعة فارعبها ما سمعت وأوصدت الباب وبقيت خلفه. أحد القتلة من مجموعة الكوماندوس دخل إلى غرفة نوم أبو جهاد حيث كان نضال ربما يبكي ويصرخ في لوعة، وهو لا يعي بعقله الصغير هول ما يحدث على عتبة باب الغرفة، ربما كان قلبه قد ادرك المأساة فاطلق من صدره هذا البكاء الصارخ، وهذا الصراخ المبكي الحزين ويبدو أن صراخ نضال قد افزع القتلة فأطلق احدهم زخات عصبية من رشاشه فوق رأس الصغير ليسكته.

مجموعة الاغتيال تغادر المكان:
بعد أن قام القتلة بتصوير العملية انسحبوا مسرعين ولم يفتشوا المنزل أو يحملوا معهم أية وثائق، في تلك اللحظة نظرت المربية (راضية) من نافذتها المطلة على البوابة الخارجية فرأت تحت ضوء الشارع امرأة شعرها أسود ينسدل على كتفها، ترتدي جاكيت صوف أحمر اللون من دون أكمام، تحته قميص أسود فوق تنورة سوداء أو كحلية، والمرأة قصيرة بعض الشيء وتحمل ما يشبه الحقيبة أو شيئا آخر مربوط إلى عنقها ويتدلى على صدرها وكانت تصرخ في القتلة بالفرنسية قائلة “ساييه.. ساييه” أي خلاص وهي تشير للمجموعة بالانسحاب.
سلكت المجموعة الطريق الخلفي لطريق سيدي بوسعيد خلف الوادي من جهة أميلكار، وعند زاوية الطريق المؤدي إلى المقبرة الأمريكية انحرفت إحدى السيارات بفعل السرعة واصطدمت مقدمتها بحجر زاوية أثري موضوع على جرف الطريق مما أدى إلى نزول أفرادها ودفعها، وهذا ما ساعد الكلاب البوليسية من الالتفاف كثيرا حول الحجر الأثري مكان الحادث، ثم انطلقت نحو المقبرة وكانت الكلاب تنهي بحثها أمام باب المقبرة الأمريكية حيث قام فريق القتلة باستبدال السيارات في حين تولى عملاء محليون قيادة السيارات التي شاركت في التنفيذ إلى الشاطئ للتمويه والإيحاء بأن المهاجمين غادروا بحرا وهو تضليل المقصود منه عدم كشف حقيقة الحادث وتأكد ذلك من مقارنة آثار الأقدام الموجودة على بقع الدم التي وجدت في منزل الشهيد وآثار الأقدام الموجودة على الشاطئ قرب مكان السيارات حيث ظهر بأنها غير متشابهة كما لم نجد أية آثار تتجه بشكل طولي نحو البحر للداخل وكل ما وجد هو آثار (عرضية) تدل على تنقل القتلة بين الآليات وفي مكان تجمعها، كما أن وجود العلب الفارغة للمياه المعدنية في مكان تجمع الآليات يدل على أن أشخاصا كانوا هناك بانتظار العملاء المحليين حين قدومهم بالسيارات التي استخدمت في التنفيذ لنقلهم بعد إيقاف السيارات في سيارات أخرى والعودة بهم إلى المدينة. وتطابقت هذه المعلومات مع معلومات جهاز المخابرات الفلسطينية والتي أجراها اللواء طارق أبو رجب بعد معاينة الموقع وتتبع خط سير السيارات.