د. يوسف يونس انتخابات الكنيست الاسرائيلية الـ25 والانقلاب السياسي الثاني في اسرائيل (الحلقة الثانية)

0
116

رابط الحلقة الاولى

د يوسف يونس انتخابات الكنيست الاسرائيلية الـ25 والانقلاب السياسي الثاني في اسرائيل (الحلقة الاولى)

 

ثانيا التحديات الخارجية:

 

1 – العلاقات الامريكية – الاسرائيلية:

 

حظيت إسرائيل دائما بدعم الحزبين الأميركيين الرئيسيين، اللذين اعتبرا أن العلاقات مع إسرائيل فوق كل الخلافات، وعلى الرغم من ان الإدارة الأميركية الحالية تحاول اظهار الحياد فيما يتعلق بنتائج الانتخابات الاسرائيلية الاخيرة، الا ان بعض الانتقادات ظهرت بصورة خاصة داخل الحزب الديمقراطي في الكونغرس بشأن التركيبة المتوقعة للحكومة، بسبب التخوّف من سلوك إسرائيل، وخصوصاً بشأن حقوق الإنسان في السياق الفلسطيني، وهو ما سلط الضوء على اتجاهات استراتيجية مقلقة، من الممكن أن تؤثر على الدعم الامريكي الغير محدود لإسرائيل، اهمها : التغييرات في البنية الديموغرافية للمجتمع الأميركي، الذي اصبح يتميّز بالاستقطاب السياسي، ما ادى الى تقليص هامش الإجماع الذي ميّز المجتمع والسياسة الأميركية والدعم الغير محدود لإسرائيل، والذي بات يحتل مواقع متأخرة في أولوياته.

وازدياد الاتجاهات المعارضة لإسرائيل في الجامعات والكونغرس، والذين يعتقدون أنه لا توجد قيم مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، بسبب الجمود السياسي في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وازدادت المجموعات الداعمة لحركة مقاطعة إسرائيل (BDS) والمعارضة ايضا للمساعدات العسكرية لإسرائيل.

المنافسة مع الصين والحرب في أوكرانيا، انعكس على الأهمية التي توليها الولايات المتحدة للشرق الأوسط، وان كانت لا تزال الإدارة مرغمة على الاهتمام بالمنطقة، الا ان هناك اتجاهاً لتقليص الاهتمام العسكري في المنطقة، يحظى بإجماع في الولايات المتحدة، ما يعزز من احتمالات تغيير الأولويات الأميركية، والذي سيكون له تداعيات على اللاعبين الدوليين وخصوصاً في الشرق الأوسط ([1]).

وهناك العديد من الأحداث المتوقعة والتي سيكون من شأنها أن تصعد التوتر بين الولايات المتحدة والحكومة الإسرائيلية اليمينية، واهمها: اخلاء منطقة الخان الأحمر شرقي القدس، واخلاء منطقة مسافر يطا جنوب الخليل، واخلاء منطقة سوسية جنوب جبل الخليل، حيث تسعى الحكومة اليمينية الى اخلاء تلك المناطق من سكانها الفلسطينيين، ومن المتوقع ان يرفض الأميركيون الامر.

وهناك مخططات للحكومة الاسرائيلية للبناء في المنطقة E1 قرب «معاليه أدوميم»، وهو الامر الذي من شأنه ان يبعد حلم «الدولة الفلسطينية»، وسيكون هناك رد فعل أميركيا معارضا. وكذلك الامر فيما يتعلق بضم المناطق ج، والتي تأتي على رأس اولويات اليمين المتطرف، والتي كانوا قد أعلنوا عنها في برامجهم الانتخابية، وهي الخطوة التي سيكون لها انعكاساتها الخطيرة على استقرار الاوضاع في المنطقة، والأخطر سيكون الاوضاع في الحرم القدسي الشريف، حيث يخطط نشطاء اليمين لتقسيم الحرم، وهو الامر الذي سيؤدي الى انفجار الاوضاع، بصورة تتعارض مع المصالح الامريكية.

2 – العلاقات مع روسيا:

 

من القضايا التي ستواجهها الحكومة القادمة مسألة تأييد أوكرانيا، فبعد نحو عشرة أشهر من الحرب في اوكرانيا، ونهايتها لا تزال لا تبدو في الأفق، رغم المؤشرات الأولية على استعداد الولايات المتحدة وروسيا لفحص الإمكانية لاستئناف المفاوضات، من الواضح حالياً ان الطرفين يستغلان الشتاء لتحسين المواقع والانتظام العملياتي استعداداً لتصعيد محتمل للقتال في الربيع، على الرغم من ان المخاوف من سوء تقدير وخطوات متطرفة قد عززت الرغبة في الغرب للبحث عن مخرج دبلوماسي للازمة ([2]).

وفي ظل هذا الموقف المعقد تقف الحكومة الاسرائيلية القادمة انها امام معضلة التوازن ما بين الوقوف الى جانب أوكرانيا وتحويل المساعدة لها في كل ما يتعلق بتوفير منظومات الدفاع الجوي ومنظومات دفاعية، وفقاً للخطوط الحمراء وفي ضوء تعقيد العلاقات مع روسيا، وخصوصاً في مواجهة قدرة روسيا على إلحاق الأذى بالمصالح الإسرائيلية في المنطقة، وفي مقدمتها الساحة السورية، وتعزيز التعاون الأمني بين روسيا وإيران، ما يفرض على إسرائيل الحذر وتجنب القيام بخطوات استفزازية لروسيا، وخصوصا تزويد أوكرانيا بمنظومات دفاع جوي.

3 – عربيا:

 

منظومة العلاقات مع العالم العربي هي من المكونات الحيوية في قوة إسرائيل السياسية والأمنية، خاصة ان نتنياهو هو الذي وقع اتفاقيات التطبيع مع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان كما حرص على الحفاظ على العلاقات الجيدة مع مصر والأردن، ومن هنا فقد جاءت ردود الفعل العربية عقب فوز نتنياهو مرحبة بشكل عام ومؤكدة الحرص على استمرار العلاقات الثنائية مع إسرائيل. ويزعم نتنياهو ان اتفاقيات ابراهيم مع عدد من الدول العربية تشكل ركنا اساسيا من توجهاته السياسية لتجاوز البحث عن تسوية مع الجانب الفلسطيني، من خلال العودة الى السلام الاقتصادي واتفاقيات التطبيع التي ستأخذ شكل مشاريع اقتصادية استراتيجية للغاز وبدائل الطاقة وغيرهما ([3]).

ولكن ثمة مؤشرات أولية، تدلل على صعوبات هذا التوجه، بوجود حكومة دينية متطرفة، وكان نقل عن أربعة مسؤولين إسرائيليين تحذيرات نقلها عبد الله بن زايد لنتنياهو قبل شهرين، من مغبة الانعكاسات السلبية للتحالف مع بن غفير على العلاقات الإماراتية الإسرائيلية، وهو الامر الذي اكدته المواقف العربية في قمة الجزائر مؤخرا. وما يزيد من تعقيدات المشهد، انه اذا لم يحدث أيّ تقدّم سياسي، وحدث تصعيد على الأرض، فإن إسرائيل ستخسر التعاون الاستراتيجي مع الدول العربية ([4])، خصوصا في ظل حكومة يمينية متطرفة في إسرائيل، تقود المواجهة مع الفلسطينيين، قد تكون عامل إحراج للدول العربية، حتى أكثرها حماسةً للتطبيع مع إسرائيل، ما لم يطرأ ما ليس في الحسبان، على الملف الإيراني، بصفحاته المتفجرة ([5]).

وتوفرت معلومات عن اقتراح نتنياهو اتفاق تطبيع مع السعودية مقابل التعهد بالامتناع عن ضم الضفة الغربية، وتتحدث المصادر الاسرائيلية ان ولي العهد السعودي مستعد للاكتفاء بهذا التعهد، مقابل قائمة من المطالب الخاصة من إسرائيل والإدارة الأميركية، أهمها دعم اسرائيلي لترتب علاقاته مع إدارة بايدن والكونغرس الأميركي. ويطالب بن سلمان من نتنياهو بدعم إسرائيل في مجلسي الكونغرس لرفع الحظر على بيع السلاح المتطور للسعودية، بما في ذلك طائرات “إف 35” ([6]).

وسيكون موضوع الحرم القدسي مشكلة امام تطبيع علاقات اسرائيل مع الدول العربية ، خصوصا في ظل توجهات الشركاء في الائتلاف بن غفير وسموتريتش اللذان يحرصان على التواجد في الحرم القدسي، وهو الامر الذي سيؤدي الى تصعيد ميداني كبير، وسيواجه بمواقف صارمة من الملك الاردني عبد الله الثاني ، الذي اصبحت علاقاته متوترة للغاية في ظل ولايات نتنياهو السابقة، فالملك الاردني يحرص على الاحتفاظ بالمكانة المميزة للاشراف الاردني على الاماكن المقدسة، واذا حاول نتنياهو منح السعودية تسهيلات في الحرم، سيطرأ تدهور آخر في العلاقات مع الأردن.

والردود الحادة من الدول العربية على زيارة بن غفير إلى الحرم القدسي، كانت متوقعة. الحرم القدسي نقطة ضعف حساسة جداً في العالم العربي والإسلامي، وتغيير الوضع القائم في الحرم يمكن أن يؤدي إلى سلسلة ردود حادة جداً، تصل إلى حدّ المس بالأمن القومي الإسرائيلي. والتقارير بشأن تأجيل زيارة نتنياهو إلى الإمارات مثال على ضرر خطير. فالتعامل مع الحرم القدسي بطريقة غير صحيحة، يمكن أن يضع إسرائيل على مسار مواجهة مع الدول العربية والعالم الإسلامي والولايات المتحدة. ويمكن أن تجد إسرائيل نفسها أمام جبهة دولية مليئة بالتحديات ([7]). سيكون لها علاقة مباشرة مع الاوضاع في غزة والضفة وجبهات أخرى، وستؤدي الى الانحراف عن التركيز عن الملف الاهم وهو الملف الايراني، والجهود المتواصلة لاحباط تهريب الأسلحة المتطورة الايرانية إلى سورية ولبنان ([8]).

الجبهة الشمالية والتهديد الايراني:

 

وفق التقديرات الاستخبارية سيواصل حزب الله انشغاله بالازمة الداخلية اللبنانية، في ظل الفشل في اختيار رئيسا للدولة، دون أنّ يمنع ذلك نشوء ديناميكية لتصعيد مع “إسرائيل” نتيجة لتحركات مختلفة وحتى نشاط تكتيكي ميداني” ([9]). خاصة ان حزب الله استطاع، ان يؤكد نفوذه القوي في المشهد اللبناني، واستطاع تعزيز مكانته الداخلية، والثقة الزائدة من شأنها أن تؤدي إلى تقدير مغلوط، إذا استأنف “حزب الله” تهديداته فستكون حكومة إسرائيل مطالبة بأن ترد بشكل يعيد الردع، دون الانزلاق إلى حرب، وقد يكون الاختبار التالي مسألة وقت فقط ([10]).

وسيكون اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع لبنان، الاختبار الاول امام حكومة نتنياهو، الذي أطلق وعود انتخابية بالانسحاب من الاتفاق، وهو الامر الذي سيكون متعلقا بموقف الادارة الامريكية، وتشير التقديرات أن نتنياهو لن يبادر للانسحاب من اتفاق ترسيم الحدود، ولكنه سيحاول المراوغة في تنفيذ الاتفاق ([11]).

وهناك عامل اخر في الساحة الشمالية، لا يجب اغفال تأثيره وهو إيران، التي تواصل محاولاتها للتموضع العسكري في سوريا، وتواصل تسليح حزب الله، بشكل أساسي بأسلحة دقيقة، ولكن أيضًا من خلال تكثيف اتجاه التسليح بصواريخ كروز وطائرات بدون طيار مسلحة ودقيقة. واستطاعت ايران ان توسع دائرة التهديدات الموجهة ضد اسرائيل في المنطقة، واضافة الى حزب الله اللبناني على الجبهة الشمالية، وجهودها لإقامة قواعد ثابتة في سورية، تسيطر ايران على الجبهة الجنوبية المتمثلة في قطاع غزة من خلال علاقاتها وتنسيقها مع حركة حماس والجهاد الاسلامي، وهناك ايضا على اقصى جنوب البحر الاحمر حيث تسيطر ايران على المضائق الاستراتيجية من خلال تواجدها في اليمن.

ويتعاظم التهديد الإيراني، وبخاصة فيما يتعلق بتقدم المشروع النووي وتحسين القدرات الهجومية في مجال الصواريخ والمسيّرات، في ظل التعاون الاستراتيجي الناشئ مع روسيا في مجالات عسكرية وتكنولوجية. التقديرات الحالية، التي تدعي بان الفترة الزمنية اللازمة لإيران لتطوير قدرات نووية عسكرية هي نحو سنتين، تبدو صحيحة أغلب الظن طالما لم تتخذ ايران قراراً بتطوير مثل هذه القدرات، قرار كهذا، اذا ما اتخذ، من شأنه أن يقلص بشكل كبير الفترة الزمنية الى اشهر قليلة، فضلاً عن ذلك، فإن صرف الاهتمام العالمي نحو مسائل أكثر اشتعالاً وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا، وأزمة الطاقة والتضخم المالي المتزايد الى جانب المساعدة الإيرانية في المجهود الحربي الروسي، تخلق واقعاً تكون فيه إمكانية الوصول الى اتفاق نووي جديد متدنية للغاية ([12]).

وستكون احدى مهام الحكومة القادمة، خلق علاقات طيبة مع الإدارة الديمقراطية، بالتوازي مع التخفيف في العقوبات، ونيتها التوقيع على اتفاق نووي جديد، وهو ما ادى الى تلقى الجيش الإسرائيلي تعليمات لإخراج المخططات لإعداد خيار عسكري. لهجوم على مواقع النووي في إيران. الا ان تقديرات استخبارية ترى أن القدرات الإسرائيلية محدودة في مواجهة تحصين مواقع النووي في إيران ([13]).

ثالثا: الحكومة الفاشية والملف الفلسطيني:

 

أشارت الخطوط العريضة للحكومة الجديدة انه: للشعب اليهودي “حق حصري” “لا جدال فيه” في “جميع أنحاء أرض إسرائيل”، وستعمل الحكومة على تعزيز وتطوير الاستيطان في جميع أنحاء أرض إسرائيل، الجليل والنقب والجولان والضفة الغربية. وهذا يعني أنه بدلاً من استخدام عبارة: “دولة ذات سيادة في أرض إسرائيل»، تحولت حكومة إسرائيل إلى صياغة حديثة: «حق حصري لا جدال فيه في جميع مناطق أرض إسرائيل». وتظهر عبارة «لا جدال فيه» في جميع الخطوط العريضة. وتم التأكيد على تطوير الاستيطان في جميع أجزاء «أرض إسرائيل»، بما في ذلك الضفة الغربية، وليس لأي طرف آخر حقوق هنا. هذا لا يعني فقط تجاهل التطلعات الوطنية للفلسطينيين، بل هو إعلان من جانب واحد بأن الشعب اليهودي هو فقط صاحب الحقوق. تضاف بنود كثيرة في الاتفاقات الائتلافية الحالية التي تتناول تغييراً جذرياً في سياسة إسرائيل في الأراضي. على سبيل المثال، تم تضمين بند في بعض الاتفاقات يقترح «صياغة وتعزيز سياسة يتم من خلالها تطبيق السيادة في الضفة الغربية، مع اختيار التوقيت وتقييم جميع المصالح الوطنية والدولية لدولة إسرائيل». بالإضافة إلى ذلك، نقل صلاحيات الإدارة المدنية، والتعامل مع البنية التحتية في الضفة الغربية، ولم يتم ذكر كلمة الضم، لكن معنى هذه البنود هو ضم فعلي لمناطق «ج» ([14]).

وحصل كذلك إيتمار بن غفير رئيس حزب «القوة اليهودية» على حقيبة الأمن القومي الموسعة وكذلك يتولى سلطة «تطبيق القانون على الأرض» المختصة في منع البناء غير المرخص التي كانت تابعة لوزارة المالية. بالإضافة إلى وزارة «تطوير النقب والجليل» التي جرى توسيعها وتخصيص الميزانيات الكبيرة لها، والتي يأتي في مقدمة أولوياتها تهويد منطقتي الجليل والنقب ذات الكثافة السكانية العربية العالية. تم الاتفاق مع حزب قوة يهودية برئاسة بن غفير، على إخضاع وحدات حرس الحدود في الضفة الغربية لوزير الامن القومي، ما سيخلق لبن غفير الجيش الخاص، ما سيسمح له بفرض أيديولوجيته المتطرفة.

وحصل سموتريتش على منصب وزير في وزارة الدفاع بصلاحيات واسعة، تسمح له بالإشراف على إدارة شؤون الاحتلال في الضفة الغربية، ووضع الاقتراحات لمخططات توسيع المستوطنات، وتسوية اوضاع البؤر الاستيطانية غير القانونية، والتدخل في قضايا ملكية أراضي الفلسطينيين واستيلاء المستوطنين عليها وهدم البناء غير المرخص ([15]).

هذه الاتفاقات ستعزز موقف بن غفير وسموتريتش باعتبارهما حراسا لأطماع اسرائيل التوسعية، والحاكم الفعلي للضفة الغربية بصلاحيات واسعة، وسيحقق المستوطنون نفوذاً أكبر في الضفة الغربية ([16]). وستعني هذه الخطوات أن جيش الاحتلال لم يعد هو المسيطر في الضفة الغربية، وإنما هيئات الحكومة الإسرائيلية، وهو الامر الذي سيؤدي الى فوضى قيادية، ستزيد من مخاطر تدهور الأوضاع الأمنية إلى حد قد يقود إلى تفجر انتفاضة ثالثة، ما سيؤثر على مكانة إسرائيل الدولية وعلاقاتها الإقليمية ([17])، وستصبح الساحة الدولية مركز النضال الفلسطيني المقبل ضد إسرائيل.

ومن المتوقع ان تصطدم تلك التوجهات للحكومة الفاشية القادمة في اسرائيل بالعديد من التحديات على صعيد الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، أهمها:

1 – القدس:

 

ستعمل الحكومة اليمينية على ترسيخ مفهوم “القدس الكبرى” والتي تشمل كتلة غوش عتصيون التي تلف محافظة بيت لحم وصولًا إلى مشارف محافظة الخليل، كما تشمل كتل مستوطنات معاليه أدوميم وميشور أدوميم ومنطقة “إي 1” (E1)، وهي الكتل التي تشمل مخططاتها المستقبلية فكرة توسيعها لتصل حتى البحر الميت، كما تشمل كتلة غفعات زئيف التي تلف قرى شمال محافظة القدس، وتوسيع كتلة رابعة تشمل مستوطنات آدم وكوخاف يعقوب وبساغوت، ما سيحد من إمكانية التوسع المستقبلي لمحافظة رام الله ([18]).

وستسعى الحكومة الى تسريع تهويد مدينة القدس، وفرض أغلبية يهودية، ومصادرة الأحياء العربية، مثل حي الشيخ جراح، ما سيجعل (35) ألف مقدسي مهددين بالطرد إلى خارج مدينة القدس. وتكيثف النشاطات الاستيطانية ضمن مخطط لتقليص وجود الفلسطينيين، وجعلهم أقلية لا تتجاوز 12% خلال السنوات القليلة المقبلة، ومن الإجراءات المتوقعة تمرير قانون فقدان الجنسية للمقدسي إذا اقام خارج القدس لمدة سبع سنوات متتالية، أو إذا حصل على جنسية أخرى، أو إذا سجل إقامته في بلد آخر. ووفق هذا الاجراء يقدر عدد المقدسيين المعرضين لفقدان بطاقة الهوية، بنحو ستين ألف عربي. يذكر انه وفي ظل السياسات الاستيطانية التهويدية في مدينة القدس، اصبح في القدس 26 مستوطنة يتركز فيها (200) ألف مستوطن، مقابل 260 ألف مقدسي، تسعى اسرائيل إلى طرد غالبيتهم بعد السيطرة على غالبية أراضي القدس وعقاراتها ([19]).

 

 

وبعد أن نجح في تحويل وزارة الأمن الداخلي إلى الجهة المسؤولة عن “الأمن القومي”، ونقل إليه قوات حرس الحدود في الضفة الغربية وأوامر الشرطة، بحيث يكون المفتش العام للشرطة خاضع له، سيكون ايتمار بن غفير قد حدد الهدف القادم، وهو تغيير الوضع الراهن في الحرم، وعلى الرغم ان بن غفير كان حذراً من طرح قضية الحرم في المفاوضات الائتلافية لتجنب استفزاز نتنياهو، وخوفا من تصعيد الاوضاع، الا ان تصريحاته قبل الانتخابات تضمنت توجهاته بهذا الشأن، حيث أعلن أنه سيطلب من نتنياهو تطبيق مساواة في الحقوق لليهود داخل الحرم، وانه سيفعل كل ما في استطاعته لمنع تطبيق أي سياسة عنصرية في الحرم، وسيطالب بأن يناقش الكابينت هذا الموضوع ([20]). ستسعى الحكومة اليمينية الى تقسيم الأقصى مكانيًا وزمانيا بين المسلمين واليهود، وستجعل القدس مفتوحة لكل العالم باستثناء الفلسطينيين بذريعة الأمن ([21]). وعلى الرغم من معارضة نتنياهو أي تغيير في الحرم قد يؤدي إلى تصعيد في الوضع الأمني، الا ان هناك توقعات أن تتم التغييرات التي يخطط بن غفير لإجرائها في الحرم ستتم بهدوء وبخطوات صغيرة، فالصلاة بالهمس ستتحول إلى صلاة بصوت مرتفع وأكثر جماعية، وستشتد سياسة إنفاذ القانون إلى أن يستقر الوضع كتقليد في المكان. وسيستغل بن غفير أنه المسؤول عن الشرطة وهو الذي يحدد سياسة عملها، ربما يعطي بن غفير الأوامر للمفتش العام للشرطة ([22]).

2 – قطاع غزة:

 

منذ استلام الحكومة الاسرائيلية اليمينية مهامها طرحت العديد من التساؤلات عن مستقبل الهدوء النسبي في العلاقات بين اسرائيل وقطاع غزة، عقب تصريحات اعتبرها البعض انذارات عن إمكانية اندلاع جولة جديدة من القتال خلال 2023 في أعقاب تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة. واعتبرت التقديرات ان هذا الامر يرتبط بصورة مباشرة بالوضع الميداني والعسكري في الضفة الغربية، واحتمالات أن تُلقي الأحداث والتوترات الجارية في الضفة الغربية ومدينة القدس، بظلالها على الاوضاع في قطاع غزة، فمن الصعب أن يستمر ضبط النفس في حال ارتكب الاحتلال أعمالا كبيرة تمسّ المسجد الأقصى، أو مرتبطة بالتهجير أو الضم أو مجازر بشرية في ظل حكومة إسرائيلية متطرفة..

وتمثل قضية تبادل الأسرى عاملا اضافيا، غير رئيسي، في تحديد اتجاهات الاوضاع في قطاع غزة، في ظل رغبة المقاومة لإتمام صفقة التبادل، وكذلك رغبة الحكومة الإسرائيلية في عقد صفقة تبادل أسرى، لتحييد قطاع غزة عن الأحداث في الضفة الغربية وعدم الرغبة في الدخول بمواجهة عسكرية. اضافة الى اعتقاد نتنياهو ان لديه القوة والسلطة لاتخاذ قرار حاسم في هذا الملف، خاصة أن هؤلاء الجنود تم أسرهم في عهد حكومته السابقة، وتعثّر هذا المسار من شأنه أن يُفجّر ويرفع من احتمالات المواجهة العسكرية، وهو الامر الذي تحاول الفصائل والاحتلال تجنّبه ([23]).

وتستبعد التقديرات ان تقوم الحكومة القادمة بأية تغييرات في سياساتها في التعامل مع قطاع غزة، والحفاظ على الوضع القائم قدر الإمكان والتعامل مع أي حالة توتر كما تم التعامل في حكومات نتنياهو السابقة، خاصة وان نتنياهو هو الذي اسس استراتيجية الانقسام وفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة على طريق القضاء على حل الدولتين. التقديرات الاستخبارية الاسرائيلية ترى بضرورة الحذر واعادة تقييم السياسات السابقة، القائمة على افتراض الفصل بين احداث الضفة عما يجري في قطاع غزة، في ظل اتهامات حماس والجهاد الإسلامي بدعم ما يجري في الضفة الغربية ([24]).

خصوصا وان إيران تواصل استغلال الاوضاع في الضفة الغربية، بالتنسيق مع التنظيمات في غزة، وتقوم بدعم الفصائل الفلسطينية في الضفة الغربية، وهو ما انعكس ميدانيا في صورة التصعيد في الضفة الغربية الذي بدأ منذ أشهر وسيستمر، وإلى جانب العمليات التي تتبناها الفصائل، هناك زيادة في العمليات الفردية، وكذلك المجموعات المحلية مثل “عرين الأسود” في نابلس و”كتيبة جنين” في جنين، التي تكتسب زخمًا على الشبكات الاجتماعية”. وستواجه الحكومة الجديدة تحدي ضرورات العمل على وقف تعاظُم قوة حركة حماس في قطاع غزة ، مع استمرار المحافظة على التهدئة، ووفق تقديرات شعبة الاستخبارات الاسرائيلية فان حركة حماس في غزة تعتبر لاعب رئيسي، وتحاول تقديم نفسها على أنها عنوان حكومي حقيقي، وليس مجرد منظمة مسلحة، وتحاول استغلال الهدوء النسبي في قطاع غزة والتسهيلات المدنية الواسعة النطاق من أجل ترسيخ قوة حُكمها العسكري وتحسين استعداداتها قبيل سيطرتها على المنظومة الفلسطينية في الضفة الغربية ، بعد رحيل الرئيس عباس، وتشغيل بنية تحتية عسكرية في الضفة الغربية ([25]).

3 – اتجاهات الاوضاع في الضفة الغربية:

 

أخفقت العمليات العسكرية الإسرائيلية، في تهدئة الاوضاع في الضفة الغربية، حيث أشارت الكثير من المعطيات الى الترابط بين ممارسات قوات الاحتلال والمستوطنين وتصاعد المقاومة الفلسطينية، فقد برزت المجموعات المسلحة التي تعززت لديهم “دافعية التحدي”، والقناعة بجدوى النضال المسلح، وتغيير قواعد الاشتباك، وترسيخ مفهوم “الاحتلال المكلف”. وعلى الرغم من الضربات التي تعرضت لها تلك المجموعات، واغتيال العديد من عناصرها، الا ان هذه الظاهرة لازالت تشكل “إرثا قتاليا” يحاول الكثير من النشطاء في الضفة الغربية الاقتداء به، مما افرز نمط “العمليات الفردية” التي نجحت في اختراق واقع الاستقرار الامني الاسرائيلي، وبات يتعزز اقتناع الكثير من الفلسطينيين أن الانتفاضة باتت خيارا حتميا لطرد الاحتلال.

وسيكون بقاء حكومة نتنياهو مرتبطا بتنفيذ مطالب الصهيونية الدينية بخطوات معاكسة لفرضية “تقليص النزاع”، وضم الضفة الغربية او اجزاء منها، ودعم المشروع الاستيطاني، وتغيير الوضع في الحرم القدسي، ما سيؤدي الى زيادة المواجهات، ما سيعزز من انسداد الأفق السياسي، واحتمالات انهيار السلطة الفلسطينية ([26]). ما سيجعل التحدي الرئيس أمام الحكومة القادمة هو التصعيد في الضفة الغربية واحتمالات انفجار الاوضاع، ما سيفرض على إسرائيل تحمّل المزيد من المسؤوليات الامنية المباشرة في الضفة الغربية، واتخاذ قرارات تؤدي الى زيادة الاحتكاكات.

وتعتبر الجهات الاستخبارية ان تلك التوجهات تتطلب حسابات استراتيجية دقيقة، وجهود عملياتية لضمان الاستقرار الامني، لتجنب انفجار الاوضاع، واستمرار العمليات العسكرية “المكثفة” و”الموضعية”، في عمق المناطق الفلسطينية، بهدف الحفاظ على “الردع” ومنع تحويل المناطق الفلسطينية مناطق “حاضنة” للمقاومة، في اطار تكتيك “الإنهاك المستمر”، عبر العمليات الاستباقية لمنع تحويل المقاومة الفلسطينية الى “مقاومة شاملة”، ومحاصرتها مناطقياً، واستخدام قوة عسكرية مكثفة للقضاء عليها، ومنع تبلور هياكل وبنى وقواعد تنظيمية للمقاومة ([27]). وهو الامر الذي يتطلب ضرورة استمرار النمط العملياتي الحالي لقوات الجيش في الضفة الغربية، والدمج ما بين مهام الاستخبارات الدقيقة، ووسائل القتال المفاجئة، والقدرة على الربط بينهما في واقع ميداني معادي وصعب، ما يؤكد على ضرورة هذه العمليات لضمان بقاء وتطور القدرات العملياتية في حالة من الجاهزية الدائمة، ويساعد ايضا على تجنب الدفع بالمزيد من القوات النظامية إلى الضفة الغربية، وعدم استدعاء وحدات الاحتياط، الذي سيكلف الاقتصاد الكثير جداً في فترة الأزمة الاقتصادية.

وبينما يوجد في الحكومة الاسرائيلية وزراء يطالبون بضم الضفة الغربية وحل السلطة الفلسطينية وانهاء حل الدولتين، خاصة أن بقاءها يعني بقاء الامل للفلسطینیین للعودة الى طاولة المفاوضات، الا ان هذه التوجهات تواجه اعتراضات في الاجهزة الامنية الاسرائيلية، الذين يعتبرون ان استمرار “الحكم الذاتي” منوط جدا بوجود السلطة الفلسطينية، وانهيار السلطة سيزيل الإطار الذي يفصل بين المجموعتين السكانيتين، وسيعيد صلاحية إدارة الحياة اليومية للفلسطينيين إلى إسرائيل وهو ما من شأنه أن يخلق واقع “الدولة الواحدة” ([28]). لذا ترى الجهات الاستخبارية الإسرائيلية بضرورة تعزيز السلطة والحيلولة دون انهيارها، ويعتقد رئيس الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية اللواء اهارون حليوة أن: “لإسرائيل مصلحة أمنية في استقرار السلطة الفلسطينية؛ لتخفيض مستوى العنف في المنطقة ([29]).  ويرتبط هذا الخيار بالعديد من الاعتبارات اهمها:

استمرار عمليات الجيش الاسرائيلي في عمق الاراضي الفلسطينية، سيؤدي الى إضعاف السلطة الفلسطينية، ويخلق معضلة استراتيجية امام اسرائيل تفرض عليها الاختيار بين خيار دعم السلطة الفلسطينية للقيام بمهامها لفرض الامن والاستقرار وعودة التنسيق الامني، وخيار تنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق أو محدودة في الضفة الغربية، قد تؤدي الى انهيار السلطة الفلسطينية وانهاء “حل الدولتين”.

لا يبدو انهيار السلطة الفلسطينية خيارا مفضلا لدى الاجهزة الامنية الاسرائيلية، التي ترى بضرورة عودة الاجهزة الامنية الفلسطينية الى التنسيق الامني، وطرحت الاجهزة الامنية الاسرائيلية توصيات السماح للأجهزة الأمنية الفلسطينية بمجال أوسع للعمل في شمال الضفة، واقتصار عمليات جيش الاحتلال في المناطق الفلسطينية في حالة وجود إنذار عن تنفيذ عمليات، وتجنب الاحتكاك العنيف. وتغفل الاجهزة الامنية الاسرائيلية عن ان الامر يتطلب مبادرات سياسية تستجيب للمطالب الوطنية الفلسطينية وهو ما يتعارض مع انغلاق الافق السياسي والتوجهات اليمينية المتطرفة للحكومة الاسرائيلية القادمة.

من المتوقع ان تشهد العلاقات بين المؤسسة الأمنية وقيادات اليمين المتطرف، توترا حول الصلاحيات في إدارة شؤون الضفة الغربية، سينعكس على الاوضاع الميدانية، خصوصا بعد منح بن غفير صلاحيات الاشراف على قوات حرس الحدود، ومنح سموتريتش مسؤولية الادارة المدنية ، التي ستكون مسؤولة عن كافة شؤون الضفة الغربية ، ويبدو ان نتنياهو حاول تقييد هذه الصلاحيات من خلال فصل الصلاحيات الامنية عن الصلاحيات المالية في وزارة الامن التي تسلمها سموتريتش، وسيبقى التخوف من الاجراءات المتعلقة بالمستوطنين والاستيطان والتي سيكون الهامش اكثر شمولا امام الثنائي بن غفير وسموتريتش، لتنفيذ مخططاتهم التي ستؤدي حتما الى المزيد من الاحتكاكات وسترفع درجة التوتر.

وعلى الرغم من أن المصلحة السياسية للقيادات الإسرائيلية قد تتفوق على المطلوب استراتيجياً وأمنياً، الا ان موقف نتنياهو سيفسح المجال امام المؤسسة العسكرية والامنية لفرض تصوراتها في المرحلة المقبلة والمبادرة إلى مسارات تضمن الاستقرار الأمني والهدف الاستراتيجي، وتهدئة الاوضاع في الضفة الغربية وتجنب تجنيد حجم كبير من القوات ([30])، وهو الامر الذي من شأنه ان يؤثر على تجهيزاته الاستراتيجية واستعداداته لمواجهة النووي الايراني، والحرب على الجبهة الشمالية، والتموضع الإيراني في سورية، والعلاقات المركبة مع الروس، دون اغفال احتمالات تطور الوضع في قطاع غزة ([31]).

زعزعة منظومة العلاقات مع الفلسطينيين يمكن أن تنعكس على العلاقات مع الولايات المتحدة ودول الخليج، وسيؤثر على العديد من قضايا الأمن القومي، وفي طليعتها المواجهة مع إيران. ما سيفرض على الحكومة الإسرائيلية الجديدة الامتناع عن القيام بخطوات أحادية الجانب قد تزعزع الاستقرار الجيوسياسي والحلف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، والعالم العربي، ويتوقع أن تكون الحكومة الإسرائيلية الجديدة حذرة فيما يتعلق بالملف الفلسطيني، وقد تقوم باتخاذ خطوات تهدئة يمكن أن يساعد أيضاً ([32]).

رابعاً: خلاصة استراتيجية:

 

أظهرت نتائج الانتخابات الاسرائيلية الأخيرة حقيقة المأزق الذي تتجه اليه اسرائيل، فصعود تحالف اليمين المتطرف، بقيادة الليكود واحزاب الصهيونية الدينية واحزاب الحريديم، والهيمنة على مفاصل الحكم في اسرائيل، سيعني خروج اسرائيل عن الصورة النمطية التي حاولت ترويجها لسنوات طويلة أنها “واحة الديمقراطية” في المنطقة، لتكشف عن صورة مغايرة لدولة اسرائيل التي لا تقيم وزناً للقيم الليبرالية، التي يقوم عليها النظام الدولي، وهو ما يعني اضعاف قدرة الغرب وأمريكا عن الدفاع عن إسرائيل، في المحافل الدولية وأمام دافعي الضرائب في مجتمعاتها ([33]).

سيحرص نتنياهو على استمرار ائتلافه لأطول فترة ممكنة، وسيحاول تحجيم بعض السياسات المتطرفة لدى الصهيونية الدينية، الذين سيتوجب الانتظار لرؤية التحولات البراغماتية في توجهاتهم، وإلى أي حد سيتخلون عن مبادئهم اليمينية وتأجيل تحقيق طموحاتهم، مقابل القوة الجديدة التي يملكونها ([34]). ومن المستبعد ان نشهد تغيرات دراماتيكية في سياسات نتنياهو، حيث سيواصل التعامل مع الاوضاع في الضفة الغربية وفق مفهوم “ادارة الصراع”، وصولا الى اضعاف السلطة الفلسطينية بصورة تدريجية، ودعم تشكيل القيادة الفلسطينية التي ستقوم بوظيفة الحكم الذاتي الاداري، في مرحلة ما بعد الرئيس عباس، بما يضمن استمرار دعم اتفاقيات التطبيع العربى ومحاولة توقيع اتفاقيات جديدة، واحتواء أى خلافات مع الإدارة الأمريكية ([35]).

أما لجوء نتنياهو إلى الخروج من المشاكل الداخلية، بفتح جبهة إيران، لن يكون ممكناً، لذا فإنه لا يمكن التقليل مما ستواجهه حكومة نتنياهو القادمة، من تحديات، لذا سيواصل الحرب على الضفة الغربية، بالدرجة التي هي عليها منذ مطلع هذا العام، على أقل تقدير، لكن ذلك له مخاطره ميدانياً وإقليمياً، أقله عدم قدرة إسرائيل على توسيع مربع التطبيع الذي حققته قبل عامين.

حسم المجتمع الاسرائيلي أمره باتجاه النزعة التوراتية، سيكون في صالح الفلسطينيين لأن حالة المراوحة التي استمرت لسنوات طويلة، أحدثت التآكل في مشروعهم الوطني، الا ان التوجهات المتوقعة للحكومة الاسرائيلية، ستؤدي الى تصعيد الاوضاع، وسيكون لها آثارا استراتيجية، ستمس بشرعية اسرائيل، وستعطي للفلسطينيين متسعاً أكبر للعمل على الصعيد الدولي ([36]). وستهدد حرية العمل الاستراتيجي والأمني التي تتمتع بها اسرائيل حاليا، وستتعرض إسرائيل للمساءلة القانونية، وستؤدي الى المس بمنظومة العلاقات الخارجية مع الإدارة الأميركية، الاتحاد الأوروبي، والدول العربية، وستؤثر على قوة الدفع لاتفاقيات التطبيع.

من المتوقع أن تشكل الساحة الفلسطينية التحدي الاستراتيجي الأهم أمام الحكومة الجديدة، في ضوء مخططاتها في الضفة الغربية، ما سيكون له أبعادا سياسية وقانونية، وسيعتبر خطوة على طريق الضم الغير قانوني، ما سيعزز رؤية الرئيس عباس للدفع قدما بمعركة سياسية وقانونية ضد اسرائيل، وهو ما كشف عنه توجه السلطة الفلسطينية الى الامم المتحدة لطلب فتوى محكمة العدل الدولية في لاهاي بالنسبة لـ «الاحتلال الاسرائيلي المتواصل»، وتوجهات للمدعي العام في محكمة الجنايات الدولية للشروع في تحقيق ضد إسرائيل. وهو ما سيفرض على الحكومة الجديدة الحذر لحساسية الواقع الجديد في الضفة الغربية والذي من شأنه أن يتطور بسرعة الى تهديد استراتيجي، في المرحلة الأولى ستمتنع الحكومة عن تنفيذ خطوات تضعف مكانة السلطة وتغير الواقع في الضفة الغربية، قد يؤدي الى انضمام جماهيري واسع لموجة التصعيد الجارية. وستكون حذرة من القيام بخطوات تتعلق بالحرم تؤثر سلبا على العلاقات مع الدول العربية ([37]).

مخططات الصهيونية الدينية لفرض تصوراتهم “لحسم الصراع”، من خلال فرض حل نهائي للصراع وتصفية القضية الفلسطينية، وتدمير أية فرصة لقيام دولة فلسطينية مستقلة، ونزع أية حقوق وطنية وسيادية من الفلسطينيين في الضفة، والسماح لهم بإدارة شؤونهم الحياتية من دون أية حقوق وطنية ([38]). سيكون لها تداعياتها على واقع الحياة في الضفة الغربية، من خلال استبدال قوانين الاحتلال بقوانين التفوق اليهودي: شرعنة البؤر الاستيطانية غير القانونية، وتكثيف المستوطنات، وهدم منازل الفلسطينيين في المنطقة ج، ما يعني الضم الفعلي للضفة الغربية، ما يغلق الطريق امام تسوية سياسية ويشرع الابواب امام دولة ابارتهايد ثنائية القومية ([39])، حيث سيعيش الفلسطينيون كأفراد وليس قومية مستقلة، والسماح بإجراء انتخابات محلية للفلسطينيين، لفرز الجسم الاداري المسؤول عن ادارة شؤونهم، بديلا عن السلطة الفلسطينية ([40]).

وتتخوف التقديرات الاستخبارية الاسرائيلية من ان هذا الخيار سيساهم في زيادة تعقيد العلاقات بين المجموعات السكانية اليهودية والفلسطينية، وستتعزز حالة عداوة بين الشعبين، خصوصا في الواقع الذي سيكون الفلسطينيون جزءا من دولة واحدة ذات هوية يهودية، دون تحقيق هويتهم القومية الفلسطينية. ولذلك يفضل نتنياهو الحفاظ على الوضع الحالي، وفكرة “تقليص النزاع”، التي تعني ادارة متواصلة للنزاع تحت منسوب الحرب، وتحسين نسيج حياة السكان الفلسطينيين، بدون مهاجمة فرضية أن الطموحات الوطنية الفلسطينية يمكن تعطيلها، وكسب المزيد من الوقت وتأجيل اتخاذ قرارات استراتيجية، في مركزها إلقاء العبء الفلسطيني عن كاهل دولة إسرائيل، دون الانزلاق الى واقع “الدولة الواحدة”.

ستفرض تلك التوجهات ضرورة تطوير استراتيجية وطنية فلسطينية نحو ترسيخ فلسطين دولة ونظاما في الخريطة الجيوسياسية، و “فك الارتباط” مع الاحتلال، وإنهاء المرحلة الانتقالية، ومحاصرة مخططات الاحتلال وإعادة رسم ملامح الصراع، من خلال الطلب من الأمم المتحدة وضع خطة لإنهاء الاحتلال وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، وتغيير صفة “دولة فلسطين” وفق قرار 19/ 67 لعام 2012، الى دولة كاملة العضوية، واستناداً الى قراري 181 و 194، كنقلة سياسية جديدة في تحديد الإطار القانوني والجغرافي، يتجاوز حدود قرار 2012، بالعودة لحدود قرار “تقسيم فلسطين 1947” ([41]). وإعادة بناء المؤسسة الوطنية على أُسس ديمقراطية، والدعوة لإجراء انتخابات مؤسسات دولة فلسطين، وفقاً للتمثيل النسبي الكامل، واعلان المجلس المركزي “برلمان دولة فلسطين”، بصلاحيات كاملة، ينبثق عنه “حكومة دولة فلسطين”، وتشكيل اللجان القانونية والسياسية لصياغة دستور دولة فلسطين.

الهوامش

 

[1] – إلداد شافيط وروتيم أروغ: تحديات في وجه العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، مباط عال ١١-١١-٢٠٢٢.

 

[2] – عاموس جلعاد: حكومة نتنياهو ستزيد التحديات الإستراتيجية أمام إسرائيل، معهد السياسة والإستراتيجية 15-12-2022م،

 

[3] – د. دلال عريقات: تداعيات الحكومة الإسرائيلية الجديدة: سيناريو قديم جديد، صحيفة القدس 18-12-2022م

 

[4] – اللواء محمد إبراهيم الدويري: مصدر سابق

 

[5] – عريب الرنتاوي: حكومة نتنياهو السادسة سيناريوهات التشكيل والتغييرات السياسية المنتظرة، مركز الناطور ١٢-١١-٢٠٢٢م

 

[6] – ناحوم برنياع: تطبيع مع السعودية مقابل تعهد نتنياهو بعدم ضم الضفة، يديعوت  2022-12-24

 

[7] – عاموس جلعاد*: التهديد الإيراني والسلام مع السعودية: ثمن التحدي في الحرم، القناة 12 العبرية 2023-01-06،

 

[8] – يوآف ليمور: بن غفير يحرف الأنظار الإسرائيلية عن إيران، إسرائيل اليوم 2023-01-07

 

[9] – التقييم السنوي لشعبة الاستخبارات العسكرية على كافة الجبهات بما فيها قطاع غزة، اسرائيل اليوم 25-12-2022م

 

[10] – اللواء احتياط تمير هايمن: الحكومة الإسرائيلية الجديدة: رزمة تحديات أمنية، إسرائيل اليوم 7-11-2022م.

 

[11] – عريب الرنتاوي: مصدر سابق

 

[12] – عاموس جلعاد، مصدر سابق

 

[13] – ليلاخ شوفال: رياح حرب: تحديات على طاولة وزير الدفاع القادم، اسرائيل اليوم- 2022-11-09

 

[14] – طال شنايدر: حكومة اليمين الإسرائيلية تسير خطوات جديدة نحو ضمّ الضفة، تايمز أوف اسرائيل 2023-01-05،

 

[15] – د. سنية الحسيني: حكومة نتنياهو الجديدة وحسم الصراع، صحيفة الايام 2023-01-12

 

[16] – عاموس هرئيل: الحكومة الإسرائيلية: روح اليمين المتطرف بدأت تعمل منذ الآن، هآرتس 2022-11-28.

 

[17] – بلال ضاهر، اتفاق نتنياهو سموتريتش يقود لضم بالضفة على أساس عرقي، عرب 48 7-12-2022م

 

[18] – د. وليد سالم   – القدس في “صفقة القرن”: تحليل وبدائل – عرب 48 – 17/2/2020

 

[19] – نبيل السهلي: الحكومة الإسرائيلية المقبلة والاستيطان في القدس – مركز الناطور 20-12-2022م

 

[20] – بن غفير، مقابلة مع قناة كان العبرية 27-11-2022م

 

[21] – محمود محارب: سياسات إسرائيل للسيطرة على الأقصى، مجلة “المقدسية” شباط / فبراير 2020م

 

[22] – يهوشع براينر: بن غفير يسعى لتغيير الوضع في الحرم القدسي لكنه سيحتاج إلى تعاون نتنياهو، هآرتس 28-11-2022م،

 

[23] – حسام الدجني: مشاكل قطاع غزة بين محاولات الحل والتفاقم خلال العام الحالي، مركز الناطور 7-01-2023

 

[24] – د. سفيان أبو زايدة: حكومة نتنياهو القادمة تعزیز الاستيطان واستدامة الانقسام، امد للاعلام 22-11-2022م

 

[25] – التقييم السنوي لشعبة الاستخبارات العسكرية في جيش الاحتلال على كافة الجبهات – مصدر سابق

 

[26] – مهند عبد الحميد: الهبّة المسلحة والتغيير المنشود، صحيفة الايام 2022-10-25

 

[27] – يوآف ليمور: إسرائيل تعود إلى سياسة التصفيات المركزة، إسرائيل اليوم 2022-10-25

 

[28] – اللواء احتياط تمير هايمن: مصدر سابق

 

[29] – يوسي يهوشع: رئيس شعبة “أمان” يتحدث عن اليوم التالي لابو مازن، يديعوت أحرونوت 14/9/2022

 

[30] – عاموس يادلين وأودي أفنطال: مصدر سابق

 

[31] – ليلاخ شوفال- مصدر سابق

 

[32] – التحدّي الرئيس أمام الحكومة الإسرائيلية هو الأوضاع في الضفة الغربية، المركز الفلسطيني للدراسات الاسرائيلية 28-11-2022م

 

[33] – العميد أحمد عيسى: نتائج الإنتخابات الأخيرة تكشف فشل المشروع الصهيوني في فلسطين، مركز الناطور 13-11-2022م

 

[34] -عاموس هرئيل: نتنياهو يضحي بالاستقرار الأمني والسياسي لينجو من المحاكمة، هآرتس ١٦-١١-٢٠٢٢م

 

[35] – اللواء محمد إبراهيم الدويري: مصدر سابق

 

[36] – أكرم عطا الله: حكومة نتنياهو الداعشية أفضل للفلسطينيين، صحيفة الايام 2022-12-18

 

[37] – عاموس جلعاد، مصدر سابق

 

[38] – نهاد أبو غوش: العام الجديد والخطة الإسرائيلية لحسم الصراع، صحيفة الايام 1-1-2023

 

[39] – تيسير خالد: حكومة نتنياهو والانقلاب الجديد في منظومة الحكم في اسرائيل، مركز الناطور 28-11-2022م

 

[40] – د. عامر الهزيل: إسرائيل الثالثة وخطة سموتريتش للانتقال من إدارة الصراع إلى حسمه برؤية 2050، عرب (48) 29-11-2022

 

[41] – حسن عصفور: خطاب الرئيس عباس انطلاق قاطرة فك الارتباط وما يجب ان يكون، امد للاعلام 2022-09-24