د يوسف يونس انتخابات الكنيست الاسرائيلية الـ25 والانقلاب السياسي الثاني في اسرائيل (الحلقة الاولى)

0
171

-الملخص –

 

تمثل نتيجة الانتخابات الاسرائيلية “ثورة” يمينية ودينية، قد تكون بداية تحوّل سيغير وجه الدولة، معاد لليبرالية، في ضوء صعود اليمينية الفاشية، لا يخرج عن السياق العام لتطور المشروع الصهيوني، وحوامله الاجتماعية والسياسية. وكذلك جاءت نتائج الانتخابات تجسيدا للتحولات على الواقع الديمغرافي في إسرائيل، فالتيار الحريدي – الكاهاني بات يمثل خزانا انتخابيا لقوى اليمين الديني المتطرف، يدفع باتجاه تعاظم القوى الدينية واليمينية المتطرفة، ما يسمح لمعسكر اليمين مواصلة المعركة السياسية والأيديولوجية للهيمنة على مقدرات الدولة، والتأسيس لمرحلة جديدة، لإضفاء الطابع الديني على دولة الاحتلال، وإجراء تغييرات في جهاز القضاء، وتعزيز الهوية اليهودية في موضوع الدين والدولة، وتنذر بتغيير على مستوى الدولة وبنيتها وطبيعة المؤسسة والقانون والثقافة والعلاقات الداخلية ووجه الديمقراطية، في ضوء الانزياح نحو شعبوية دينية وقومية، واضطراب ثقافي حضاري مع ازدياد قوةً التيّار المعادي للثقافة العامة والقيم الديمقراطية، والذي يعتمد توجهًا دينيًا أصوليًا، إلى جانب أيديولوجيا قومية، نفوذه آخذ بالتعمّق في مؤسسات الدولة.

 

 

وفي ظل سعي التيارات الدينية الفاشية للاستيلاء على ممكنات القوة في الدولة، والبدء في صناعة القوانين، لإحداث تحول في طابع العلاقة بين الدين والدولة، وإحداث ثورة قضائية تعلي من شأن أحكام الشريعة اليهودية “الهالاخاه” على حساب قوانين الدولة، وتقليص صلاحيات المحكمة العليا، ما يؤشر الى ان المسار الصاعد نحو “الدولة الدينية”، معززاً بممكنات ثقافية، ديمغرافية، مالية وقانونية. وسيكون الصراع بين اليمين التقليدي الليبرالي واليمين الديني المتطرف. وسيسعى بن غفير، الى مواصلة طموحه إلى مقعد رئيس الحكومة، من الجبهة الفلسطينية، التي يفضل الدخول لها من بوابة “الحرب الدينية”، ومن بوابة “يهودية الدولة”، التي ستحول إسرائيل إلى دولة دينية طائفية عنصرية متشددة، لن تكتفي بالعداء والعنف ضد الفلسطينيين، بل ستطال كل مواطني الدولة من يساريين وعلمانيين وليبراليين.

أظهرت نتائج الإنتخابات الاسرائيلية الأخيرة حقيقة المأزق الذي تتجه اليه اسرائيل، فصعود تحالف اليمين المتطرف، سيعني الكشف عن صورة مغايرة لدولة اسرائيل التي لا تقيم وزناً للقيم الليبرالية، ما يعني اضعاف قدرة الغرب عن الدفاع عن إسرائيل، وستنعكس العديد من الأحداث على العلاقات الخارجية الاسرائيلية واهمها: اخلاء منطقة الخان الأحمر شرقي القدس، واخلاء منطقة مسافر يطا جنوب الخليل، واخلاء منطقة سوسية جنوب جبل الخليل، حيث تسعى الحكومة اليمينية الى اخلاء تلك المناطق من سكانها الفلسطينيين. ومخططات الحكومة الاسرائيلية للبناء في المنطقة E1 قرب «معاليه أدوميم»، وهو الامر الذي من شأنه ان يبعد حلم «الدولة الفلسطينية»، واحتمالات ضم المناطق ج، والتي تأتي على رأس اولويات حكومة اليمين المتطرف، والتي كانوا قد اعلنوا عنها في برامجهم الانتخابية، وهي الخطوة التي سيكون لها انعكاساتها الخطيرة على استقرار المنطقة، وسيكون الاوضاع في الحرم القدسي الشريف، حيث يخطط نشطاء اليمين لتقسيم الحرم، الذي سيؤدي الى انفجار الاوضاع، بصورة تتعارض مع المصالح الامريكية.

وبينما يزعم نتنياهو ان العلاقات مع الدول العربية تشكل ركنا اساسيا من توجهاته السياسية، من خلال “السلام الاقتصادي” واتفاقيات التطبيع التي ستأخذ شكل مشاريع اقتصادية استراتيجية، الا ثمة مؤشرات على صعوبات هذا التوجه، في وجود حكومة دينية متطرفة، ستقود المواجهة مع الفلسطينيين، قد تكون عامل إحراج للدول العربية، خصوصا في ظل توجهات الشركاء في الائتلاف على تغيير الوضع في الحرم القدسي، وهو الامر الذي سيؤدي الى تصعيد ميداني كبير.

استطاعت ايران ان توسع دائرة التهديدات ضد اسرائيل، واضافة الى حزب الله اللبناني على الجبهة الشمالية، وجهودها لاقامة قواعد ثابتة في سورية، تسيطر ايران على الجبهة الجنوبية المتمثلة في قطاع غزة من خلال حركة حماس والجهاد الاسلامي، وهناك ايضا على اقصى جنوب البحر الاحمر حيث تسيطر على المضائق الاستراتيجية من خلال تواجدها في اليمن. ويتعاظم التهديد الإيراني، وبخاصة فيما يتعلق بتقدم المشروع النووي وتحسين القدرات الهجومية في مجال الصواريخ والمسيّرات، في ظل التعاون مع روسيا. وستكون احدى مهام الحكومة القادمة، الإعداد للخيار العسكري على مواقع النووي في إيران. الا ان تقديرات استخبارية ترى أن هذا الخيار، لن يكون ممكناً، في ضوء التحديات التي ستواجهها حكومة نتنياهو.

أشارت الخطوط العريضة للحكومة الجديدة انه: للشعب اليهودي “حق حصري” “لا جدال فيه” في “جميع أنحاء أرض إسرائيل”، وستعمل الحكومة على تعزيز وتطوير الاستيطان في جميع أنحاء أرض إسرائيل، الجليل والنقب والجولان والضفة الغربية. وهذا يعني التأكيد على تطوير الاستيطان في جميع أرجاء الضفة الغربية، وتجاهل التطلعات الوطنية للفلسطينيين، وإعلان أن الشعب اليهودي هو فقط صاحب الحقوق، ورغم عدم ذكر كلمة الضم، الا ان معنى هذه البنود هو ضم فعلي لمناطق «ج». وستعزز الاتفاقات مع بن غفير وسموتريتش موقفهما باعتبارهما حراسا لأطماع اسرائيل التوسعية، والحاكم الفعلي للضفة الغربية، وستعزز نفوذ المستوطنين في الضفة الغربية، الذين ستنقل اليهم السيطرة الفعلية في الضفة الغربية.

ستعمل الحكومة اليمينية على ترسيخ مفهوم “القدس الكبرى” والتي تشمل كتلة غوش عتصيون التي تلف محافظة بيت لحم وصولًا إلى مشارف محافظة الخليل، كما تشمل كتل مستوطنات معاليه أدوميم وميشور أدوميم ومنطقة “إي 1” (E1) ، وهي الكتل التي تشمل مخططاتها المستقبلية فكرة توسيعها لتصل حتى البحر الميت، كما تشمل كتلة غفعات زئيف التي تلف قرى شمال محافظة القدس، وتوسيع كتلة رابعة تشمل مستوطنات آدم وكوخاف يعقوب وبساغوت، ما سيحد من إمكانية التوسع المستقبلي لمحافظة رام الله. وتهويد مدينة القدس، وتكيثف النشاطات الاستيطانية، وتقليص وجود الفلسطينيين، وسيكون الهدف القادم لبن غفير، هو تغيير الوضع الراهن في الحرم، وستسعى الحكومة اليمينية الى تقسيم الأقصى مكانيًا وزمانيا بين المسلمين واليهود. وعلى الرغم من معارضة نتنياهو أي تغيير في الحرم قد يؤدي إلى تصعيد في الوضع الأمني، الا ان هناك توقعات أن تتم التغييرات التي يخطط بن غفير لإجرائها في الحرم ستتم بهدوء وبخطوات صغيرة، فالصلاة بالهمس ستتحول إلى صلاة بصوت مرتفع وأكثر جماعية، وستشتد سياسة إنفاذ القانون إلى أن يستقر الوضع كتقليد في المكان. وسيستغل بن غفير أنه المسؤول عن الشرطة وهو الذي يحدد سياسة عملها.

بقاء حكومة نتنياهو سيكون مرتبطا بتنفيذ مخططات الصهيونية الدينية لفرض تصوراتهم لـ”حسم الصراع”، وتصفية القضية الفلسطينية، وتدمير أية فرصة لقيام دولة فلسطينية مستقلة، وضم الضفة الغربية او اجزاء منها، ودعم المشروع الاستيطاني، وتغيير الوضع في الحرم القدسي، ونزع أية حقوق وطنية وسيادية من الفلسطينيين. تلك التوجهات ستعزز احتمالات انهيار السلطة الفلسطينية، واقامة دولة ثنائية القومية، سيعيش فيها الفلسطينيون كأفراد وليس قومية مستقلة، وسيتم السماح بإجراء انتخابات محلية لفرز الجسم الاداري المسؤول عن ادارة شؤون الفلسطينيين، وسيساهم هذا الخيار في زيادة تعقيد العلاقات بين المجموعات السكانية اليهودية والفلسطينية، والتي ستجد نفسها في حالة احتكاك شديد، وستزداد العداوة بينهما في الواقع الذي في اطاره يكون الفلسطينيون جزءا من دولة واحدة ذات هوية يهودية، دون تحقيق هويتهم القومية الفلسطينية، وستزداد مخاطر تدهور الأوضاع الأمنية إلى حد قد يقود إلى تفجر انتفاضة ثالثة. ولذلك سيسعى نتنياهو لفرض تصوراته لـ”ادارة الصراع” وفق مفهوم “السلام الاقتصادي”، وصولا الى اضعاف السلطة الفلسطينية بصورة تدريجية، ودعم تشكيل القيادة الفلسطينية التي ستقوم بوظيفة الحكم الذاتي الاداري، في مرحلة ما بعد الرئيس عباس، بما يضمن استمرار دعم اتفاقيات التطبيع العربى ومحاولة توقيع اتفاقيات جديدة، واحتواء أى خلافات مع الإدارة الأمريكية.

وعلى صعيد قطاع غزة تستبعد التقديرات ان تقوم الحكومة القادمة بأية تغييرات في سياساتها في التعامل مع القطاع، وستفضل الحفاظ على الوضع القائم والتعامل مع أي حالة توتر كما تم التعامل في حكومات نتنياهو السابقة، خاصة وان نتنياهو هو الذي اسس استراتيجية الانقسام وفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة على طريق القضاء على حل الدولتين.

وبينما يبدو المجتمع الاسرائيلي قد حسم أمره باتجاه “النزعة التوراتية”، فاننا نرى ان ذلك بالامكان استغلاله في صالح الفلسطينيين لأن حالة المراوحة التي استمرت لسنوات طويلة، أحدثت التآكل في مشروعهم الوطني وقدراتهم وعلاقاتهم الداخلية المتوترة، وأعطت انطباعات للعالم بموافقتهم على استمرار هذا الوضع، الا ان التوجهات المتوقعة للحكومة الاسرائيلية، لتغيير الواقع على الارض، وضم الضفة الغربية وانهاء السلطة الفلسطينية ، ستؤدي الى تصعيد الاوضاع، وسيكون لها آثارا استراتيجية واسعة، ستمس بشرعية اسرائيل، وستعيد الأمور إلى بداياتها.

انتخابات-الكنيست-الاسرائيلية-الـ25-والانقلاب-السياسي-الثاني-في-اسرائيل-أ (1)