د. يوسف يونس: حروب غزة المتواصلة والمتكررة .. وماذا بعد ؟

0
404

خلاصة استراتيجية

 

جاءت الحرب الاخيرة على غزة كجزء من عملية استراتيجية تستهدف تدمير البنية التحية لحركة الجهاد الإسلامي الآخذة في التطور بتوجيهات إيرانية، في الضفة الغربية وقطاع غزة، واحباط توجهات الجهاد الإسلامي، للربط بين قطاع غزة ومجريات الاحداث في الضفة الغربية، ما اعتبرته اسرائيل دافعا للعدوان على قطاع غزة، لحماية استراتيجية الفصل الجيوسياسي بين غزة والضفة الغربية.

اختصار اهداف العملية الى “المجال التكتيكي” المتعلق باستعادة الهدوء بالحد الأدنى لسكان الجنوب، جاء في ضوء استحالة تحقيق الاهداف الاستراتيجية، لمحدودية فترة العمليات وعدم إحداث أضرار مؤثرة في تنظيم الجهاد، ما يمنح التنظيم فرصة لاعادة بناء قوته مستقبلا. ما يهدد باضافة عنصر جديد في معادلة الصراع في قطاع غزة، يتمثل في تعزيز قوة الجهاد الاسلامي، اضافة الى رفع المسؤولية عن حماس، فيما يتعلق بالعمليات التي تستهدف اسرائيل انطلاقا من قطاع غزة، ما يمنح الحركة هامش اكبر، حيث تستطيع استخدام الجهاد، والذي أصبح أقصر، وهو ما يعني أن التحديات العملياتية والاستخبارية اصبحت الاكثر تعقيدا.

وأظهرت المواجهة فجوة استراتيجية تتعلّق بالسياسة الإسرائيلية إزاء قطاع غزة ، قد تنعكس على مستقبل الصراع بين الجانبين، فحركة حماس التي كانت “العنوان الحصري” في ادارة شؤون القطاع، لم تعد كذلك في الجانب العسكري، ما يطرح تساؤل حول حقيقة التوجهات الاسرائيلية المتعلقة بمشروع “دولة غزة”.

ارتبط كذلك موقف حماس من المعركة، بحسابات إقليمية دفعت الحركة الى تجنب التورط في جولة القتال الاخيرة، واعتمدت تقديرات الحركة على تجاوز التوجهات الايرانية الساعية لتوريط قطاع غزة في حرب لن تخدم مصالحها. وعلى الرغم من ان حماس قد تكون خسرت نسبياً مكانتها جماهيرياً، الا انها كسبت سياسياً، وتسعى لتسويق نفسها كطرف مؤثر يحرص على التكيف مع المعطيات الإقليمية والدولية، لتكون في الموقع الذي يؤهلها كطرف مقرر في المشهد الفلسطيني، أو طرف شريك في القرار الفلسطيني، حيث تلوح في الافق مخططات اسرائيلية وامريكية لتمرير مشروع “دولة غزة”، هذا الامر يواجهه العديد من العقبات:

هذا الخيار يحتاج لتفاهم والتزام كامل وطويل المدى من قبل حركة حماس لخلق مقاربة آمنة ومضمونة لإسرائيل، شبيهة باتفاقها مع منظمة التحرير الفلسطينية مطلع التسعينيات من القرن الماضي، وهو ما سيفرض على حركة حماس التزامات قد لا تكون قادرة على القبول بها في ضوء الوضع الداخلي للحركة والتداخلات الاقليمية التي تشكل مأزقا حقيقيا امام اية توجهات لحركة حماس في هذا الاتجاه.

التكتيك الذي تتخذه حركة حماس بالمحافظة على الهدوء في غزة ، بالتوازي مع تصعيد المواجهات اليومية في شمال الضفة الغربية مع قوات الاحتلال، يعزز التخوفات من ان تطور السياسات الاسرائيلية مع حركة حماس في غزة، مقابل غياب أي أفق سياسي مع السلطة الفلسطينية سيفاقم الوضع في الضفة الغربية، حيث لا يدور الحديث عن “موجة عمليات”، بل عن “ميل مقلق” يتعزز يوميا.

ازدياد قوة الجهاد الاسلامي في المشهد الفلسطيني في ضوء المعركة الاخيرة، يعزز المخاوف من توجهات الحركة لتصعيد العمليات في الضفة الغربية وربما داخل إسرائيل، ولذلك ستسعى اسرائيل الى مقايضة حركة حماس في قطاع غزة ، بالعمل على تحويل حركة حماس في غزة إلى جسم مشروع، يتولى مسؤولية قطاع غزة بالتزامن مع التصدي لتوجهات الجهاد الإسلامي، في قطاع غزة – على الاقل.

التكاليف والاعباء الاقتصادية التي ستترتب على القاء مسؤولية قطاع غزة بالكامل على حركة حماس ، خاصة انها حاليا تتحمل جزء بسيط من تلك التكاليف، حيث تقوم السلطة الفلسطينية بتحمل الجزء الاكبر من تلك المسؤولية، ويساعدها في ذلك علاقاتها الدولية التي جاءت بفضل التزاماتها الدولية والعربية.

رؤية استراتيجية :

 

رؤية استراتجيية في داخل اسرائيل ترى ان العمليات العسكرية غير قادرة على احداث تغيير استراتيجي، ما عزز التساؤلات عن الثمن مقابل المواجهة العسكرية الاخيرة، خاصة وان التقديرات الاستخبارية الاسرائيلية لازالت تؤكد عدم وجود حل عسكري لمشكلة قطاع غزة، ويتعزز هذا الرأي بامكانية الدفع قدما بعملية سياسية، مع “حماس”، الا ان هناك تقديرات مغايرة ان احتمالية هذا السيناريو لا تبدو كبيرة في المدى الزمني القريب، حيث تتمسك إسرائيل بسياستها التي لا تربط بين تلك “التسهيلات الاقتصادية” وضرورة وجود “افق سياسي” لتحقيق “تهدأة طويلة المدى” في قطاع غزة، وهو ما يجعل المواجهة العسكرية القادمة تقترب.

ولذلك فان سياسة إسرائيل القائمة على “إدارة النزاع” وفق سياسة السلام الاقتصادي، مقابل استمرار الاحتلال، بالتزامن مع تكثيف عمليات الجيش الاسرائيلي، لن تنجح، دون وجود أفق سياسي شامل لحل الصراع وإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وستبقى حالة الصراع قائمة، في ظل تصاعد المقاومة، وستبقى إسرائيل تنتقل الى مواجهات لا تنتهي في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وهو ما يفرض ضرورة تقييم هذه المعركة من زاوية استراتيجية وليس تكتيكية، حيث تبرز الصعوبة الجوهرية للتسوية التي يجري العمل عليها في غزة لضمان الهدوء الأمني لفترة زمنية طويلة، انطلاقا من الفرضية بأن الأمر سيقلل احتمال التصعيد.

د. يوسف يونس – باحث متخصص في الشؤون السياسية ونائب رئيس مجلس ادارة مركز الناطور للدراسات

Download (PDF, 400KB)