اللواء محمود الناطور “ابو الطيب”: رسالة مفتوحة الى وزير الثقافة الفلسطيني

0
490

لقد قدر لنا ان نعيش مرحلة المد الثوري الفلسطيني ، منذ سنوات النكبة الاولى ، والتي عرفنا من خلالها النهضة الفلسطينية في كافة المجالات العسكرية والسياسية والتنظيمية والاعلامية والثقافية ، وكل المجالات التي كانت بمثابة تعبير عن النهوض الشعبي والثوري الفلسطيني ، في مواجهة المشروع الاستعماري ، بالرغم من نقص الامكانيات ، والتي تم الاستعاضة عنها بتلك الروح الثورية من ابناء شعبنا ، روح التضحية والعطاء والفداء.

 

في هذه الايام التي يسعى الجميع فيها وراء المناصب والكراسي نتذكر هذا الجيل من عمالقة الثورة الفلسطينية ، جيل المؤسسين ، الذين ضحوا بأغلى ما يملكون من اجل فلسطين، ولعل الكثير من ابناء شعبنا اليوم ، لا يذكرون القائد المؤسس عبد الفتاح عيسى الحمود اول شهيد في اللجنة المركزية لحركة فتح ، والذي تخرج من كلية الهندسة جامعة القاهرة عام 1957، وتوجه للعمل مع شركة الزيت العربية الأمريكية (ارامكو) في الظهران، وبعدها انتقل للعمل مع شركة شل (قطر) نائبا لرئيس قسم العمليات البحرية حيث أرسلته الشركة في دورة تدريبية عام 1966م إلى هولندا. وبعد انتخابه في اللجنة المركزية الاولى لحركة فتح أوكلت إليه مهمة “أمين سر إقليم الأردن”، استقال على اثرها من شركة شل ، وعاد إلى بيت والده في مدينة الزرقاء، حيث استقر هو وزوجته وأولاده الخمسة في غرفة واحدة ، وفي رسالة أخرى لأحد الأخوة قال: “إنها حياة جديدة هذه التي بدأتها الآن، إنني بدأت العام الماضي الأسود الذي أغرقني الريالات الزائفة”. لقد كان شعاره طلقة على الحدود خير من ألف كلمة تقال” وكان على قناعة تامة بالثورة الشعبية وحرب الشعب، هذا هو الجيل الذي علمنا التضحية والفداء من اجل فلسطين. هذا هو التطبيق الحقيقي لشعار “خذوا المناصب والمكاسب لكن خلولي الوطن”.

 

وانطلاقا من ايماننا ان المعرفة حق ، فاننا قد شاركنا ومن خلال مركز الناطور للدراسات في مشروع استراتيجي يهدف الى إعادة الوعي الى الذاكرة الفلسطينية وانعاش ذاكرة الاجيال الصاعدة بالتاريخ الثوري ونضالات الاباء والاجداد ونفض الغبار عن تاريخ الثورة الفلسطينية ، تأسيسها ، معاركها ، تحالفاتها ، المؤامرات التي واجهتها ، قادتها، شهداءها ، والتي تتعرض لمحاولة طمس واخفاء لمرحلة هامة من المراحل المضيئة في تاريخ شعبنا.

 

وحاولنا من خلال مركز الناطور للدراسات منبرا فتحاويا هاما للتصدي لتلك المؤامرة والرد على تلك الاصوات المعارضة بالتعاون مع الكثير من الكتاب والإعلاميين والسياسيين. وقمنا بإصدار العديد من الكتب والدراسات لاظهار الصورة الحقيقية والنضالية لحركة فتح في اوساط الشعب الفلسطيني، وبامكانكم الاطلاع على احصاءات مشاهدات المركز الناطور للدراسات والتي تتجاوز 100000 متابع، ما يؤكد اهمية هذا المركز لدى العديد من المتابعين لمضمونه السياسي المعمق بعيدا عن الدعاية الاعلامية والمواد الصفراء.

 

وسعينا جاهدين للتصدي لتلك للهجمة الشرسة التي تتعرض لها حركة فتح، والتي تركزت على الأجيال الصاعدة ، في محاولة لتجهيلها وخلق حالة من اليأس في نفوسهم وصولا الى انهاء التصاقهم واعتزازهم بقضيتهم الوطنية ، وقطع صلتهم بالاباء والاجداد ، سواء من خلال طمس تلك الهوية الوطنية او من خلال تشويه تلك الصورة النضالية التي من المفترض ان تكون بوصلتهم باتجاه استكمال المسيرة والمشوار باتجاه النصر والحرية والاستقلال. وللاسف الشديد استغلت تلك القوى الكثير من وسائل الاعلام وبعض الأقلام المأجورة، والذين يدعون علاقاتهم التاريخية بحركة فتح ، مستغلين الفراغ والتقصير الإعلامي الفتحاوي الذي سمح لهؤلاء باستغلال تلك الثغرات للنفاذ الى عقول ابناءنا، ولعل اخر نتائجها نتائج جامعة بيرزيت التي فشلت فيها حركة فتح بصورة غير مسبوقة.

 

وعلى اثر مقابلتنا الاولى معكم أثناء عرض كتاب الاخت حنان عواد في رام الله ، توسمت فيكم خيرا وحرصا وطنيا على حماية الموروث الثقافي الفلسطيني، وتأكد هذا الشعور عندما عرضتم أن تقوم وزارة الثقافة بطباعة هذه الكتب والمؤلفات على نفقة وزارة الثقافة وهو الامر الذي اعتبرنا أن من شأنه أن يضمن وصولها الى اكبر عدد من القراء تحقيقا للهدف الذي نسعى اليه جميعا.

 

ووضعنا بين ايديكم في وزارة الثقافة الفلسطينية الكتب التي قمنا بإصدارها ، والتي اعتبر الكثير من المؤرخين والكتاب والسياسيين انها تؤرخ لمرحلة تاريخية هامة من حياة شعبنا وثورتنا الفلسطينية المعاصرة، حتى تتمكن الأجيال القادمة من الاستفادة من هذا الجهد الذي نرجو ان يكون عونا وداعما في إعادة بناء الذاكرة الفلسطينية . باعتبار ان وزارة الثقافة الفلسطينية هي إحدى مراكز الدفاع عن الارث الثوري والنضالي للشعب الفلسطيني.

 

وقمنا بتزويد وزارة الثقافة بأرشيف وثائقي خاص بالقضية الفلسطينية منذ العام 1921م قامت مؤسسة المانية بتجميعه على افلام ميكروفيلم بتكلفة تجاوزت 3.5 مليون مارك الماني وقمنا مع العديد من الاخوة ببذل جهود كبيرة من اجل تحويل هذا الارشيف الى اسطوانات (CD) .. ونجحنا بالتنسيق مع مؤسسة الاهرام المصرية بعملية التحويل المطلوبة حتى اصبح هذا الارشيف متوفر على هيئة اسطوانات (CD) بتكلفة بلغت 144 الف دولار (مائة واربعة واربعون الف دولار). وقدمنا هذا الارشيف الهام الى وزارة الثقافة بدون اي مقابل ، والذي يعتبر بمثابة ثروة وثائقية تخدم شعبنا وقضيته العادلة في جميع المجالات سواء الاعلامية او السياسية او القانونية اضافة الى اهميته القصوى لمراكز الابحاث والجامعات ومؤسسات البحث العلمي في بلادنا.

 

وقدمنا للوزارة العديد من الكتب التي تستعرض تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة ، والصادرة عن مركز الناطور للدراسات والابحاث، واقترحنا اعادة طباعة هذه الكتب بمعرفة وزارة الثقافة الفلسطينية، بما يخدم مشروع النهضة الثقافية الفلسطينية. ولكن وللاسف اصطدمنا بتعقيدات بيروقراطية ، واهمال متعمد من وزارة الثقافة ، وعلى الرغم من مرور اكثر من عامين على اتفاقنا مع وزراة الثقافة على اعادة طباعة الكتب ، الا ان ذلك لم يحدث حتى تاريخه ، وهو ما جعلنا نطرح تساؤولات عن الهدف من وراء هذا التأخير، والتذرع بحجج واهية وغير مقبولة، ولم نجد سوى اجابة واحدة ، تجعلنا نتعرف على اسباب تراجع الحالة الثقافية الفلسطينية، بالرغم من الامكانيات الهائلة التي تمتلكها المؤسسة الرسمية الفلسطينية والتي من المفترض ان تخلق حالة ابداعية هائلة ومؤثرة في مجريات الصراع.

 

ولكن يبدو أن هذا “التفاؤل” سرعان ما تحول الى “الاحباط” ، بسبب التعقيدات الادارية التي لا نعلم ما هو هدفها ..! والتي جعلتنا نتوقف ونتساءل ما الذي يحدث ..؟، هل انتم بالفعل تريدون طباعة الكتب أم لا؟ هل أنتم معنيين بالحفاظ على تاريخ الثورة الفلسطينية ؟ هل انتم بالفعل تريدون صناعة أجيال فلسطينية مناضلة تواصل مسيرة الثورة والحرية والاستقلال..؟.

 

واكتشفنا اننا بمفردنا في هذه المعركة، حتى أن كافة مؤسسات وقيادات حركة فتح لم تفكر على الاطلاق في شراء او طباعة اية كتب قمنا بإصدارها ، وللعلم فان الجامعة الاسلامية في غزة قامت بشراء جميع الكتب التي اصدرناها ووضعتها في مكتبها ، وبامكانكم الاطلاع على مكتبة الجامعة الاسلامية على موقعها الالكتروني لمعرفة مدى اهتمامهم بهذا التاريخ، فاختلافهم معنا لم يمنعهم من الحفاظ على هذا الارث النضالي الذي يتمسكون به اكثر من مؤسساتنا وجامعاتنا الفتحاوية.

 

وللمفارقة أيضا فإن جامعة تل ابيب قامت بشراء عدة نسخ من تلك الكتب، وبامكانكم الاطلاع على المكتب الوطنية الاسرائيلية لتجدوا انهم يقوموا بعرض تلك الكتب على موقعهم الالكتروني ، والحكومة الفلسطينية الفتحاوية ومؤسسات حركة فتح الاعلامية والثقافية لم تحرك ساكنا !.

 

هل وصلت حالتنا المتردية الى مرحلة ان عدونا يبحث عن تاريخنا ويضعه امام طلابه ونبقى نحن نتفرج ولا نسعى حتى لانعاش ذاكرة اجيالنا القادمة.

 

لقد شاهدت مصادفة مقابلتكم على شاشة قناة فلسطين تباركون فيها قرار السيد الرئيس محمود عباس طباعة الكتب الفلسطينية الصادرة قبل النكبة ، في اطار اهتمامامات سيادة الرئيس الفلسطيني باحياء ذاكرة ابناء شعبنا والاطلاع على مجريات احداث تلك الحقبة من التاريخ التي لا زالوا يعانوا من آثارها وويلاتها حتى اليوم. وكان من مدعاة استغرابي هو موقفكم الغير معني على الاطلاق بدعم أية مبادرات ثقافية في اطار معركة الوعي التي ينشط الاحتلال في اطار محاولاته لـ”كي الوعي الفلسطيني”، اعتمادا على غياب المؤسسات الفلسطينية الرسمية التي من المفترض ان تتصدى لهذه المعركة ، والتي لا تقل ضراوة عن المعارك السياسية والعسكرية التي يخوضها الشعب الفلسطيني، منذ بداية الصراع وحتى اليوم والغد.

 

أليس من الاولى ياوزير الثقافة ان تقوموا بدعم جهودنا التي اطلعتم عليها في هذه المعركة، معركة الوعي ..؟، اليس من الاولى يا وزير الثقافة ان تقوموا بالوفاء بالتزاماتكم تجاه ابناء شعبنا للافراج عن هذه الحقبة من التاريخ الفلسطيني المشرف التي لا يعلمها الكثير من ابناء شعبنا ، وخاصة فئة الشباب..؟. وكم كان احباطنا كبيرا عندما تابعنا ذلك البرنامج على قناة جامعة القدس المفتوحة والذي عرضوا من خلاله اين وصلت حالة الثقافة الوطنية والنضالية لابناء شعبنا ، عندما طلبوا من الطلبة التعرف على صورة الشهيد القائد المؤسس خليل الوزير “ابو جهاد” وللاسف فان الغالبية العظمى من الطلبة لم يتعرفوا عليه ، هل هذا الامر عادي بالنسبة لكم ؟ هل هذا الامر لا يمثل كارثة بكل ما تحمله الكلمة من معنى ؟؟.

 

يا وزير الثقافة الفلسطيني ، هل تعلم اين وصلت الحالة الثقافية الفلسطينية في عهدكم ، ان كنت لا تدري بامكانكم التوجه الى مكتبة بلدية نابلس، والتي يمتد تاريخ تأسيس لمرحلة العهد العثماني، والتي كان قد اطلعني مدير المكتبة على الجهد الكبير الذي يقومون به،  للحفاظ على الارث الوطني الذي تمثله هذه المكتبة، واخبرني انه طلب دعم المكتبة من التنظيمات الفلسطينية، وامدادها بالكتب الجديدة للاستمرار بدورها الثقافي،  وللاسف الشديد قام الكثير من التنظيمات بالتجاوب وارساله مئات الكتب، باستثناء حركة فتح التي لم تقم بأي مبادرة لدعم هذه المكتبة ، وهو ما عبر بالفعل عن تقصير الحركة وازمتها الثقافية التي تعيشها. وبادرنا بصورة شخصية بارسال عشرات النسخ من الكتب الصادرة عن المركز لتكون تحت اطلاع ابناء شعبنا.

 

لقد اعتبرنا أنفسنا دائما وابدا جزء من هذه الحركة الفتحاوية العملاقة ، ولم نتأخر او نتردد في الخوض في غمار اية معركة عسكرية او سياسية دفاعا عنها ، وعلى سبيل المثال اثناء ازمة رواتب اسر الشهداء والاسرى بادرنا باعداد تقرير موثق يظهر مدى اعتزاز اسرائيل بعملاءها وتكريم نتنياهو لعدد من ضباط الموساد الذين قاموا بتنفيذ عمليات ارهابية في الدول العربية منذ سنوات طويلة ، وهو ما اعتبرناه بمثابة دحض للرواية الاسرائيلية التي تحرض ضد الاسرى والشهداء الفلسطينيين. وسلمنا هذا التقرير للعديد من قادة الحركة والسلطة وللاسف الشديد لم يستغلوه ولم يستفيدوا منه ، معتمدين فقط على حالة الغياب الرسمي التام والعجز الاعلامي الواضح الذي استغلته الكثير من القوى المعارضة.

 

وهذا ما جعلنا نعتقد أن هناك جهات غير معنية بحركة فتح، التي باتت تتعرض للهجوم من القريب والبعيد في هذه المرحلة ، وبامكانكم ان تتوجهوا الى أية معارض للكتاب لتطلعوا على حجم الكتب والمنشورات التي تهاجم حركة فتح وتاريخها ، ولكم ايضا ان تتابعوا المواقع على الانترنت لتتيقنوا حجم الجهات المعادية لحركة فتح ومدى قوتها ونفوذها في اوساط شعبنا في الداخل والخارج ، بعد ان اصبح الفضاء مفتوحا والمجال واسعا لكل اولئك المغرضين ، في ظل سلبية  الكثير من اولئك الذين يعتبرون انفسهم في مواقع مسؤولية وقيادية في حركة فتح.

 

من حقنا ان نتساءل هل المطلوب ان نقف مكتوفي الايدي امام هذه المؤامرة بحق شعبنا وقضيتنا وتاريخنا ..؟ هل المطلوب منا ان نذهب ونعتذر لأولئك الذين وقفنا طول حياتنا في وجوههم وتصدينا لهم ولافتراءاتهم على حركة فتح وتاريخها وقادتها ..؟.

 

وعلى الرغم من هذا التحدي فاننا قررنا ان نواصل القيام به، نظرا لما تمليه علينا ضمائرنا النضالية ، ويكفينا فخرا اننا نلاقي التقدير من أبناء شعبنا، والذين يعرفوننا جيدا ان دائما ما نقدم لهم كل خير ، وهذا ما يشهد به الكثير من أبناء شعبنا الذي قمنا بالمساعدة في ارسالهم الى دول العالم للحصول على الدراجات العلمية المختلفة ، وها هم اليوم في الكثير من المراكز والمواقع في فلسطين وخارجها، هؤلاء هم رصيدنا الحقيقي.

 

لقد رفعنا شعارا ووضعنا هدفا نصب اعيينا ان نكون اوفياء لفلسطين وجنودا في الخندق الاول دفاعا عن الثورة الفلسطينية وما تمثله من تضحيات وشهداء وجرحى واسرى ، وهذا الذي دفعنا لتركيز كل جهودنا على تأريخ مسيرة الثورة تخليدا لاولئك الذين ضحوا بأرواحهم على طريق النصر والحرية. ولم ندخر جهدا في التصدي لتلك الاصوات الناعقة التي تتهجم دائما على الثورة الفلسطينية وقياداتها. أوكد لكم أن هذا لن يحدث فكما كنا دائما في المواقع القتالية الاولى في مواجهة الخطر .. فإننا سنبقى أوفياء على عهد الشهداء .. عهد الثورة .. سيظل هذا المركز يعمل بلا كلل وبلا هوادة .. فحركة فتح ملك لأبنائها الذين ضحوا وكتبوا تاريخها بالدم وليس بالحبر.

 

إن قدرتنا على تحقيق النصر في هذا الصراع الحضاري، الذي اكد عليه الشهيد الراحل سعد صايل “ابو الوليد” ، يتطلب منا ان نكون على نفس القدر من التحدي والمسؤولية والامانة.