ما حقيقةُ فلسطين ومن هُم خالقوها؟ عبد الرَّحمن بسيسو

0
157

الصَّديقات والأصدقاء

نُشِرَتْ هذه المادة المعرفية النقدية في العدد الأخير من مجلة “الهدف” رقم: 1500،وأعيد نشرها، هنا، على ثلاثة أقسام متوالية. هنا القسم الثاني وهو بعنوان: ما حقيقةُ فلسطين ومن هُم خالقوها؟

عبد الرَّحمن بسيسو

الْأَدَبُ الْفِلَسْطِيْنِيُّ بَيْنَ تَحْفِيْزِ المُقَاوَمَةِ، وتَحَدِّيَاتِ التَّطْبِيْعِ، ومُغْرَيَاتِ الْحَدَاثَةْ

(7)

السَّرديَّةُ الصُّهيونيَّةُ: تَسْويْغُ السَّرِقَةِ، وتَسْبِيُبُ النَّكْبَة

“… وليسَ غريباً، بلْ ليس مُسْتَبْعَداً، والحالُ هي هَذهِ الَّتي أدْركَهَا، ووصَّفَها، علماءٌ مرمُوقُونَ بينهمُ يَهودٌ لَم يُصَهْيَنُوا، ولَمْ تُنْتَزعُ إنسانيَّتُهم لـ”يُحَوسَلُوا”، أنْ نعثرَ في “التَّوراة العبريَّة” على دليل إرشاديٍّ كَاملِ الأركانِ، ومُكْتَمِلِ المجالات والجوانبِ، لاقتراف جرِيمةِ السَّرقَةِ وغيرهَا من الجرائِمِ، وتحصينِ المجرمِ السَّارقِ، وكُلِّ مُجرمٍ بِإطلاقٍ، ضَدَّ أدنى احتمالٍ للتَعَرُّضٍ لإلقاءِ القبض، والاحْتِجَازِ، والتَّحقيقِ، والمُسَاءَلَة، وتوجيه الإتِّهام، والخُضُوعِ لمُحاكَمَة إنْسانيَّةٍ قانونِيَّةٍ عادلِةٍ، وتَلَقِّي ما تُوْجِبُ نزاهَةُ هيئةِ المَحْكَمَةِ إِيْقَاعَهُ من عِقَابِ عَادِلٍ عَليْهِ.”

‏(II)

ما حَقِيْقَةُ فِلَسْطِيْنَ ومَنْ هُمْ خالِقُوهَا؟

أَمَّا نَحْنُ، نَحْنُ الْفِلَسْطِيْنِيِّينَ خَالِقيْ “فِلَسْطِيْنَ” الذين باسمهم أَسْمَوهَا لِكَوْنِهم هُمْ وحْدَهُمْ، ودون أيِّ أحدٍ من آخَريْهِم من بَني البَشَرِ، أَصْحَابهَا الأَصْلِيّين الأصيلين؛ بُنَاة حَضَارَتِهَا؛ وصُنَّاعُ تَارِيْخِهَا، مُذْ بَدْءِ البَدءِ وإِلى أَبَدٍ مَفْتُوحٍ عَلَى لا نِهَايَاتِ الأَبَدِ، ومَثَلُنَا في ذَلِكَ مَثلُ كُلِّ الشُّعُوبِ البَانيَةِ الحَضَاراتِ الإنْسَانيَّةِ في أوطانِها المُوزَّعَةِ عَلى شّتَّى أحيازِ الأرضِ، والصَّانِعةِ تَاريْخَهَا المَضْفورَ بجدائلِ تاريخ الإنْسَانِ، والْمُحَفِّزِةِ سَيْرَ أَنْهُرِ حَيَواتِها، وصيرورةِ حَضَاراتِ أَوطَانِهَا، في مَسَاراتٍ مفتوحَةٍ، ومجالاتٍ حَيَوِيَّةٍ، تَسْتَجيبُ لأشواقِ الحياةِ، وجَمَالِ الأوطانِ، وللإصْغَاءِ الدَّائمِ، بِإنْسَانيَّةٍ جَوهَرِيَّةٍ، لِشَتَّى نِدَاءاتِ الوُجُودِ الإنْسَانيِّ الحَقِّ، فَإنَّنَا لنُدْرِكُ تَمَامَ الإدراكِ أَنَّنَا فِلَسَطِينيُّونَ إنْسَانيُّونَ، بُناةُ حَضَارةٍ، وصُنَّاع تَاريخٍ، تَماماً مثل غيرنَا منَ الشُّعوبِ غير المُتَخيَّلةِ، كَمَا نُدركُ، بِعُمْقٍ مُتَأصِّلٍ فينا وفي الأرضِ التي باسمنا أسميناهَا، أنْ لا أرضَ ولا وطنَ لنَا، وأنْ لا مجالَ وجوديَّاً حَيَويَّاً لوجودِنَا، غير “فِلَسْطِينَنَا”، وأنَّنَّا لا نستطيْعُ أنْ نَزْعُمَ، بل لا نُريدُ، ولا نُحبُّ، ولا نرغبُ في أَنْ نَتَخيَّلَ لِنَزْعُمَ، أنَّ “إِلَهَا مَخْصُوصَاً” قدِ اختارنا بنفسِهِ “شَعْبَاً مَخْصُوصَاً” لِنَفْسِهِ، دُوْنَ سِوَانَا من بَني البَشَرِ، أو مِنْ بينِ جميْعِ أسْوائِنَا مِنَ الإنْسَانِيِّينَ الجديرينَ بالوُجودِ من النَّاسِ!

كَمَا إنَّنَا نُدْركُ تَمامَ الإدراكِ، نَحْنُ الْفِلَسْطِيْنِيِّينَ خَالِقيْ “فِلَسْطِيْنَ”، أَنَّ “إلَهَاً مَصْنوعَاً مِنْ وهْمٍ” لَمْ يَعِدْنَا بِتَملُّكِ أَرضٍ، ولم يَطلُب إلينا غزوَ أرضٍ هي، في الأصلِ والتَّسميَةِ، مِلْكُ غيرنا منَ “آخريْنَا” مِنَ النَّاسِ، وهُو نَفْسُهُ لَم يَصْنَعْهَا ولَم يُسهِم بِقَدْرٍ، مهما ضَئُلَ، في بناء حضارتها و صُنْعِ تاريخِها، لِيَمْلِكَ حَقَّ تَمَلُّكُهَا، أو حَتَّى حَقَّ تقاسُمُهِا مَع مالكيها الأصليينَ، إِذْ لَمْ تَكُنْ لَهُ، كما لَمْ تَكُنْ لنَا نحنُ المُوعُودِيْنَ المُفْتَرَضِيْنَ منْ قِبَلَه بِهَا، أدنى صِلَةٍ بِذَرة تُرابٍ مِنْ تُرابِ أرضِهَا الذي لَمْ تَطَأْهُ أَقْدُامُنَا يَوْمَاً، ولا هُوَ، ذاتَ يَومٍ، قَد رأى ذرَّةً مِنْهُ قَبْلَ أنْ تُرِيْهُ عُيُونُ صَانِعيهِ التَّوراتِيِّينَ المَأفُونينَ إيَّاهُ، وترسُمُ بِأصابِعِه الجشِعَة خريطَتَه: “منَ الفُراتِ إلى النِّيْل”!

وإنَّنَا، مَعْ هذا ومَعْ ذاكَ، لنُدْركُ تَمامَ الإدراكِ، أيْضاً، أَنَّنَا لَم نُرِدْ لِهذا الإلَهِ الضَّالِ، أو حتَّى لسِواهُ من الآلِهَة، ولم نَصْرخْ في وجْهِهِ، أو في وجْهِ غيرهِ منَ آلهتنا، طَالبيَنَ منْهُ، إمَّا مُبتهلينَ راجينَ أو مُؤَنِّبينَ آمِرينَ، أنْ “يُوقِفَ الشَّمسَ” عن إضاءَةِ سَمَاواتِ مدائنِ  تِلكَ “الأَرْضِ المَوعُودة”، وأَنْ يُسقِطَ أسوارَهَا العاليَةَ تحْتَ أقدامِ جحَافلَ وُحُوشِنَا البشَريَّة الغازيَّة حتَّي نُكْمِلَ غَزوهَا، وسرقَتها، والفتْكِ بأهلها منَ “الأغيارِ”، واحتلال أُروضِهم واقتلاعهم منها، وتشريدهم في أحيازِ أزمنَةِ منافٍ لا مكانيَّةٍ، وسلْبِ ما يَمْلُكًونَ من ثِمارِ جَهْدهم الإنسانيِّ الحضاريِّ الخَلَّاقِ، لنتقاسَمَهُ مَعَهُ، مُؤْثِريْنَ أَنْفُسَنَا بِما يَزيدُ، ومَا يفُوقُ، ومَا يعلُو قِيْمةً وجَدوى، على ما سَنَجُودُ بِهِ، إنْ جُدْنَا، عليه!

وسيَكونُ لنا، بطبيعَة الحالِ ووفق مقتضيات المنهجِ النَّقديِّ المعرفيِّ الذي بلورتْهُ الأقسامُ سابِقةُ النشر في مجلَّة “الهدف”، أنْ نُوجِّه جُلَّ جَهدنَا النَّقْديِّ لِتَعرُّف كيفيَّاتِ تَعامُل الأدب الفلسطينيِّ، في مرحَلَتِه الثَّانيَةِ الكُبْرى وبحسب توالي أحقابِها، وتغايُرِ أحيازهَا، وتبايُنِ الشُّروط التي تحكُمُها، مَع هذا الجانبِ من جوانبِ السَّرديَّة الصُّهيونيِّة الَّتي تأسَّست ْعلى “تسويغِ سرقَة فلسطينَ” وعلى إيقادِ كُلِّ الجمراتِ التَّوراتِيَّةِ الخبثَةِ التَّي تسبَّبَ إيقادُهَا في “إشعَالِ سَعائِرِ نكبتهَا” في جميعِ أرجائها، وفي مُتابَعَةِ تَسْعِيرِ عقابيلِ ألْهِبَتِهَا الجسيمَة، الضَّاريَة، السَّوداء، لِتُتابِعَ استلابَ هُوِيَّتِهَا، والفَتْكَ بَحَيَاتِها، وبحيواتِ أبناء شعبها سَواء أكانُوا من الَّينَ تَمكَّنُوا منَ الاستمرار في التَّشَبُّثِ بهَا: أرضاً، وبُيوتَاً، ووطناً، ومجالاً وجودِيَّاً حيويَّاً وحيداً، أو الَّذين تَمَكَّنت عصاباتُ الإرهاب الاستعماريِّ الصُّهيوني من اقتلاعِهم منها، وطردهم بعيداً عن  “مساقِطِ رْوسِهم” فيها، وتشريدهِم في منافٍ بَعِيْدةٍ عنْهَا تَتوَزَّعُهَا أصقاعُ عالَمٍ بَشَريٍّ هجيريٍّ وصَقيِعيٍّ في آنٍ معاً