البيروقراطية الفلسطينية الناشئة – ” طبقة السلطة” الجديدة د.عبدربه العنزي

0
288

يعكس تكوين البيروقراطية الفلسطينية في تشكلها البنيوي وعلاقاتها الداخلية الوصفة التي ذكرها “بول كلافال” حول مفهوم البيروقراطية باعتبارها تأخذ شكل بنيان هرمي ولها الميزة الشكلية بأن تكون قابلة للامتداد إلى عدد كبير من الأفراد وتستند إلى علاقات تسلسلية بحيث يكفى مضاعفة عدد التفريعات والطبقات لإدخال عدد إضافي آخر من الأشخاص. كما أن تبلور هذه البيروقراطية التي تتضمن حركة اجتماعية لا تعنى قوة دفع نحو التحول الديمقراطي أو الاجتماعي فالصاعدون من الطبقات الدنيا والمتوسطة في الجهاز البيروقراطي لا ينقلون معهم طبقاتهم التي ينتمون إليها خلال صعودهم الاجتماعي. ويتضح أن هذه الحركة الاجتماعية التي تتبلور في إطار البيروقراطية الفلسطينية الناشئة هي عامل برجزة وتحول طبقي غير منضبط معيارياً بأية أسس. فهي طبقة استندت في تكونيها على امتيازات وظروف النظام الجديد للسلطة وضمن توزيعها في الهياكل والمناصب العليا للسلطة. ومستفيدة من هذه المكانة الوظيفية بغض النظر عن أصولها الطبقية أو نشأتها الاجتماعية .

من المعلوم أيضاً، أن أغلب المؤسسات الرسمية والحكومية في السلطة تولتها نخبة سياسية بيروقراطية بتفويض من الرئيس، حيث أن إدارة مؤسسات وحركة النظام الفلسطيني تبلورت من خلال شبكة العلاقات الشخصية والاتصالات غير الرسمية التي يستند إليها النظام، والقنوات بين السلطة والمجتمع والتي جسدتها القوة الأمنية التي اعتمد عليها النظام السياسي الفلسطيني حيث بلغت عدد الأجهزة إلى ثمانية أجهزة. بالإضافة إلى الأجهزة البيروقراطية التي تمثل أحد أركان النظام الفلسطيني الناشئ.

تمثل الأجهزة البيروقراطية قواعد ضرورية لطبيعة النظام الذي يحتاج إلى شرعية للاستمرار في الحكم خاصة مع التسوية السياسية الباهتة التي أفقدت السلطة مصداقيتها، ومع غياب مؤسسة سياسية وقانونية وتشريعية تتميز بالشفافية والمساءلة. مما حدا بالسلطة إلى دعم الجهاز البيروقراطي وتوسيعه لضمان السيطرة على حركة المجتمع. ونلمس ذلك في إجراءات التوسيع للعدد الكبير لمؤسسات السلطة مثل: ( جهاز الإحصاء المركزي، والإذاعة، والتلفزيون، والطيران، وسلطة النقد، والبيئة، ديوان الفتوى والتشريع، هيئة البترول الفلسطينية، سلطة التبغ الفلسطينية، مديرية التوجيه السياسي، سلطة المياه الفلسطينية) وغيرها من المؤسسات الرسمية. علاوةً على الأجهزة الأمنية التي وصل عددها إلى ثمانية في بداية تأسيس السلطة. مما خلق تضخم في الجهاز الإداري والأمني. وفي ظل غياب لهياكل وظيفية مبنية على تقديرات خاصة باحتياجات الواقع الفلسطيني.

لقد ترتب على هذه الآليات البيروقراطية ظهور طبقة تتميز بعلامات ثراء مرتبطة مباشرة بنخبة السلطة وهى طبقة يمكن اعتبارها ” طبقة جديدة ” ذات الطبيعة البيروقراطية والتكنوقراطية (أمنية ومدنية). وهى طبقة نشأت في الدولة العربية بعد الاستقلال وعُرفت بأنها برجوازية بيروقراطية جديدة تختلف عن “برجوازية الأعمال التقليدية”. وهذه الطبقة الجديدة لا يمكن تصنيفها في الواقع الفلسطيني ضمن التقسيم الطبقي المألوف كـ “برجوازية”، نظرا لعشوائية الوضع الطبقي في فلسطين وعدم وضوح هذا البنيان الطبقي بسبب ظروف فلسطين التاريخية. وقد أخذت هذه الطبقة الجديدة في الواقع الفلسطيني تعزز مواقعها الاقتصادية والسياسية داخل النخبة الحاكمة. وحسمت قوتها السياسية وعلاقتها مع السلطة على حساب البرجوازية التقليدية. بل اضطرت الأخيرة أغلب الأحيان التعامل مع السلطة من خلال عناصر الطبقة البيروقراطية الجديدة هذه التي يتراوح موقعها بين الطبقة الوسطى العليا وقريبة من الخط البرجوازي. هذه (البيروقراطية الجديدة) دخلت في معاملات دائمة ومتصلة مع عناصر رأس المال المحلى ومع قوى رأسمالية إقليمية ودولية. لكن ما يمكن تسجيله حول هذه (البيروقراطية الجديدة) الناشئة في حضن السلطة أنها لا تسعى فقط إلى تحقيق مواقع متقدمة في التراتب الطبقي فحسب بل تحركها دوافع رئيسة لتكون ضمن النخبة المركزية في السلطة التي تؤثر في مجرى القرار السياسي. وتستمد قوتها لتحقيق ذلك من خلال شبكة اتصالها الداخلية وأجهزتها الإدارية التي تتطلب منها بعض الأحيان التدخل أو الاقتراح على الرئيس وبتفويض من الرئيس نفسه ، كما تتمتع بعلاقات إقليمية ودولية حسنة. وهو ما يجعل ( البيروقراطية الجديدة) هذه تؤدى أدواراً في صناعة القرار أو التأثير عليه بشكل غير رسمي. أو من قنوات بعيدة عن الأطر المؤسساتية. خاصةً، وأن النظام الفلسطيني يتميز باتخاذ القرارات بطريقة غير مؤسساتية وغير رسمية وهو ما يؤكد تعدد الأدوار التي تقوم بها هذه البيروقراطية. واعتبارها أحد العناصر الأبرز في ملامح النظام السياسي الفلسطيني الناشئ، ويظهر أن هذه البيروقراطية تملك علاقات داخلية وشبكة واسعة من الاتصالات وقنوات خلفية عديدة تكاد تكون مؤسسة بحد ذاتها قائمة على “اللا رسمية “، ومجمل هذه الخصائص التي تميزت بها هذه البيروقراطية الناشئة يضاف إليها  تورط جزء كبير من أعضائها في الكثير من التجاوزات والفساد ودون أن يتمكن التشهير العلني والمستمر بها في النيل من مكانتها ونفوذها أو حتى محاسبتها. مما يعنى- استشرافاً للمستقبل- أن هذه البيروقراطية ستتمكن من تعزيز دورها وتثبيت مواقعها وازدياد قوتها في التأثير على القرار السياسي والوطني .

يمكن القول في هذا الصدد: أن جناحي (طبقة البيروقراطية الجديدة) والبرجوازية التقليدية لا تشكلان قوة ضاغطة نحو تدعيم مؤسسات ديمقراطية تكفل نظام سياسي قائم على الشفافية والمساءلة ومعززاً لحقوق الإنسان والمواطن، لأن البرجوازية التقليدية وبحكم عناصر تكوينها وثقافتها وتجربتها الاقتصادية والسياسية ستكون معنية بالامتيازات والتشريعات التي تقرها الدولة وتخدم رأسمالها، في حين أن هذه (طبقة البيروقراطية الجديدة) ستكبر فرصتها في القوة بغياب الحالة الديمقراطية أصلاً.