الاسير المحرر ابوالعبد فروانة ..الانسان والمناضل وفاكهة المعتقلين .. “بقلم الاسير المحرر محمد دهمان

0
623

بعد قرابه العام من الاعتقال والتنقل بين المستشفيات وعياده معتقل الرمله (حيث كنت جريحا) ومن ثم التنقل بين افسام العزل ومعبار  سجن الرمله وبين سجون التوقيف حيث كنت طيله هذه الفتره استمع الى قصص بعض المعتقلين وحكاياتهم وكان من بين هؤلاء المعتقلين الرفيق ابو العبد فروانه واصبحت انتظر اليوم الذي احكم فيه وانتقل الى المعتقلات التى يتواجد بها الأسرى المحكومين ليس للانخرط في اكاديمتها كما كانوا يصفون المعتقلات فقط بل ولاقابل شخصياً اؤلئك الأبطال الذين كنت استمع عن قصصهم … وبقيت هكذا انتظر الى ان صدر بحقي واغلب رفاق مجموعتي بالسجن المؤبد لعدة مرات . فتم نقلنا الي معتقل كفار سابا ولم يدم امر وجودنا فيه لاكثر من بضعه شهور حيث على اثر إضرابنا كمعتقلين تقرر إفراغ المعتقل ونقلنا الي معتقل بئر السبع في بدايه عام 73 وذلك كنوع من كسر الاضراب وعدم تلبيه المطالب للأسرى ..  وهناك التقيت وتعرفت على المناضل الانسان (فاكهه المعتقلين ) وحبيب كل الأسرى بدون تمييز وبغض النظر عن انتمائاتهم. انه المناضل الانسان ابو العبد فروانه

“ابو العبد الانسان ”

من مِن الأسرى لم يعرف او لم يسمع عن المناضل الأسير المحرر صاحب البديهه السريعه والنكتة المضحكة حتى فى أحلك الظروف وأقساها لدرجه أنه يمكن تسميته بمنبع البهجه والفرح وناشر البسمة والإنبساط فى صفوف الاسرى وكل من يلتقيه اويجالسه داخل الأسر وخارجه …

انه ابو العبد عونى فروانه الانسان … الانسان الذي عاش الاسر منذ البدايات بقسوته والالامه وقسوه سجانيه , ورطوبه زنانزينه ورغم كل هذه الظروف استطاع  ان ينشر الفرح والبسمة  علي محي وشفاه الأسرى  .. انه الانسان الضاحك الباسم الساخر صاحب النكتة السريعة بسرعة بديهيته .. لكن الكل عرفه وتعرف عليه بانه المبتسم الضاحك دوماً , ولم يعرفوا او بالأدق لم يشعرهم يوما بما يحمله من الالم وحرقة وشوق ولوعة .. فهو أب اعتقل وترك خلفه ابناء وزوجة .. وثمة فرق شاسع وشاسع جداً بين ان تعتقل وانت أعزب بلا مسؤليات عن أخرين سوى نفسك .. وبين أن تعتقل وان تكون متزوج ولك أولاد عدا عن شريكة العمر .. تتركهم لمصيرهم بدون معيل او رعاية وفي ظروف صعبة حيث لم يكن في بدايات سنوات الأسر اي اهتمام بالأسرى وذويهم ولا رعاية او متابعة كما هي حال اليوم ولم تكن لفصائل الثورة في حينه اي منظمات جاهيرية حتى نهايه سنوات السبعينيات , ولم يكن للأسرى مراكز اومؤسسات خاصه او حتي عامه تهتم باخبارهم او شؤونهم … بل كما كان يردد لنا اهلنا اثناء الزيارة ( لا يتذكرك يا ابني سوي امك او ابوك ) … طبعا كان احيانا وفي فترات متباعدة يتم زيارة بعض ذوي الاسرى المتزوجين وبشكل خاص من قبل رفيقات او رفاق تحرروا من الاسر …

ان تكون متزوج يعني ان حياتك لم تعد ملكك وحدك بل لك شريكه بها .. فما بالكم حينما يكون لك ابناء ايضا .. هنا حياتك تغدو ملكهم وهم شركاء ويغدوا تفكيرك منشغلاً بهم على مدار اللحظه حتي لو سرًا, كما كان يفعل مناضلنا الانسان ابو العبد ..

الاغلبيه لم تكن تدرك او تشعر بما كان يحمله ابو العبد من اشواق وحرقة وألم على شريكة عمره وأطفاله التى كان يخفيها ويحتضنها بضلوعه دون ان يعكسها على رفاقه واخوته الأسرى .. حتى حينما كان يريد تذكرهم او ذكرهم فتجده يذكرهم بطريقه فاكاهيه وعبر نكته .. المهم ان لا يعكس همومه او يبرز ضعفه امام الاخرين ..

اتذكر جيدا كيف كان ينتظر بلهفه يوم الزيارة ويجلس علي البرش هو يلف ويحتضن الحلويات والبفله والبسكويت التى كان يوزعها التنظيم على الرفاق والاخوة المتزوجين فقط ( وهم قله قليله جدا اتذكر انهم كانوا ربما ثلاثه رفاق وأخوة من كل التنطيم في حينه ) لكي يعطوها لأطفالهم .. ومن ضمن التجهيزات للزياره من قبل الاسرى وليس ابو العبد فقط هو ان نكوي البنطال بطريقة مشهورة وهي وضع البنطال في وضعية الجاهز للكوي تحت البرش الذي ينام عليه اسفل الفرشه ليخرجه  صباحاً وكأنه مكوي ومرتب .. حيث كنا نحرص ان نخرج لأهلنا في الزيارة في أفضل وأنظف لبس لنا ومرتبين .. بهدف اشعارهم باننا كويسيين ومبسوطين ونخفي خلف ابتسامتنا آلآم السجن وقهر السجان ..

وعلي ذكر الزيارات والنكتة السياسيه للرفيق والاخ ابو العبد .. من المعروف ان الزيارات موعدها  يكون يوم الجمعه وهي تصادف ان تكون ليلتها موعدنا مع اللقاء الاسبوعي للرفيق يعقوب ديواني والتحليل السياسي لأهم الاحداث .. وكان مشهور رفيقنا بثقافته الواسعة وعمق تحليلاته ودقتها والأسوأ بالنسبه للرفيق ابو العبد هو طول وقتها فقد تتجاوز الساعتين وكان يومها التحليل (حول الحل السياسي بعد حرب اكتوبر وامكانيه اقامه الدولة الفلسطينيه ) ولهذا كان مسموح للرفيق ابو العبد المعروف بضيقه من الاجتماعات كان من المسموح له ان يجلس ويغطي وجهه بالبشكير المتدللي من الحبل فوق رؤسنا واسفل الصندوق المعلق ( خزانة الخشب لملابس الاسير) ويغط ابو العبد فى نومه حتي انتهاء الجلسة او اللقاء وحسب تقليد الرفيق يعقوب فإن آخر سؤال يكون مخصوص للرفيق ابو العبد ليكون ختامها مسك رفع الرفيق ابو العبد البشكير وبعد ان انهي الرفاق أسئلتهم توجه الرفيق ابو العبد بالسؤال الأخير ويبدوا انه لم يكن غارقا  اثناء الجلسة في النوم تماما  قائلا .. يا رفيق يعقوب لك ساعتين بتجرش ( بتحكي )  وما فهمت  وغداً زياره، فأريد ان اعرف وباختصار في امكانيه اقامه دولة فلسطينيه ام لا ؟

كلنا استنفرنا سألين ابو العبد شو علاقه الزياره بالدوله … ضحك مطولاً وقال يا هبل اذا في دوله بدي اخلي ام العبد والاولاد يلموا أولاد الحارة ويجمعوا كل التنك اللي في البلد .. زاد استهجاننا ورأى على وجوهنا الاستغراب وقبل ان نسأل عن العلاقه قال ياخسارة جلساتك يا رفيق يعقوب ولا واحد قادر يفهم انه اذا في دوله جايه وما عنا مقومات اقتصادية ولا بترول ولا خيرات شو راح تكون عملتها غير التنك والحديد وبالتالي اذا جمعتهم ام العبد والأولاد راح اصير البنك المركزي للدولة …. ضحكنا وقهقهنا ونمنا ونحن كلما نتذكرها نبتسم .

 

” ابو العبد العضو المنضبط

قد يتبادر للذهن للوهله الاولي أن الاخ والرفيق ابو العبد الهزلي والساخر لم يكن يحيا حياة الانضباط والالتزام مع أنه كان نموذجاً في احترام القوانين والقرارات وقمة الانتماء ليس على الصعيد التنطيمي فقط بل وعلي الصعيد الوطنى ايضا .. ولا اذكر انه سجل موقفاً انفلاشياً او مخالفاً لقيم ومبادئ الأسرى او حتى تخلفه عن المشاركة فى اضرابات الاسرى رغم وضعه الصحي الذي يبرر له الاستثناء من المشاركة .. وحتى على صعيد المشاركة فى الانشطه الحزبية ورغم انه كان يكره الاجتماعات والجلسات وخصوصا الطويله منها حيث يشعر بالضيق والملل الا انه كان يشارك بها بل وكثير ما كان يعطيها نكهته الخاصه وعلى سبيل المثال فى معتقل بئر السبع كان لدينا اجتماع اسبوعي خاص للتحليل السياسي الذي كان يقدمه الرفيق يعقوب ديوانى صاحب الثقافه الواسعه والقدؤه المميزه على تحليل الاحداث والتطورات السياسيه ويتميز بربط الحدث الفلسطينى او الاقليمي بما يحيطه من احداث وتطورات محليه واقليميه ودوليه الامر الذي كان يطيل من زمن الجلسه لدرجه ان رفيقنا الخليلي وهو من سن الرفيق ابو العبد قال له وبلكنته الخليليه بعد احدي الجلسات والتى كنا نضطر لعقدها وقت الفوره  (طب  هئيتي يا رفيق مش لو مريت علينا واحنا بالفوره وبلغتنا ان السوريين راح يمددوا لقوات الطوارئ كان اريح وريحتنا من هالئعده المأرفصه ).  .

وطالما ذكرنا الجلسات التى كان يشارك بها الرفيق ابو العبد دون رغبه منه فانه في احدي المرات ارتكب مخالفه تنطيميه والتى لا اذكر انه ارتكب مخالفه غيرها .. وحسب التقاليد فإنه فى نهاية كل اجتماع حزبي يأتي باب النقد والنقد الذاتي .. وعلى غير العادة طلب الرفيق ابو العبد أن يكون أول المتحدثين وبادر بتوجيه نقد ذاتي لنفسه مقراً بالخطأ وربما زاد من فداحه الخطأ قاصداً تشديد العقوبة حيث ارفقها بإقتراح وهذا هو المهم  وقال ” نظراً لفداحة الخطأ الذي أقر به ومنعاً من إحراج الرفاق لأنهم سيخففون العقوبة بحقي فانني اقر بالخطا واقترح عقوبتي بالحرمان من الاجتماعات لمده لا تقل عن ثلاث شهور ” حينها لم يتمالك الرفاق انفسهم من الضحك حيث اضطر المسؤول الي رفع الجلسه الي ان هدأ الضحك .

ولما كان هدف رفيقنا ابو العبد هو الهروب من الجلسات ويعتبر هذا انجاز له مع انه يعتبر بالنسبه لغيره عقوبة قاسية فإن المسؤول اقترح عكس مقترحه وهو اضافة جلسات اضافية له  وهنا كانت المصيبه للرفيق ابو العبد هههههههههه