رحيل الدكتور حيدر مصطفى الأغا مدير عام مستشفى فلسطين بالقاهرة سابقاً (1933م – 2005م) بقلم لواء ركن/ عرابي كلوب

0
255

الدكتور/ حيدر مصطفى أحمد الأغا من مواليد مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة بتاريخ 8/6/1933م لعائلة وطنية مناضلة عريقة قدمت العديد من المناضلين والشهداء والكتاب والأدباء والأطباء ورجال الدين والمحامين، ولها باع طويل في التميز وطلب العلم والعطاء النافع وقدمت لفلسطين مبدعين لمعت أسماؤهم في مختلف مضامير الحياة، فوالده الحاج/ مصطفى أحمد الأغا رحمه الله من أعيان عائلة الأغا، كما أن د. حيدر ينتسب أيضاً عن طريق والدته إلى عائلة شراب وهي من العائلات العريقة والمناضلة في مدينة خان يونس ومنذ نعومة أظافره ظهر الطالب/ حيدر الأغا بنبوغه وتفوقه على أقرانه في المدرسة بمدينة خان يونس، وقد أهله ذلك التفوق للحصول على منحة دراسية في الكلية العربية بمدينة القدس، وهي مدرسة داخلية مرموقة، والتي كانت الحاضنة التي خرجت الكثير من القادة والنجوم التي سطعت فيما بعد في سماء فلسطين، والجدير بالذكر أن ناظر المدرسة في ذلك الوقت كان الأستاذ/ أحمد سامح الخالدي وهو والد د. وليد الخالدي أستاذ التاريخ بجامعة أكسفورد، وقد كان للأستاذ أحمد بالغ الأثر في عقل ووجدان الطالب حيدر حتى أنه سمي أبنه الأول باسم محمد سامح تيمناً بأستاذه في المرحلة الثانوية.

عام 1949م توجت هذه المرحلة من حياة الطالب حيدر الأغا بحصوله على المركز الأول في امتحانات الثانوية العامة وذلك على مستوى مصر والسودان وقطاع غزة.

التحق بعد ذلك بكلية الطب قصر العيني بجامعة القاهرة أعرق مدارس الطب في الشرق الأوسط والتي تخرج منها بتقدير جيد جداً وذلك في شهر ديسمبر عام 1956م، وكان ترتيبه في البكالوريوس العاشر في دفعته، وكان يؤهله ذلك للحصول على وظيفة طبيب مقيم بمستشفيات جامعة القاهرة ومن ثم للالتحاق بهيئة التدريس بكلية الطب، ولكن التعيين في هذا السلك الوظيفي كان لا يزال يشترط الجنسية المصرية، مما أضطره للعودة إلى مسقط رأسه في مدينة خان يونس بعد إتمام سنة الامتياز وإنشاء أول عيادة له كممارس عام في قلعة خان يونس التاريخية وهي أيضا مقر سكن العائلة وأستمر ممارساً لعمله حتى عام 1961م.

في هذه الفترة الوجيزة من العمل كطبيب في خان يونس بدأت تظهر معالم شخصية د. حيدر والتي كانت السمة المميزة له طوال حياته بعد ذلك، حيث أشتهر بمهارته وأخلاقه في خدمة المرضى وتعففه وزهده في التعامل المادي معهم، ويحكي عنه أنه كان له حساب مفتوح في صيدلية مجاورة للعيادة وكثيراً ما كان يرسل المرضى للصيدلية ليحصلوا على الدواء دون مقابل ثم يقوم هو بتسديد ثمن الدواء فيما بعد.

وبالرغم من النجاح النسبي الذي حققه د. حيدر في هذه المرحلة فإن الحلم الذي كان يراوده هو أن يتخصص في أمراض النساء والولادة تحديداً من الكلية الملكية لجراحي النساء والولادة، ولكن المقادير جرت به في اتجاه آخر.

عام 1961م سنحت فرصة أمام د. حيدر ليلتحق بركن الخدمات الطبية العسكرية بالجيش الكويتي، فسافر إلى الكويت ليبدأ مسيرة جديدة من النجاح والتألق تحت سمائها، حيث تدرج سريعاً في سلم الترقيات بالجيش الكويتي حتى عين مديراً لركن الخدمات الطبية العسكرية بالجيش الكويتي عام 1968م.

شارك د. حيدر ميدانياً في السلاح الطبي في حرب حزيران عام 1967م وحرب أكتوبر عام 1973م على الجبهة المصرية ضمن الخدمات الطبية العسكرية الكويتية.

حرص الدكتور/ حيدر الأغا على الأستمرار في الدراسات الطبية العليا، فحصل على زمالة الجراحة من كلية الجراحين الملكية بأدنبره عام 1972م، وأستمر في عمله مدير للخدمات الطبية العسكرية بالجيش الكويتي حتى تقاعده برتبة عميد عام 1985م.

أنتقل د. حيدر للإقامة في القاهرة حيث ألتحق بمستشفى فلسطين بالقاهرة التابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني كأستشاري في الجراحة ومن ثم عمل مديراً لمستشفى فلسطين حتى عام 2005م.

مثلت هذه الفترة من مسيرته المهنية الفرصة الذهبية لخدمة أهل فلسطين بصورة مباشرة سواء كان ذلك على صعيد خدمة المرضى الذين كانوا يتوافدون من الداخل الفلسطيني إلى مصر للعلاج الطبي أو تدريب الكوادر الطبية الفلسطينية التي عادت بعد ذلك إلى فلسطين عند أنشأ السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994م للعمل والخدمة في مستشفيات الوطن وهيئاتها الصحية، وقد شهد له الجميع بتفانيه وإخلاصه في هذا المجال حيث كان يعتبر هذا الأمر رسالة ومسؤولية، وكان يعمل في صمت وتواضع غير منتظر أجراً وثناء.

أما على الصعيد الأسري فقد تزوج د. حيدر من رفيقة عمره د./ كوثر محمد أمين عامر عام 1963م والتي أنتقلت إلى رحمة الله تعالى عام 2019م وكانت تعمل أستشارياً لعلم الأمراض وتحاليل الأنسجة (الباثولوجي) في مستشفى الصباح بالكويت وبعد أنتقال الأسرة إلى مصر عام 1985م قامت بتأسيس قسم الباثولوجي في كلية طب جامعة المنوفية الوليدة آنذاك وكانت أول أستاذ يترأس القسم بعد إنشائه وقد رزقا بولدين هما: (محمد سامح ويعمل أستاذ الطب وجراحة العيون بكلية طب قصر العيني بجامعة القاهرة، وعمرو الذي يعمل في بنك مصر بالقاهرة) ولهما من الأحفاد أثنان أحمد سامح الذي يعمل في مجال تكنولوجيا وأمنية سامح الطالبة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة.

والجدير بالذكر أن د. حيدر الأغا في أيامه الأخيرة وبرغم تقدم سنه وتراجع صحته كان يصر على الذهاب إلى العمل في المستشفى حتى وافته المنية وهو في طريقه إلى العمل يوم الخامس من رمضان عام 1426ه الموافق الثامن من أكتوبر عام 2005م.

وقد شيع جثمانه الطاهر بعد الصلاة عليه إلى مثواه الأخير ووري الثرى في مقبرة عائلة زوجته.

الدكتور/ حيدر الأغا القريب من الفقراء والمتواضع دائماً، وصاحب الأبتسامة وقول الجميل من الكلام والذي كان دائماً سباقاً لعمل الخير، صاحب الأخلاق الحميدة والتي أكسبته حب واحترام الجميع له، رحلة طويلة من النجاح والعطاء اللا محدود والمواقف النبيلة على نهج الأجداد.

رحم الله الدكتور/ حيدر مصطفى الأغا وأسكنه فسيح جناته.

ونعي د. فتحي عرفات رئيس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وأعضاء المكتب التنفيذي للجمعية الفقيد الكبير الدكتور/ حيدر مصطفى الأغا مشيدين بمناقب الفقيد سائلين المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته ويلهم أهله وذويه الصبر والسلوان.