إشكالية غزة والانتخابات وصفقة القرن والقانون الدولي بقلم:نادر خميس الترك

0
129

باحث في القانون الدولي

 

يعتقد البعض أن خطر صفقة القرن يقتصر على الضفة الغربية بما فيها القدس، وبالتالي يعتقدون أن النجاح في إسقاطها مقصور بالعمل على مقاومتها في الضفة الغربية بما فيها القدس مع جهد دبلوماسي وإعلامي مكثف على الساحتين الإقليمية والدولية.

لكن هذه الجهود تسقط سهوا البعد السياسي لصفقة القرن الهادف إلى إقامة كيان فلسطيني مقبول لدى شريحة واسعة من الشعب الفلسطيني تسقط الشرعيات الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية وقيادة الشعب الفلسطيني الشرعية وإجهاض المشروع الوطني الفلسطيني.

عندما وقعنا على إتفاقية أوسلو وافقنا طوعا على مبدأ حل متفق عليه بين الطرفين عبر مفاوضات سلمية ضمن قرارات الشرعية الدولية ذات العلاقة وعلى رأسها 242 و 338 رغم أن نصيهما غير واضح ولا ينص صراحة على ما يسعى له المشروع الوطني الفلسطيني من إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيين وتعويضهم وهو ما كان أكثر وضوحا في نصوص القرارين 181 و194، ثم في عام 2002 بينما رأس الشرعية الوطنية الفلسطينية الشهيد ياسر عرفات رحمه الله محاصر في مكتبه في مدينة رام الله أقرت قمة بيروت مبادرة السلام العربية التي تحولت إلى مشروع سلام عربي إسلامي تم دمجها لاحقا في قرار للأمم المتحدة لتأخذ صفة مشروع دولي للسلام، لكن المشروع ولد ميتا لأن الجانب الإسرائيلي رفضه من اللحظة الأولى واعتبره لا يساوي ثمن الحبر والورق الذي كتب عليه.

وكون المجتمع الدولي إعتمد مبدأ حل متفق عليه بين الطرفين ضمن مفاوضات سلمية إنضمت مبادرة السلام العربية إلى عشرات القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة الخاصة بالقضية الفلسطينية، ومباديء القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني ونصوص إتفاقية جنيف الرابعة التي لم تنفذ ولم تطبق حتى الآن.

لاحقا أعلنت إسرائيل عدم وجود شريك فلسطيني حقيقي للسلام وتبنت الإدارة الأمريكية كعادتها الموقف الإسرائيلي وتم إتخاذ القرار السري بتصفية الشهيد ياسر عرفات بإعتباره جزءا من المشكلة وليس جزءا من الحل فتوفي رحمه الله مقتولا بالسم في 11/11/2004 م، وتم إنتخاب فخامة الرئيس محمود عباس ليقود المرحلة الجديدة من مسيرة العمل الوطني الفلسطيني في بداية عام 2005م.

إستمرت المفاوضات لسنوات طويلة عجاف فلم تقبل القيادة الجديدة للشعب الفلسطيني بما رفضته القيادة القديمة، مفاوضات عقيمة أنتجت قبول فلسطيني رسمي لمبدأ جديد وهو تبادل أراض بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، فهمه الجانب الفلسطيني على أساس أنها ستكون مساوية بالمساحة والنوعية، ولكن الجانب الإسرائيلي فهمها على أنها أسقطت مبدأ العودة إلى حدود ما قبل الرابع من حزيران 1967م لأنها بهذا لم تعد حدود مقدسة.

جاءت الانتخابات الأمريكية بالرئيس أوباما الذي دفعنا خطابه في جامعة القاهرة للتفاؤل، حيث قضي فترتين رئاسيتين في الإدارة الأمريكية شعارها الوحيد فلسطينيا هو حلم يتبدد.

ثم جاءت الانتخابات الأمريكية بالرئيس دونالد ترامب وشعر البعض بالتفاؤل متجاهلين ما جاء في دعايته الانتخابية من أنه ينوي نقل السفارة الأمريكية للقدس معتبرين ذلك مجرد وعود إنتخابية هدفها فقط كسب أصوات اللوبي الصهيوني، ثم بدأت الإدارة الأمريكية الحديث عن صياغة حل تاريخي للصراع في الشرق الأوسط إصطلح على تسميته صفقة القرن.

نفذ الرئيس الأمريكي ترامب وعده الإنتخابي بإصدار قرار في 6 ديسمبر 2017م اعترفت بموجبه إدارته رسميًّا بالقدس عاصمة لإسرائيل، وأضاف ترامب أنّ وزارة الخارجية الأمريكية ستبدأ عملية بناء سفارة أمريكية جديدة في القدس، منفذا بذلك ما أقره الكونغرس الأمريكي عام 1995 بأنه «ينبغي الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل»، والذي نصّ أيضا على أن السفارة الأمريكية يجب أن تنتقل إلى القدس خلال خمس سنوات، فكسر الرئيس الأمريكي ترامب بذلك تقليدا إتبعه كافة رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية السابقين بأن يوقعوا على تأجيل تنفيذ قرار الكونغرس لمدة ستة أشهر ممّا أدّى إلى تأخير هذه الخطوة حتى نفذها الرئيس ترامب .

رفضت القيادة الفلسطينية قرار الرئيس الأمريكي الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وقراره بنقل السفارة الأمريكية إليها، وإعتبرت ذلك مقدمة لطبيعة صفقة القرن فرفضتها قبل وبعد إعلانها وإعتبرتها تدمر عملية السلام ومرجعياتها وتسقط قرارات الشرعية الدولية.

رفض غالبية قادة العالم قرار ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وعقد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة اجتماعًا طارئًا في 7 ديسمبر، حيث أدان 14 من أصل 15 عضوًا قرار ترامب لكن الولايات المتحدة استخدمت حق النقض لإحباط أي تحرك لصدور قرار إدانة، وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في 23 فبراير 2018 أن السفارة الأمريكية الجديدة ستفتح في مايو من نفس العام، وافتتحت السفارة الأمريكية رسميًا في القدس في 14 مايو 2018 بالتزامن مع الذكرى السبعين لما تعتبره إسرائيل (إعلان إستقلالها) عن سلطة الانتداب البريطاني على فلسطين.

الرفض الفلسطيني والدولي وبيانات الشجب والإستنكار لم توقف خطط الإدارة الأمريكية حيث إستمر رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب مع فريق عمل يرأسه زوج ابنته جاريد كوشنير بالعمل على صياغة صفقة القرن أو خطة ترامب للسلام الهادفة حسب إدعائهم إلى حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

وتشمل صفقة القرن إنشاء صندوق إستثمار عالمي لدعم اقتصادات الفلسطينيين والدول العربية المجاورة، وفرض السيادة الإسرائيلية على أكثر من ثلث أراضي الضفة الغربية، وكان من المتوقع أن يطرحها جاريد كوشنير صهر ترامب خلال مؤتمر عقد في البحرين يومي 25 و26 يونيو 2019 بهدف التبشير وتسويق الصفقة، ولكن تم تأجيل الإعلان ليتم من واشنطن في 28 يناير 2020م والذي سبقه إعلان صريح من وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أن إدارة ترامب لا تعتبر المستوطنات الإسرائيلية مخالفة للقانون الدولي وأن الإعلان الأميركي “يعترف بالواقع على الأرض” .

ثم جاء إعلان تطبيع العلاقات بين دولتين عربيتين وبين الكيان الصهيوني والذي واجهته القيادة الفلسطينية بالرفض والاستنكار معتبرة إياه يتنافي مع نصوص مبادرة السلام العربية التي أقرتها القمم العربية المتلاحقة، وقامت بإستدعاء سفرائها لدى تلك الدول للتشاور، فجاءت التصريحات الأمريكية بأن هناك خمس إلى عشر دول عربية أخرى تسعى لتطبيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني أيضا.

أمام رفض القيادة الفلسطينية الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان ورفضها صفقة القرن وخطط الضم ومشاريع التطبيع العربية الإسرائيلية جاء تصريح سفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى الكيان لصحيفة إسرائيل هيوم: “نفكر في دعم دحلان لقيادة السلطة ” و”لكن ليس لدينا رغبة في هندسة القيادة الفلسطينية”، ثم عدلت الصحيفة التصريح المنسوب للسفير ليصبح “لا نفكر في ذلك” و”ليس لدينا رغبة في هندسة القيادة الفلسطينية”، فهل كان ذلك تحذيرا غير مباشر للقيادة الفلسطينية الشرعية؟ خاصة في ظل بعض التصريحات الإسرائيلية التي تقول مجددا أنه لا يوجد شريك فلسطيني للسلام.

إن كافة الضغوط الأمريكية ومشاريع التطبيع تهدف إلى حصار القيادة الفلسطينية الشرعية سياسيا وعزلها عن الحاضنة العربية وتجفيف مصادر تمويلها لإضعافها عسى أن تنجح في تمرير صفقة القرن، لأن نجاحها بذلك يحتاج قيادة تقبل التعاون معها ولديها قبول شعبي يمنحها الشرعية.

بناء على ما سبق يبدو أن الإدارة الأمريكية تريد أن تأتي هذه القيادة الجديدة على هيئة منقذ وطني بعد سنوات طويلة من المعاناة حتى تعمل على ترسيخ كيان فلسطيني مستقر إقتصاديا ويوفر الرفاهية التي بشر بها كوشنير في مؤتمر البحرين، وقد تكون المنطقة الوحيدة المؤهلة لذلك هي قطاع غزة الذي يعاني من ويلات الحصار منذ الحكومة العاشرة عام 2006م وتزايدت معاناته بعد الإنقلاب عام 2007م والحروب والهجمات العسكرية الإسرائيلية المتكررة عليه مما جعله يفتقرإلى أبسط مقومات الحياة، حيث تم تدمير البنية التحتية وحرم من إنتظام توريد الكهرباء والماء لساعات طويلة يوميا، كما تم تدمير الاقتصاد وتزايد الفقر بشكل غير مسبوق خاصة مع تزايد أعداد الخريجين والشباب في سن العطاء في ظل إنعدام وجود فرص عمل نتيجة الإنهيار الإقتصادي في كافة مناحي الحياة.

أسس الإنقلاب عام 2007م لكيان فلسطيني مواز في قطاع غزة مستقل بشكل شبه كامل عن باقي الكيانية الفلسطينية، ولا يرتبط بالمشروع الوطني الفلسطيني الذي تمثله منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني .

بناء على كل ما سبق فإن المعركة الأساسية والمركزية لإسقاط صفقة القرن والمشروع الأمريكي في المنطقة هي غزة … غزة التي كانت ولا تزال أول الرصاص وأول الحجارة، والتي حافظت لسنوات على الكيانية الفلسطينية من الذوبان أو الإندثار أو التبعية ففيها كانت حكومة عموم فلسطين وفيها أيضا تطورت منظمة التحرير الفلسطينية التي تأسست في المؤتمر الوطني الفلسطيني الأول في القدس عام 1964م.

المطلوب إذن هو إعادة غزة إلى حضن الشرعية، والمصالحة مع حركة حماس والعمل على إنهاء الإنقلاب وعقد الإنتخابات على مستوى الوطن تشكل خطوة هامة على الطريق، ولكن الأهم هو إعادة شعب غزة إلى حضن الشرعية الفلسطينية وليس أرض غزة فقط .

المطلوب إعادة شعب غزة الذي أسقط سابقا مشروع روجرز ومشروع توطين اللاجئين الفلسطينيين في سيناء، شعب غزة الذي كان دائما وأبدا حاضنة الثورة الفلسطينية و المنقذ للمشروع الوطني الفلسطيني حتى تمنى إسحاق رابين وزير الحرب الإسرائيلي أن يصحو يوما فيجد غزة قد إبتلعها البحر.

وإنطلاقة إنتفاضة الحجارة عام 1987 م من مخيم جباليا في غزة أعادت للقضية الفلسطينية حضورها ومكانتها على المستويين الإقليمي والدولي، الذي كان قد تراجع بشكل واضح حتى في مؤتمر القمة العربية الذي عقد في الأردن “قمة الوفاق والإتفاق” التي خرج منها أبا عمار رحمه الله حزينا دامع العينين لأنها جاءت فقط لترتيب الوضع العربي أولا وثانيا وثالثا وأتت على ذكر القضية الفلسطينية خجلا في البنود اللاحقة.

إن إستعادة شعب غزة إلى حضن الشرعية الفلسطينية له طريق واضح تحدث عنها الكثيرون، وتتمثل بمباديء بسيطة هي العدل والمساواة وإعطاء كل ذي حق حقه وإلا فإن صندوق الانتخابات سيكون عقاب لا يحمد عقباه، واللجوء إلى المماطلة وتأجيل الانتخابات بالحفاظ على الوضع الراهن هو خيار يترك الأبواب مفتوحة أمام خيارات أكثر صعوبة وخطورة على مشروعنا الوطني الفلسطيني وقيادتنا الشرعية.

نسأل الله العلي القدير أن يحمي وطننا وشعبنا وقيادتنا الشرعية ودولنا العربية والإسلامية والبشرية جمعاء.