رؤى في القوة والضعف … لله عبادا إذا أرادوا أراد بقلم: نادر خميس الترك

0
74

باحث دكتوراه في القانون الدولي

يقيم البشر بما في ذلك علماء السياسة قوة الدول والأمم بمعايير مادية بحتة تعتمد على قوة جيشها، وكثرة ثرواتها الطبيعية، وقوة وتطور إقتصادها، ومساحتها وموقعها الجغرافي، وتاريخها وحضارتها، وعدد سكانها ومدى تطور نظامها التعليمي وغيرها من المعايير المادية البحتة، إلا أن التاريخ القديم والحديث للبشرية يعطينا أمثلة كثيرة تتناقض مع هذه المعايير لاعتبارات وظروف موضوعية وخاصة تختلف من مكان إلى آخر ومن زمن إلى آخر.

سوف أحاول من خلال مقالي هذا استعراض بعض تلك الأمثلة في ظل ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من محاولات إستقواء وتركيع وتطويع من بعض القوى الإقليمية والدولية معتمدة على معايير مادية بحتة يبدو أنهم رأوا في مخرجاتها أن الشعب الفلسطيني ضعيف لأنه يفتقر لمقومات القوة التقليدية، وبالتالي يعتقدون أنه يمكن هزيمته ومحو قضيته العادلة عن الخريطة السياسية الدولية.

جمهورية الصين الشعبية كانت قبل سنوات قليلة دولة زراعية فقيرة تعاني من الاحتلال، واليوم أصبحت دولة صناعية ونووية قوية، ومن الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، والاقتصاد الثاني على مستوى العالم، ويتوقع قريبا أن تكون الإقتصاد الأول والقوة العظمى الأقوى على الساحة الدولية.

اليابان جزيرة صغيرة لا تملك موارد وثروات طبيعية، وليس بها مصادر للطاقة مثل النفط والغاز والفحم، ورغم ذلك كانت قبل عام 1945 قوة عسكرية قوية، و رغم تعرضها خلال الحرب العالمية الثانية إلى هجومين نووين إلا أنها تحولت لاحقا إلى دولة صناعية ذات إقتصاد قوي متطور.

بريطانيا امتلكت إمبراطورية لا تغرب عنها الشمس، رغم أنها لم تكن أكثر من جزيرة صغيرة عدد سكانها محدود، إلا أنها حكمت شبه القارة الهندية بجيش جرار من الهنود يقوده قلة قليلة من البريطانيين، وأقامت بذلك الجيش إمبراطورية مترامية الأطراف.

المملكة الأردنية الهاشمية كانت دولة صغيرة محدودة الموارد تحولت في عهد الملك حسين رحمه الله إلى دولة لها دور ووزن كبيرين على الساحتين الإقليمية والدولية.

جمهورية مصرالعربية قبل الرئيس جمال عبد الناصر كانت غنية ولديها ثروات طبيعية ضخمة، ولكنها في عهد عبد الناصر تحولت إلى دولة قوية وازنة متنفذة إقليميا ودوليا، وأصبح رئيسها زعيما للأمة العربية وزعيم دولي عالمي وعضو مؤسس في حركة عدم الإنحياز وعضو مؤسس للإتحاد الأفريقي .

الثورة الفلسطينية لم يكن لها دولة، ورغم ذلك كان لها علاقات مع كافة حركات التحرر العالمية وتدعمها بالسلاح والتدريب، والفدائيون الفلسطينيون كانوا يتلقون تدريبات عسكرية متطورة في الصين وروسيا والدول الإشتراكية وغيرها من الدول الصديقة، والتقى أبو عمار وقيادات الثورة مع معظم -إن لم يكن جميع- رؤساء وقيادات العالم وأصبح زعيما دوليا وتحولت الثورة شعارا وممارسة إلى أيقونة فلسطينية القلب عربية الملامح عالمية التوجه، وأصبحت م.ت.ف عام ١٩٧٤ عضو في الجامعة العربية وبعدها في نفس السنة عضو مراقب في الأمم المتحدة وأعتقد لم يسبقها أحد لذلك لأن العضوية كانت للدول حصرا وليس لحركات التحرر.

ونستذكر أن إجتماع الأمم المتحدة عام 1974 انتقل من مقرها الأمريكي في نيويورك إلى مقرها الأوروبي في جنيف للاستماع إلى صوت الشعب الفلسطيني وثورته عبر زعيمه ياسر عرفات ابا عمار رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، وذلك لأن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية رفضت منحه تأشيرة زيارة لأراضيها لهذا الغرض!!! ومن سخرية القدر أنها منحته بعدها بسنوات تأشيرة زيارة ليترأس الوفد الفلسطيني في المفاوضات مع الإسرائيليين في كامب ديفيد برعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، ليقول له رحمه الله- لا كبيرة مدوية – رافضا التنازل عن السيادة عن القدس أو حتى أسفل المسجد الأقصى للاسرائيليين، وقد أدرك رحمه الله أن ثمن ذلك الموقف الشجاع قد يكون قتله فاستبق الأحداث و دعا القيادة الأمريكية في نفس اللحظة وذات الموقف إلى حضور جنازته في رام الله، لأنه كان يؤمن أن الثورة الفلسطينية لا يمكن تهديدها أو ضبعها بل على العكس هي التي تهدد وتضبع لأنها فكرا وممارسة تتوارثها الأجيال منذ عام 1921 وحتى يقضى الله أمرا كان مفعولا.

وأصبحت قضية فلسطين مفتاح الحرب والسلام في المنطقة، والمحدد الرئيس للاستقرار أو عدمه في المنطقة وربما العالم أجمع، رغم أن فلسطين جغرافيا هي من اصغر دول المنطقة، وديمغرافيا لا يزيد عدد الفلسطينيون حول العالم عن 15 مليون وقبل سنوات كانوا أقل من هذا بكثير، وعسكريا ما يملكون من سلاح لا يذكر مقارنة مع الصهاينة، وماليا واقتصاديا لا توجد أي مقارنة.

عندما جبن أشجع المسلمون بارز على بن أبي طالب رضي الله عنه عمرو بن ود وهو أقوى فرسان العرب وقتله ، حيث أصر على مبارزته نصرة للحق ورغبة بكسر غروره وتطاوله متحديا للمسلمين، ولم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام إصراره للمرة الثالثة سوى أن يأذن له رغم الفروق الواضحة بينهما في القوة والخبرة القتالية.

المغول هزموا في فلسطين على يد المماليك الذين كانوا يحكمون مصر كجزء من دويلات الخلافة العباسية، رغم أن المغول قبلها كانوا قد أحرقوا بغداد عاصمة الخلافة العباسية ودمروا جيشها.

نابليون بونابرت هزم في فلسطين حول أسوار عكا القلعة الصغيرة ذات الجيش المحدود العدد والعدة، فتحطمت آماله وطموحاته وأنهك جيشه المهزوم، مع انه احتل بنفس الجيش معظم دول المنطقة حول فلسطين.

المسلمون إنتصروا على الرومان والفرس وفتحوا العالم بعدها، ولم يكونوا قبلها بسنوات قليلة سوى بدو رحل أكبر طموحاتهم مرعى خصب وبئر مياه دافق وتجارة لا تبور.

الله تعالى أكد في القرآن الكريم أن العدد والحجم ليس هو العامل الأهم في قوله ” قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ “، ويتضح من هذه الآية الكريمة أمران الأول: إرادة الله عز وجل، والثاني: شرط الصبر والثبات، حيث أنه ما من شيء يتم في الكون إلا بإذن الله وإرادته.

وقال تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ ” ولكن الله عز وجل اعطانا بعدها درسا بالقوة والضعف بقوله لاحقا : “الْآن خَفَّفَ اللَّه عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَة صَابِرَة يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْف يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ ” .

المسلمون المخاطبون في الآيتين السابقتين هم ذاتهم، لكن بالآية الاولى المسلم قادرعلى محاربة كثرة لوحده، والآية الثانية لمس الله عز وجل ضعفنا فأصبح المسلم الواحد يقاتل اثنين فقط.

بناء على ما سبق أعتقد جازما أن قوة الفلسطينيين تتحدى كافة المقاييس المادية المعروفة، فالقوة والشجاعة مثلها مثل السعادة ينبوع يتفجر من القلب والعقل فيسرى عبر الشرايين في الجسم كله، وأعتقد أن علينا دائما أن نضع نصب أعيننا أن الدين الإسلامي بدأ بشخص واحد فقير أمي لا يقرأ ولا يكتب هو رسولنا الصادق الأمين محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنه بإرادة الله عز وجل أصبح يتبع دعوته اليوم ما يزيد عن مليار مسلم حول العالم، ويبدو أن قدر الفلسطينيين أن يكونوا لهذا الكون أنبياء يبشرون بالحرية والعدالة والحق ومحاربة الفساد والظلم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من بلغ ذا سلطان حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ثبت الله قدمه على الصراط يوم القيامة”.

وعلينا مهما ضاقت بنا الدنيا، ومهما تكالبت علينا الأمم، ومهما تزايدت علينا الضغوط والمصائب، ومهما أحيكت ضدنا المؤامرات والتحالفات، أن نضع نصب أعيننا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يبقى منقوشا بالعقول والقلوب حيث جاء كبشارة لا تنسى: “لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك”، قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: “ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس”

وأختم مقالي بقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ” صدق الله العظيم