يوسف يونس يكتب – مفاوضات قطاع غزة ما بين “جولة عسكرية” و “ترتيبات اقليمية”

0
316
rbt

بقلم د. يوسف يونس (باحث مختص في الشؤون السياسية – نائب رئيس مجلس ادارة مركز الناطور للدراسات) 31-8-2020م

 

تتجه الأنظار نحو قطاع غزة، حيث تتواصل المحادثات الماراثونية بين الفصائل الفلسطينية واسرائيل ، بوساطة قطرية، في محاولة للتوصل الى تسوية ، تنزع فتيل البارود الذي يوشك على الانفجار ، بما يتعارض مع اهداف اطراف اقليمية ودولية ، تسعى لتمرير مخططات اعادة رسم خريطة التحالفات السياسية والاستراتيجية في المنطقة.

الاطراف الفاعلة والمؤثرة لجأت الى “الحذر الشديد” في ادارتها للموقف في ظل توترت الاوضاع الميدانية، وهنا يلاحظ ان المقاومة الفلسطينية تقوم بإطلاق البالونات الحارقة باتجاه مستوطنات غلاف غزة، و “إطلاق محدود” للقذائف الصاروخية، ويأتي الرد الاسرائيلي، “محدودا”، أيضا، باستهداف “حذر” لبعض مواقع المقاومة، ما يعني أن هذه “المناوشات”، تأتي في سياق تكتيك “عضّ الأصابع”، في ظل “المفاوضات تحت النار”، حيث أن كلا الطرفين، ليس لديه مصلحة ولا رغبة في تصعيد المواجهة، وصولا الى “خيار الحرب”، وإنما الهدف هو تحريك المياه الراكدة وتحقيق مكاسب سياسية.

ويسعى السفير القطري العمادي للوصول الى تفاهمات تؤدي الى لتعزيز الهدوء طويل الامد وتجنب خيار المواجهة العسكرية، من خلال التوصل الى تسوية ، بين الفصائل الفلسطينية ، التي ترغب في كسر المعادلة القائمة “الهدوء مقابل الهدوء”، ورفعت سقف مطالبها الى “رفع الحصار نهائيا”. وفي المقابل يحاول الاسرائيليون فرض تهدئة مشروطة بالتزامات صارمة من قبل «حماس»، بما في ذلك خارطة محدّدة المعالم لعودة الجنود الإسرائيليين المحتجزين في قطاع غزة، ومنع كل أنواع النشاط العسكري من قطاع غزة، مقابل الموافقة على المطالب الخاصة بـ”تخفيف” الحصار وليس “انهائه”، وفق معادلة “الهدوء مقابل الهدوء”.

وترتكز اسرائيل في ادارتها للمفاوضات وفق تقديرات استخبارية، تعتبر إن حركة حماس تريد تمرير تسوية تستطيع من خلالها الحصول على الأموال والتسهيلات بما يساعدها على مواجهة الازمة الاقتصادية في قطاع غزة، ولذلك بادرت الى التصعيد الميداني ، باعتبار ان ليس لديها ما تخسره ، وان أي تصعيد سيؤدي الى العودة الى تفاهمات التهدئة السابقة، ولكنها لا ترغب في وصول التصعيد إلى مواجهة عسكرية واسعة النطاق ، وهدفها التكتيكي ينحصر فقط في خلط الأوراق، دون تغيير القواعد ، بهدف الحصول على مكاسب في المجالات الانسانية والاقتصادية والسياسية، بما في ذلك زيادة المساعدة المالية من قطر لفترة طويلة، وتنفيذ مشاريع البنية التحتية. ولذلك فإنها استخدمت في التصعيد الحالي الحد الادنى من منظومتها القتالية ، البالونات الحارقة والصواريخ قصيرة المدى بدائية الصنع، على الرغم من امتلاكها منظومة صواريخ متطورة قادرة على استهداف عمق المدن الاسرائيلية.

وفي المقابل تسعى اسرائيل للإبقاء على غزة كساحة يمكن دفعها الى درجة الاشتعال بسهولة نسبية، عند تحقق الظروف السياسية المناسبة، ولا ترغب في الحرب، حاليا، وتحاول تثبيت معادلة “الهدوء مقابل الهدوء”، وتقليص الهوامش التي كانت قد «التزمت» بها، غالباً لأسباب داخلية إسرائيلية، وهو ما يشكل ضغط على حماس في ظل تردي الحالة الاقتصادية والأوضاع المعيشية في قطاع غزة ، وهذا ما يفسّر تشدد حركة حماس في المفاوضات أكثر من أي وقت مضى ، حيث تدرك ضعف اسرائيل في هذه المرحلة وتريد تعظيم ارباحها، مرتكزة على تقديراتها التي تستبعد أن تشن إسرائيل حرب على قطاع غزة في هذه المرحلة، فنتنياهو لا يريد عرقلة مجريات مسيرة التطبيع مع الدول العربية ، والتي انطلقت بدعم امريكي واضح، لدواعي دعم الحملة الانتخابية للرئيس ترامب، اضافة الى اعتراضات المؤسسة العسكرية الاسرائيلية على هذا الخيار. علاوة على تداعيات ازمة كورونا وتأثيراتها على الوضع الاقتصادي الاسرائيلي وجاهزية الجبهة الداخلية واستعداداتها لأي حرب محتملة، يضاف الى ذلك التوتر على الجبهة الشمالية مع حزب الله التي تشير المعلومات الى توجهاته لتنفيذ عملية انتقامية سيكون لها تأثيراتها على مجريات الاحداث مستقبلا. اضافة الى ان هناك رغبة بالهدوء لدى اسرائيل قبل بداية العام الدراسي الجديد في 1 سبتمبر القادم.

وتتوقع بعض التقديرات “المتفائلة” وجود فرصة كبيرة للتوصل الى تسوية بواسطة العمادي في الساعات القادمة ، بما يحقق بعض مطالب المقاومة والتي سلمتها للعمادي واهمها : تشغيل الخط 161، امداد محطة الكهرباء بخط غاز مباشر ودائم من الاحتلال تدفع ثمنه قطر، زيادة المنحة القطرية، تسريع اقامة المدن الصناعية والسماح بإدخال كل مستلزمات مواجهة كورونا. الا انه ، وفي المقابل ، ظهرت عقبات كثيرة امام امكانية التوصل الى اتفاق بين الجانبين في ضوء تمسك كلا الطرفين بموقفه ومحاولة فرض شروطه ، ما خلق حالة تفاوضية متوترة ، مرتبطة بالعامل الزمني الضاغط ايضا على المفاوضين.

وتوفرت معلومات عن خلافات بين المستويين الامني والعسكري في اسرائيل ، بهذا الصدد، حيث يوصي الجيش الاسرائيلي ومنسق اعمال الحكومة بمنح تسهيلات تجارية أوسع، بما فيها استئناف دخول العمال، في محاولة لتهدئة الاوضاع، وفي المقابل يعارض الشاباك ويحذر من محاولات التنظيمات استغلال دخول فلسطينيين الى اسرائيل لجمع معلومات والاستعداد لتنفيذ عمليات.

وفي ظل هذا الموقف المتعارض، قررت إسرائيل مضاعفة الضغط على حماس، ووضع حدود للتسهيلات التي تريدها والعمل على ان تكون النتائج أقل بكثير مما تقدمت به الحركة للوسطاء، وترجح التقديرات ان الاسرائيليين يحاولون حصر هامش المناورة والتفاوض في المطالب والتسهيلات المالية التي من المفترض ان تلتزم بها دولة قطر، مع الابقاء على ما يتعلق بإسرائيل والتزاماتها ، بعيدا عن التفاوض، وتحت سيطرة اسرائيل، حتى لو وافقت على تقديمه، فعلى سبيل المثال مساحة الصيد والسماح للعمال للعمل داخل الخط الأخضر، بإمكان اسرائيل ان تتراجع عنه لاحقاً وبما يتناسب مع الظروف تطورات الاوضاع الميدانية. وهو ما يعني استمرار إسرائيل في إدارة الصراع مع غزة ، وحصرها في القضايا الانسانية والمعيشية ، عبر سياسة العصا والجزرة وانتزاع المزيد من التنازلات من حماس والتنظيمات الفلسطينية.

ويبدو ان ادارة العمادي للمفاوضات الحالية اعتمدت نفس الاساليب التفاوضية السابقة والتي تستهدف في نهاية الامر تثبيت قواعد “الهدوء مقابل الهدوء” والتزام قطر بتسديد فاتورة بعض الاحتياجات المالية والمعيشية لقطاع غزة ، وهو الامر الذي يبدو انه اصطدم برغبة حقيقية لدى قيادة حماس في قطاع غزة في تغيير تلك المعادلة التي ارهقتها وسببت لها الكثير من الاحراج امام المواطنين في قطاع غزة.

وجاء بيان رئيس المكتب السياسي لحركة حماس اسماعيل هنيه صباح اليوم 30-8-2020م والذي اكد على ضرورة المضي في إنهاء الحصار بمختلف أشكاله، ما يؤكد أن الامور معقدة والمفاوضات في مرحلة حرجة، وجاءت هذه الرسالة بمثابة رد رسمي على مقترحات العمادي التي لم تحظ بالقبول.

و بناءاً على ذلك فإن تصعيد عسكري بات يلوح في الافق ، ولكن الجميع يتمسك بالوقت ومحاولات الحصول على مكاسب تفاوضية ، قبل انزلاق الاوضاع الى خيار التصعيد العسكري. مع الأخذ بالاعتبار ان هناك عاملاً هاماً لا يجب اغفاله ، وهو ان هناك رغبة امريكية في الخروج بالمشهد “الهوليودي” الضخم لتطبيع العلاقات الاماراتية الاسرائيلية وتمرير مشهد وصول الوفد الاسرائيلي الى الامارات بدون اية عقبات، وهذا يعني ان هناك رغبة في “تجميد” الموقف مؤقتاً، قد يعقبها مفاجأة ، تعودنا عليها كثيراً من الجانب الاسرائيلي. وهو ما يستوجب “فلسطينياً” الحذر الشديد، فجولة التصعيد القادمة اصبحت خياراً لإعادة صياغة خريطة المنطقة وتحالفاتها، والتي قد تمنح الامارات هامشا اوسع ودوراً اكبر بما يتناسب مع المعادلات الجديدة التي يجري تمريرها وتجهيزها.