“أَقْنِعَةُ كُوْفِيدْ”: كِتَابٌ شِعْريٌّ جَديدٌ لـ “عبد الرَّحمن بسيسو”، يَنْفَردُ “canada voice” بنشرٍ أَقْسَامِه تِبَاعَاً:

0
425

(I)

شُرْفَةٌ سَرَابِيَّةٌ فِي عُرْوَةِ سَدِيمْ

 

فَجْرَاً،

فِي الْيَومِ العَاشِرِ من نِيْسَانَ،

وعِنْدَ آخِرِ مَدَىً مِنْ أَمْدَاءِ صُبْحٍ وَلِيْدٍ بِلَا طَلْقٍ؛

ولَا شَهْقٍ؛

ولَا زَفْرٍ،

ولَا طُقُوْسْ،

وَحَتَّى بُزُوغِ لَحْظةِ انْزِوَاءِ الدَّرَجَةِ السَّادِسَةِ مِنْ سُلَّمِ وَقْتٍ بِلَا وَقْتْ،

وَعَلَى شَفِيْرِ هَاوِيَةِ شُرْفَةٍ مَحْمُولَةٍ عَلَى كَفِّ جَائِحَةٍ سَرَابِيَّةٍ بِلَا أَمَدْ؛

كُنْتُ قَدْ ظَنَنْتُنِيْ وَاقِفَاً، فِي شُرْفَتِي، وَحْدِي،

وَكَانَ ظِلِّي، وَاقِفَاً، خَلْفِي،

وفِي خَلَاءِ خُلْوَتِي،

كَانَ ظِلِّيَ مُحْتَجِبَاً، فِي ظِلِّ ظِلِّه، وَغَائبَاً عَنْ نَفْسِهِ، وعَنِّي!

وكُنْتُ حِيْنَهَا،

عَلَى فِراشِ وِحْدَتِي الْغَافِيَةِ فِي ظِلِّ ظِلِّي،

غَافِيَاً،

فِي ظِلِّ وِحْدَتِي،

وَحْدِي!

***

وَحْدِي وَلَا أحَدٌ سِوَاي،

وَحْدِي ولَيْسَ مَعِي، ولَا فِيَّ، سِوَاي:

قَدْ كُنْتُ وَحْدِي غَافِياً فِي يَقْظَتِيْ،

وكُنْتُ وَحْدِي سَائِرَاً فِي غَفْوَتِي،

وَعَلَى شَفَائِرِ شُرْفَتيْ،

وفُوَّهَاتِ هَاوِيَاتِ حُفْرَتِيْ،

كُنْتُ، وَحْدِي، نَائِمَاً، فِي ظِلِّ ظِلِّ وِحْدَتِيْ!

وكُنْتُ وَحْدِي غَافِيَاً، وسَائراً، وَوَاقِفاً، وَنَائِمَاً، وسَادِرَاً فِي عُزْلَتِي، فِي آنْ!

***

 

وَعَلَى مَدَى سَيْرِي عَلَى هَذَا السِّرَاطِ الْحَلَزُونِيِّ الزَّلِقِ الْحَرُونِ، كُنْتُ أَسْأَلُ شَهْقَتِي عَنْ زَفْرَتِي، وَأَسْتَعْجِلُ زَفْرَتِي أَنْ تَلْحَقَ مِنْ فَوْرِهَا بِشَهْقَتِي، آمِلاً الْعُثُورَ فِي أَجْوِبَةِ الْحَيَاةِ والْمَوتِ عَنِ سُؤَالِيَ الْمَكْرُورِ الْمُعَادِ؛ هَذَا الْمَأْخُوذِ بِاسْتِعْجَالِيَ الْوَخَّازِ، عَلَى بَصِيصِ ضَوءٍ قَدْ يُطْفِئُ مَاؤهُ لَهِيْبَ ظُنُونِي، أَوْ عَلَى قَطْرِ نَدَىً قَدْ يُمَكِّنُنِي لَهِيْبُهُ مِنْ إِيْجَادٍ جَوَابٍ ذِي مَعْنىً عَنْ أَسْئِلَةِ وُجُودٍ حَيَوِيٍّ مُعَلَّقٍ، بِلَا مَعْنى، بَيْنَ مِيْلادٍ وَمَوْتٍ؛ أَسْئِلَةِ وُجُودٍ لَحْظِيٍّ تُوْجِدُهُ صَرْخَةٌ أُوْلَى، وتَجْتَثُّهُ مِنَ الُوجُودِ شَهْقَةٌ أَخِيْرَةٌ، وزَفْرةٌ عَقِيْمٌ لا يَعْقُبُها شَهْقٌ قَدْ يُنْبئُ بِمِيْلَادِ زَفْرٍ!

 

***

 

قَدْ كُنْتُ وَحْدِي وَاقِفَاً عَلَى شَفِيْرِ شُرْفَةٍ كَوْنِيَّةٍ عَالِيَةٍ تُسَيِّجُهَا شِبَاكُ أَشْوَاكٍ حَدِيْدِيَّةٍ صُهِرَتْ مُكَوِّنَاتُهَا فِي أُتُنِ أَزْمِنَةٍ بَشَرِيَّةٍ سَوْدَاءَ، وَصُلِّبَتْ أَشْكَالُهَا بَأَسْيَاخِ فُكُوكِ دَيْنَاصُورَاتٍ بَشَريَّة فَاتِكَةٍ تَأْبَى التَّأَنْسُنِ بِقَدْرِ تَأَبِّيْهَا عَلَى الْغِيَابِ، أَو عَلَى الانْقِراضِ النِّهَائِيِّ، أو التَّلَاشِي!

 

***

 

قَدْ كُنْتُ وَحْدِي؛ وكُنْتُ أَظُنُّنِيْ، عَنْ حَقٍّ أَو عَنْ وَهْمٍ، وَحِيْداً، مَعْزُوْلَاً عَنْ سِوايَ، ووَحْدِي!

 

***

 

كُنْتُ وَحْدِي، وَكُنْتُ مُسَمَّرَ الْقَدَمَيْنِ وَاقِفَاً، أُطِلُّ عَنْ قُرْبٍ عَلَيَّ؛  وَفِي غَيْبَةِ وَعيٍّ عَنْ وَعْيِ أَحْوَالِ حَاليَ، كُنْتُ أَرقُبُ مَا أَتَصَوُّرُ أَنَّهُ بَعْضُ حَالِيَ؛ وَإِذْ كُنْتُ أَتَصَوُّرُ أَنَّنَّي أُطِلُّ عَلَيَّ مِنْ عَلٍ، فَأَرْقُبُنِي وَأَتَبَصَّرُنِي، كُنْتُ أَسْتَصْغِرُني، وأُبَخِّسُنِي، وأَتَصَوَّرُ أَنَّنِي أَضْئُلُ أَمَامَ نَفْسِيَ فِي عِيْنِ تَصَوُّرِ عَيْنيَ حَتَّى أَغِيْبَ عَنْ نَفْسِي وعَنِّي، فَلَا أَعُودُ أَتَصَوَّرُ أَنَّني، عَنْ قُرْبٍ، أَو عَنْ بُعْدٍ، أَوْ حَتَّى مِنْ قَعْرِ وادٍ سَحِيْقٍ، أَوْ مِنْ عَلَى جَنَاحِ سَحَابَةِ خَيَالٍ طَلِيْقٍ، أُطِلُّ الْآنَ، إِطْلالَ حَقٍّ، عَلَيَّ، فَأَرَاني، وأَرْقُبُني، وأَتَبَصَّرُنِي إِذْ أُبْصِرُنِي، فَأَعْرِفُنِي، أَوْ أَنَّنَّي ذَاتَ يَومٍ قَدْ يَأْتِي فَيَكُونُ يُوْمَاً ثَرِيَّاً ذَا شَأْنٍ، سَأَطِلُّ عَلَيَّ، فَأُبْصِرُني، وأَرَاني، فَأَعْرِفُنِي!

 

***

 

وعَنْ بُعْدٍ وعَنْ قُرْبٍ، ومِنْ قَعْرِ جَحِيْمٍ لَظَوِيِّ اللَّهِيْبِ، وِمِنْ عُلُوِّ سِرَاطٍ تَرُجُّهُ رِيحٌ كُوْرُنِيَّةُ النَّتَانَةِ، خِلْتُنِي أَتَصَوَّرُ أَنَّنِي أرْقُبُ مُتَأَمِّلاً، بِأُمِّ عَيْنَيِّ رَأسِيَ الْمَقْلُوبِ وبَصْيْرَتي النَّائِمَةِ، حَالَ حَاليَ وَأحْوَالَ أَحْوَالِ أَغْيَاريَ وآخَرِيَّ وَأسْوَائِيَ مِنَ النَّاسِ، فِيْمَا أَرَانِي سَادِراً فِي وِقْفَتِي عَلَى شَفِيرِ هَاوِيَةٍ كَوْنِيٍّةٍ تُطِلُّ عَلَى فُوَّهَةِ حَافَّةِ جَحِيْمِهَا السَّعِيْرِيِّ شُرْفَةٌ سَرَابِيَّةٌ مُعَلَّقةٌ، بِخَيطٍ واهٍ، فِي عُرْوَةِ سَدِيْمٍ كَوْنِيٍّ يُوَارِي جَدَثَيِّ عَالَمَينِ تَوْأَمَيْنِ: طَبِيْعِيٍّ واجْتِمَاعِيٍّ، كَانَا قَدْ اسْتُلِبَا الْحَيَاةَ فَأُعْدِمَا، مِراراً وتِكْراراً، وبِلَا لَأَيٍّ بَشَرِيٍّ، بِحِبَالِ مَشَانِقِ الاسْتِغْلَالِ، والْجَشَعِ، وَالتَّوَحُّشِ، والاسْتِبْدَادِ الظَّلَاميِّ، وَسُفُوْرِ الشَّرِّ؛ وَبِشَفْرَاتِ مَقَاصِلِ الصَّمْتِ، والْجُبْنِ، والْجَهْلِ، وزِيفِ الْوَعيِّ، وَخَرَابِ الضَّمَائِرِ؛ وبِخَفَاءِ فِكْرَةِ الْخَيْرِ تَحْتَ أَقْنِعَةِ الآيدْيُولوجِيَّاتِ الشِّرِّيْرةِ الْعَمْيَاءِ، وجَرَّاءَ تَجْرِيْدِ كِلَا الْعَالَمينِ مِنْ مَعْنى الْحَيَاة الْعَارِيَةِ، وَمِنْ جَوَاهِرِ الْوُجُودَ الْحَقِّ، وَذَاكَ مُذْ عَاشَتْ في الْحيَاةِ حَيَاةٌ، وَمُذْ وُجِدَ فِي الْوُجُودِ وُجُودٌ، وَمُذْ شَاءَ الْكائنُ الْبَشَرَيُّ لِنَفْسِهِ أَلَّا يَظَلَّ مَكْشُوْفَاً، وعَارِيَاً مِنْ كُلِّ شَيءٍ سِوَى غَرَائِزهِ الْبَشَرِيَّةِ، الاسْتِئْثَارِيَّةِ، الاسْتِلَابِيَّة، التَّوَحُّشِيَّةِ، الْفَاتِكَةِ بِالطَّبيْعَة، بِقَدْرِ فَتْكِهَا بآخَريْه، وأغْيَاره، وأسْوَائِهِ، مِنَ الأحْيَاءِ والْكائِنَاتِ والأشْيَاءِ، والنَّاسِ، وِبِقَدْرِ فَتْكِهَا، مِنْ قَبْلُ ومِنْ ثَمَّ، بإنْسَانِيَّتهِ الَّتي كَانَتْ مُمْكِنَةً، والَّتي لَمْ يَعُدْ وَمْضُهَا قَابِلاً لاسْتِعَادَةٍ مِنْ عَتْمٍ، أَو لانْبِثَاقٍ مِنْ سَدِيْمِ عَدَمٍ لا يَقْبلُ نَزْعَهَا مِنْ قَبْضِهِ مَهْمَا بَلغَ سَعيُّ الْوُجُودْ!

 

***

 

قَدْ كُنْتُ وَحْدِي، وكُنْتُ وَاقِفَاً أَسْتَكْشِفُ بِوَمْضِ صَبْرٍ لا يَنْفَدُ زَيْتُ قَنَادِيْلِهِ، وبِبَصِيرةٍ خَافِتَةِ عَوَّضَ خُفُوْتُهَا الْمُنِيرُ خَفَشَ الْبَصَرِ، أَصْلَ مُكَوِّنَاتِ هَاتِهِ الشِّبَاكِ الشَّوْكِيَّةِ السَّامَّةِ الَّتِي تُطَوِّقُ شُرْفَتِي، وتُحَاصِرُنِي؛ فَأَخَذتُ أَتَفَحَّصُهَا، وأُحَلِّلُهَا، وأُخْضِعُهَا، واحِدةَ واحِدَةً ومُجْتَمِعَةً، لِمُخْتَبَراتِ الْعَقلِ الإِنْسَانِيِّ المُعَزَّزِ بِمُكْتَنَزَاتِ الْمَعْرِفِةِ الْعِلِمِيةِ وَمَنَاهِجِهَا الرَّصِيْنَة، وَبِقِيمِ الْوِجْدانِ الْيَقِظِ والضَّمِيرِ الْحَيِّ؛ قَاصِدَاً إدْرَاكَ مَا قَدْ يَشِي بِحَقِيْقَةٍ، أَوْ يُنْبِئُ بِشَيءٍ مِنْ يَقِيْنٍ، أَوْ حَتَّى بِشيءٍ مِنْ ظِلِّ شَكٍّ، أَوْ مِنْ ظِلَالِ شُبْهَةِ يَقِيْنٍ تُوْجِبُ عَلَى الْعَقْلِ مُتَابَعَةَ السَّعْيِ لِإِدْرَاكِ يَقِيْنٍ قَدْ يُفْضِي إلى شَكٍّ يُنْبِئُ بِيَقيْنٍ مِنْ يَقِينٍ بِلاَ ظِلَالْ!