شَجَرَةُ النَّسَبْ

0
96

مِنْ “كَينُونَةٍ طَبِيعِيَّةٍ” إِلَى “كَائِنٍ وُجُودِيٍّ حَيْ”

 

آليَّة تكوين القناع في قصيدة “مُذكِّرات الْبَحْر الميِّتْ” للشاعر عزِّ الدِّين المناصرة

 

عبد الرَّحمن بسيسو

 

(نشرت هذه القراءة النقدية في مجلة شؤون فلسطينية، العدد 267، الصادر في ربيع 2017)

 

 

تتكوَّن قصيدة الشَّاعر عزِّ الدين المناصرة المعنونة بـ”مُذكِّرات البحر الميِّت” من أربعة مقاطع مديدة، شاهقة الطُّول، ومن مقطع صغيرٍ أخيرٍ يتكوَّنُ من خمسة أسطرٍ ليُشكِّلُ بُؤرةً تتجمَّعُ فيها مدلولات المقاطع السَّابقة ناشرةً دلالاتها في فضاءِ النَّص عبر ربطِ شبكة الرُّموز المُتَشَابكة في نسيجه، والمُتَحَرِّكة في فضائه الدَّلالي الواسع، بالمرجعية الواقعيَّة التَّاريخيَّة التي استدعتها، وذلك بطريقة تُفضي إلى إعادة توجيه خطوط الحركة الدَّلالية المتغايرة المجالات والاتجاهات لتصبَّ في البؤرة التي شكَّلها المقطع الأخير، ولتتجمَّعَ في هذه البؤرة، مُتشابكةً ومتفاعلةً على نحو زاخرٍ، عاليَ الكثافة، آخِذَةً القارئَ صَوبَ منحنى دلاليٍّ جديدٍ يتأسَّسُ على إعادة قراءة النَّصِ في ضوء مرجعيَّته التاريخيَّة المُحدَّدة التي تُعيدُ توجيه دلالات جميع الرُّموز، وتفتحُ العلاقات القائمة فيما بينها على فضاءٍ دلاليٍّ جديد، ذي منحنيات دلاليَّة إضافيَّة أو جديدة.

 

مرجعيَّة النَّص ورمزيَّة القناع

 

ليست المرجعيَّة الواقعيَّة التَّاريخيَّة المُشار إليها سوى الواقع الفلسطيني والعربي القاتم، “القائم” بعد عامين من وقوع هزيمة حزيران (يونيو) 1967، وهو الواقع الذي تُحاولُ القصيدة الإطلال على ظاهره، وإدراك باطنه، من منظور قناعٍ تتراسلُ الدلالاتُ المتناقضة لاسمه المُركَّب “البحر الميِّت”، مع حالة العجز والموات التي تُهيمنُ على ظاهر هذا “البحر الفلسطيني العربي”، بقدر ما تُخفي باطنه:

​تَوقَّفَ جدِّي عَنِ الْكَلامْ

​واسْتَعَدَّ للرُّقَادِ الشَّتويِّ

​وقَالَ لهَا:

​سَنَنَامُ حتَّى يأتي حُزَيرانْ

​عِنْدَئِذٍ: سَنَتَذَكَّرُ مَوتَانَا.(1)

 

ولأنَّ الجغرافيا والتَّاريخَ هما مرجعيَّة النَّص، وهما المصدران الأشدُّ حضوراً في قاعه العميق؛ ولأنَّ الشَّاعرَ قَدْ تَمَكَّنَ، عبر اختياره الدَّال للقناع النَّاطقِ القصيدةَ، أي “البحر الميِّت”، من التقاط رمزٍ جوهريٍّ يُجلِّي اسمهُ المُركَّبُ ثنائيَّة يتناقضُ طرفاها تناقضَ الوجود والعدم، أو الحياة والموت، فإنَّ ذلك، مع انطواء هذا الرَّمز على ظاهر الواقع القائم وباطنه، قد أسَّس إمكانيَّة حضورَ القناع في النَّص، أي في القصيدة، ليس بوصفه “كائناً طبيعيَّاً” يُتَكَأُ عليه للتَّخفِّي خلفه في سياق توظيف بلاغيٍّ كنائي مُسَطَّح، أو في نطاق إعرابٍ أمثوليٍّ وحيدِ الدَّلالة يتقلَّصُ دورهُ على تقنُّع الشَّاعر به، وإنَّما باعتباره، في آنٍ معاً وعلى نحوٍّ تفاعليٍّ وثيق العُرَى، قناعاً للشَّاعر ولحقبة تاريخيَّة مديدة، أو ربَّما لأحقابَ تاريخيَّة تمدَّدت واستطالت حتَّى استحالت عصراً، أو ربما عُصوراً في دُهورٍ تشابهت خصائصها والشُّروط التي حكمتها في الماضي، أو تلك التي لم تزل تحكمها في الحاضر مُحدِّدةً اتِّجاه منحنى المستقبل الذي يتشكَّلُ في الأغوار العميقة لهذا الحاضر، ليتمخَص عن “مستقبلٍ زائف” يتبدَّى في زيٍّ خارجيٍّ جديد يُلْقَى على”الواقع القاتم القائم” ليُكرِّسَ الماضي الحاضر في الحاضر، وليُمدِّدَ الحاضر المسكون بالماضي، فلا يتجاوزهما أبداً، ولا يفتحهُما على مستقبل حقيقيٍّ يأتي من مستقبلٍ جوهريٍّ مفتوحٍ على أشواق إنسانيَّة، وتطلعات حضارية، ورؤى وجوديةً، وآفاق!

 

وإلى ذلك، فإنَّ القناع لا يَكْتُبُ مذكراته عبر كلمات اللُّغة المرسومة أو المنقوشة على ورقٍ أو رملٍ أو حجر أو شيء جامد وصلب، كما أنَّه لا يَنْطِقُها عبر أثير الكلام الراحل في الفضاءات، بوصفه كينونةً طبيعيَّةً فَحَسبْ، وإنَّما، أيضاً، بوصفه كائناً بشريَّاً، أي إنساناً حيَّاً لهُ أنْ يتوافرُ على حضورٍ وجوديٍّ وتطلُّعٍ مُستقبليِّ يؤهلانه للنهوض بدورٍ لافتٍ في صُنْغ التَّاريخ، وإثراء الوجود، وله، في الآن نفسه، أنْ يتقاعسَ عن إدراك رسالته الحضاريَّة الوجوديَّة وأنْ يُغْلِقَ منافذ المستقبل المشرعة أمام تطلعاته الكامنة، ليبقى خارج كليهما، أي من غير تاريخ يُسْهِمُ هو في صوغه، وبلا وجود حضاريٍّ يُثريه ويُثري وجوده الحيويٍّ في مداراته!

 

مُذْ بدء القصيدة حتَّى منتهاها، لم يتبدَّ القناعُ؛ أي “البحر الميِّت” الذي ينطقها والذي هو نفسه كاتبها، على نحو ما يُوحي العنوان محقِّقاً نوعاً من التباس الإحالة النَّاجم عن إدراكنا، من خلال المُصاحب النّصي ذي الصِّلة، أنَّ الشاعر عزِّ الدِّين المناصرة هو مُبدعُ القصيدةَ، وهو نفسهُ صاحبُ المذكرات التي ينطُقُهَا “البحرُ الميِّت”، نقولُ، لم يتبدَّ القناعُ، مُذْ بدء القصيدة حتَّى منتهاها، كقناعٍ اكتمل تكوينه خارج النَّص (المذكرات؛ القصيدة)، وإنِّما شرع في التَّجَلِّي كمشروعِ قناعٍ جديدٍ يتجاوزُ تجلِّيه، المنتظرُ إدراكَهُ من قبل القارئ في القصيدة، وجودَهُ السابقَ في الوعي والذَّاكرة، أي وجودهُ كـ”بحرٍ ميِّت” ظلَّت دلالته مقتصرةً على تناقض دلالات مُكَوِّنَيِّ اسمه كـ”كينونة طبيعيَّة” ذات مكونات وخصائص تصلُ الحياة بالموت في عناقٍ أزليٍّ مرير ونبيل، أو تصلُ الملوحة بالتَّعفُّن والنَّتن، وتصلهما معاً برائحة الموت، وعتمة العدم الَّذي لمَّا نُدركُ جوهرهُ بعدُ!

صيرورة التَّجربة وتكوُّن القناع

 

هنا، سيشرعُ القناعُ في التَّكوُّن والوجود عبر صيرورة تجربته التي تزخر بانبثاق تِجِلِّيَّاتِهِ التي من خلالها تَتَبَدِّي مكونات هُوِيَّته، وتبرزُ سماتها وخصائصها، ويتكشَّفُ ما تنسجه من علاقاتٍ فيما بينها، وما تُنتجه من رؤى ومواقف وتصرُّفاتٍ وأفعال وأنماط سلوك، وذلك في سياقات صيرورة النَّص، أي في سياقات تشكُّل القصيدة – التَّجربة التي تأخذُ هنا شكلَ القصيدة – المُذكرات، المتعدِّدة المرجعيَّات، والمستويات الزَّمنيَّة، والأنساق الشِّعريَّة، والرؤى الفكريَّة، وفضاءات المعنى وشبكات الدَّلالة.

 

هكذا تنفتحُ القصيدةُ، مُذْ مطلعها، على التاريخ الفلسطيني (الكنعاني) القديم، واصلةً القناعَ بنمطه الأصلي الأبعدَ غوراً في أعماق التَّاريخ “كَنْعَانْ”، ودافعةً مؤشِّر بناء النَّص وتكوين القناع صوبَ اختراق نصوص مصدريَّة عديدة، ومتنوِّعة، بقصد امتصاص خصائصَ ومكوِّنات “أَنَاتٍ مُغايرة” أُخرى، والانخراط معها في تجريب تجاربها، وقراءة هذه التَّجارب في مرايا “الواقع القاتم القائم”، ومن منظور القناع المفتوح على التَّشكُّل المستمر في مجرى “ديالكتيك التَّماهي” المتواكب لزوماً مع “ديالكتيك التناصٍّ” اللذين يحكمان تكوُّن القصيدة – التَّجربة، ويُؤَسِّسان إمكانيَّة تتابع صيرورتها التي تصهر كُلَّ شيء في أتون تجربة قناع تتشكَّلُ هُوِيَّتُهُ عبر صيرورة تجربته، وتتبدَّى ماهيَّة هذه الهُوِيَّة عبرَ تنزيل مكونات جوهرها العميق تنزيلاً موضوعياً في واقعٍ حيٍّ يُرادُ لهُ أنْ يُجَلِّي حضورَها الوضَّاءَ في مدارات الحياة، ومناراتِ الوجود.

 

شَجَرةُ النَّسَبِ وعَلاقاتُ أَقْطَابِهَا

 

تتأسَّس الآلية التي تعتمدها القصيدة في تكوين القناع على بناء شجرة نسبه، أو شجرة سلالته، عبر تشكيل شبكة علاقاته مع الأقطاب البانية تلك الشَّجرة، حيثُ يلتقطُ مؤشِّرُ بناء النَّص وتكوين القناع لحظاتٍ مُعيَّنة، ثريَّة بالدَّلالة والمعنى، من ثنايا تجربةٍ حضاريَّةٍ عميقة، مُتشعِّبةٍ وممتدة، موغلةٍ في القِدَمِ ومتواصلةٍ، بلا انقطاع، عبر أزمنة التَّاريخ وعلى امتداد مراحل عصوره وأحقابها المتعاقبة جميعاً، ولها بالطَّبع صُنَّاعُها ورموزها الخالدون.

 

وإلى هذا، لا يشرعُ القناع في تجلية وجوده في الوجود بوصفه مجردَ وريثٍ تلقائيٍّ لهذه التَّجرية، أو محضَ راوٍ يستعيدُ أحداثها لينشيءَ لنفسه سرديَّةً مُعاصرةً تخصُّهُ، فتحكمُ تصرُّفاته وأفعاله إذْ يعتنقها كعقيدة مُطلقة يُسْكِنُهَا وجدانه ويُطْلِقُهَا في زمنه على الملأ وفي مساحات الحياة ومدارات الوجود، وإنَّما بوصفه شريكاً في خوض هذه التَّجربة، صانعاً لأحداثها ووقائعها، أو فاعلاً ومنفعلاً بمجرياتها وبما أسفرت عنه من تفاعلات ومنجزات حضارية، ورؤى مستقبلية، وخلاصات معرفيَّة لا تني تُعَزِّزُ نفسها في وجودٍ يُعزِّزهُ انفتاحها على إطلالاتٍ وتأويلات لا تنتهي ولا تتناهى، أو بوصفه إنساناً مُجرَّحاً، ومهموماً، بما انتهت إليه من تجارب مُفْلِسَةٍ، وإخفاقاتٍ مُتكرِّرةٍ، وتكلُّسٍ حضاريٍّ، وجمودٍ ثقافي يتكفَّلُ وحدهُ، إنْ أمعن في الوجود، بإغلاق منافذَ الوجود وإطفاء مناراته!

 

هُنا يتحقَّقُ القناعُ، أي “البحر الميِّت”، عبرَ التَّكونِ داخلَ نصٍّ ممتدٍ ذي قاعٍ عميقٍ، وذي جذورٍ مصدرية تتشعَّبُ مِنْ جَذِر نمطٍ أصليٍّ هو “كنعان” الذي ينحدرُ، بدوره، من جذريِّ نمطين أصليين هما أبوه “حام” وجدُّه “نوح”، اللَّذين يعودُ نسبهما، عبر سلسلة السلالة البشرية المحفوظة في الصُّدور، أو المتداولة في مرويات شفاهيَّةٍ ومخطوطاتٍ وكُتب، إلى الإنسان الأوَّل “آدم”، بوصفهِ وجوداً إنسانيَّاً، تاريخيَّاً وحضاريَّاً كُلِّياً، يتأسَّسُ انبثاقه على إيناع بذور التَّجَلِّي الوجودي، الإنسانيِّ والحضاريِّ والتاريخيِّ، المُؤسَّس على المعرفة وإعمار الكون، والمتحقِق في حيِّز طبيعيٍّ هو “فِلَسْطِين”، أو “كَنْعَانَيا”، التي فيها، ولا نقولُ فيهما، رسخت، جذور الإنسان الفلسطيني الكنعاني في مجرى تواشجٍ حضاري عميق ومتصل منذُ بدء البدء، إذْ فيها وُجدت، وتُوجدُ، وسَتُواصلُ الوجودَ عبر أزمنة الوجود، “يَنَابِيعُ شَعْبِ مُؤَابٍ الكَنْعَانِيِّ”(2) الذي قيلَ، عن غير حقٍّ أو صوابٍ أو عنْ ضلالةٍ مُؤَسْطَرةٍ تسعى لنفي تجذُّر الفلسطيني في وطنه الأزليِّ الأبدي “فِلَسْطِين” الذي هو “أصلهُ وفصلهُ”، إنَّه قد جاءها”… عَلَى فَرسٍ مِنْ عَسِير! وَعَلَى مَرْكَبٍ أَبْيَضَ مِنِ كريت!”(3) أو “… عَلَى مُهْرٍ مِنَ اليَمَنِ، فِي سَفِينَةٍ أثينيَّة!”(4).

 

وهكذا يكونُ للقناعِ، أي لـ”البَحْرِ الْمَيِّتِ”، الذي تتشكَّلُ هُويَّتهُ في مجرى “ديالكتيكي تماهٍ وتناصٍّ”، متفاعلين في تواكبٍ متواشج ومتَّصل، ومفتوحين على استلهام نصوص مصدرية متنوِّعة، وعلى امتصاص مُكونات وسمات وخصائص هُويَّات “أَنَات مُغَايرة” عديدة يتكثَّف حضورها، وتتنوَّع تجلياتها إلى حدِّ التباين، في غصون شجرة النَّسب وأوراقها، وفي عُروق السَّلالة البشريَّة بأسرها، أنْ يُرسِّخَ تجذُرهُ في الجغرافيا، وأنْ يُجَلِّي تواصل حضوره الخلَّاق في وطنه “فِلَسْطِين؛ كَنْعَانْيَا”، وفي الحضارة الإنسانيَّة، وفي تجارب التاريخ وأزمنته جميعاً، مُذْ لحظة بدء البدء، وليس ذلك من جهة الآب والجدود فحسب، وإنما أيضاً من جهة الأمِّ والجدَّات، إذْ سنُصْغي، عند مفترقٍ قادم في مجرى صيرورة التَّجربة، إلى القناع وهو يقولُ بلهفة الحفيد الحالي، وبتوق الحفيد الآتي من المستقبل: “تكبرني جدَّتي بعامين”(5).

 

وهكذا أيضاً، يكونُ لخطوات القناع أنْ تُواكب خطوات جدَّته على نحوٍ يُسْهِمُ في تأسيس صِدْقيَّة مُذكراته التي تقولُ تجربة حياةٍ ممتدةٍ، وخبرةَ وجودٍ عميق، تُكثِّفانِ الأزمنة وتضفرانها في عناقيدِ سَرْدِيَّةٍ أزليَّة أبديَّة تُتْلَى، في التِّوِّ واللَّحظة، على لسان مُشَارك فاعل في صنع جميع أحداثها ووقائعها، بوصفه صانعاً لهذه الأحداث والوقائع، أو مُسْهِماً فاعلاً في صُنْعِهَا، أو مُراقباً يَقِظاً لمسارات صيروراتها المُتشَعِّبة، أو مُتأمِّلاً بإمعانٍ في مآلاتها، أو شاهدَ عِيان عليها، أو منفعلاً بهذه المآلات مستجيباً، على نحو أو آخر، لتأثيراتها المتنوِّعة المجالات والاتجاهات على مسارات حياته ومصائره، وعلى مستقبل وجوده الحيويِّ في الوجود.

 

التِحَامٌ اسْتِعَاريٍّ وصيرورة وُجُود

 

وهُنا أيضاً يتحقُّقُ الالتحام الاستعاريِّ في بنية القناع، فلا يتجلَّى حضورهُ الحيويُّ في القصيدة بوصفه كينونةً طبيعيَّةً “البحر الميِّت”، أو كائناً بشريَّاً، أو ذاتاً إنسانيَّة يتواصلُ نسبها الجينيُّ حتَّى يصل جذرَي الإنسانيَّة ومنبعيها الأوَّلَين المفترضينِ “آدم” و”حَوَّاءهُ”، أو يتعاقبُ نسبها الحضاري التَّاريخيِّ وصولاً إلى “ينابيع شعب مؤابٍ الكنعانيِّ” فحسب، وإنَّما بوصفه، في آنٍ معاً، ذاتاً طبيعيَّةً وإنسانيَّة، حضارية وتاريخيَّةً، أي بوصفه كينونةً وجوديَّة حيَّة تصلُ الإنسان بالطَّبيعة في مجرى تفاعلٍ حضاريٍّ خلاَّقٍ وصيرورة وجوديَّة لا تنتهي ولا تتناهى، صيرورةً تُوجِّد الكائن البشريِّ بالطبيعة الحيَّة أبداً، وتصلُ ماضياً بحاضر، وحاضراً بمستقبل، وتنفتح على مستقبلٍ مفتوحٍ على مستقبلٍ لا يأتي إلا من المُستقبل.

 

وليس من شيء أبلغُ دلالةً على هذا الحضور المتزامن، والمفتوح على الصَّيرورة المُستمرَّة واللَّاتناهي، من هيمنة ضمير المتكلِّم المُفرد الذي يُحِيلُ إلى “أنا” القناع، أي إلى “البحر الميِّت”، هيمنةً مُطلقةٍ على النَّص(6)، أو من حضور الفعل المُضارع، بصيغ نحوية وأسلوبية متنوِّعة، وبكثافة عالية(7) لعلَّها تصل إلى ما نسبته عشرة في المائة من إجمالي عدد الكلمات، في نسيج هذا النَّص المنطوق من قِبَلِ قناعٍ حيويٍّ ثريٍّ، قناعٍ عاشَ الماضيَ، ويعيشُ الحاضرَ، ويتوق إلى العيش في مستقبلٍ ترسمُ ملامحهُ رؤية مستقبليَّة تتشكًّلُ في سياق تأمُّلٍ عميقٍ في مكونات تجارب حضاريَّة ممتدَّة، فتدركها إذْ تستخلصُ سماتها المُميَّزة فتُسَمِّيهَا، وإذْ تَقْبِضُ، مَعْرِفِيَّاً، على خلاصاتها الجوهرية العميقة فتصوغها في مُدركاتٍ مؤصَّلةٍ، ومَقُولات معرفيَّة تسكنُ مجازاتٍ شعريِّة تُضِيئُهَا، فتُجدِّدُ حيويتها، أو تبتكرها من جديدٍ إذْ تجسِّدها مجازياً فتغني مدلولاتها، وتعمِّق مغزاها، وتثريها!

 

توتر دراميٍّ وبُنى فنيَّة مُتَواشِجَة

 

وإذْ تفضي هيمنة ضمير متكلِّم مفرد، هو “أنا” البحر المَيِّتْ، إلى توليد توتُّر درامي ينبعُ أساساً من “النُّواة الدراميَّة” النَّاجمة عن إعمال “مبدأ التَّقنُّع” أو مبدأ “التَّقمُّص” القائم أساساً على “التَّقنُّع”، الذي يُحقّقُ، ضمنَ أمورٍ أخرى ذات صلة، “التباس الإحالة” إلى مرجعيَّة هذا الضَّمير، كما أشرنا قبل قليل، فإنَّ لهذا أنْ يُكْسِبَ النَّصَ بُنْيَةً دراميَّةً تتأسَّسُ، بدورها، على استمرار حضور هذا الالتباس في عودة الضَّمير بين ناطقه الظَّاهر، أي القناع، وناطقه المُتَخَفِّي وراء القناع، أي الشَّاعر، وذلك في تلازم مع التأسيس لإكساب النَّص بُنْيَة موضوعِيَّة تتحقَّق، ابتداءً، من غياب صوت الشاعر غياباً تامَّاً في صوت قناعه، فإنَّ شروع القناع في التَّحقُّق على النَّحو الذي بيَّنا ملامحه أعلاهُ، إنما يُكْسِبُ النَّصَ، في الوقتِ نفسه، بنيةً رمزية متشعبة تتشابك خطوط مكوناتها ودلالاتها حتَّى تضفر البُنيتن الأوليين: الموضوعية، والدرامية، في إطارها الرَّمزي المجازي الكُلِّي، وذلك على نحو يُكْسِبُ القصيدةَ بُنْيَةً فَنِّيَّة كُلِّيَّةً شديدةَ الإِحْكَام، حيث تتواشج مكوناتُ بُنَاهَا وتتداخلُ، فتنعكسُ على بعضها بعضاً في مشهدٍ شموليٍّ تفاعليٍّ موسَّع، هو أقرب ما يكون إلى “المشهد السوريالي”، وإنْ لم يَكُنْ إيَّاهُ تماماً، فهنا يصيرُ البحرُ الميِّتُ؛ الكينونة الطبيعيَّة، إنساناً، ولكنه إذْ ينطق مذكراته التي تقول تجربته مع الحياة والوجود، لا يعودُ ميتاً، بل زاخراً بوعيٍّ وجوديٍّ يتأسَّسُ على توقٍ لاهبٍ إلى ابتكار الحياة، وهُنا تتداخل الأزمنة الثلاثة، وكلُّ الأزمنة المتفرِّعة عن أيٍّ منها أو التي تتحركُ في نطاقاتٍ زمنيَّة مُغايرة، فيتطابق زمن كتابة المذكرات مع زمن نطقها، كما يتطابق مع زمن قراءاتها في أي زمن راهن أو في أيِّ زمن مُستقبليٍّ لاحق، وتتشابك أزمنة وقوع الأحداث المرويَّة فيها مع الأزمنة الأُسطورية التي يتكثَّف حضورها في النَّص عبر الأعم الأغلب من الأنماط الأصليَّة والرُّموز التي تتحرَّك في فضائه، وعبر بؤر التَّناص التي تومضُ في نسيجه الفسيفسائي المتشابك مؤشِّرةً صوبَ النُّصوص المصدرية المتنوِّعة: الأُسطورية والدِّينية والتَّاريخية والجغرافية والأثرية والتُّراثية والإناسية والإبداعية والفكرية والفلسفية والعلمية … الخ، التي تُؤسِّس قاع النص العميق، وتَتَجَلَّى على سطحه عبرَ بؤر تناصٍّ يكتنزها نسيجه المتشابك مسكونةً بإشاراتٍ وامضةٍ تحيلُ إلى قاعه لتُومئَ، من أغوار هذا القاع، وبإلحاحٍ دلاليٍّ كثيفٍ، إلى مدارات فضائه الدَّلالي المُفعم بالأخيلة المجازيَّة الدَّالة وثريِّ الرُّؤى.

 

يتحول الكائنُ من “كينونة طبيعيَّة” إلى “ذات إنسانيَّة” ذات تاريخ وحضارة وألق وجود، ويصيرُ الماضي حاضراً، وينفتح كلا الزَّمنين على نبوءات المستقبل، فيتأسَّس زمنٌ أسطوري هو التَّاريخ مُؤَسْطَراً والأسطورة مؤرخنةً، أي هو التَّاريخ وما قبل التاريخ وما بعد التاريخ، وهو الطبيعة وما وراء الطبيعة، وهو الإنسانُ في ضعفه وقوته، وفي تناهيه ولا تناهيه. وهنا، على وجه التَّحديد، يتمكَّنُ الكائنُ الإنسانيُّ المُلتحم بوطنه، أي الكائن الوجودي الحيِّ، بوصفه “ذاتاً وجوديَّة كُلِّيةً” عميقة الجذور في المكان وموغلةً، بلا انقطاعٍ، وعلى مدى امتدادات الزمان ومداراته، يتمكَّنُ هذا الكائن الإنسانيُّ المُلتحم بوطنه الرَّاسخ في الوجود من تفكيك ذاته عبر تفكيك عناصر تاريخه ومكونات حضارته، لاستعادة جوهرهما الذي باستعادته، فحسب، يستطيع الشُّروع في خطوٍ يأخذهُ، مع متابعة الخطوِ، صوبَ مستقبل مفتوح على آفاق مستقبل مفتوح على وجودٍ هو عينُ الوجود وخلاصة جوهره الجوهريِّ العميق.

 

قصيدة تجربة وقناع تكويني مُحْكَمْ

 

هكذا يكونُ بمقدور “البحر الميِّت” أنْ يشرعَ في كتابة مذكراته باعتبارها “تجارب حياة” و”خبرات وجود”، مُوجبة وسالبة أو ناجحة ومخفقة، بدءاً من منابع الينابيع الحضارية الوجودية الفلسطينية الكنعانية الأولى التي هي “ينابيعَ شعب مُؤاب الكنعاني”، وعبر الأزمنة الدَّافقة التي عاشها هذا الشَّعب وهو يجسِّدُ، في جميع أحياز مكانه الأزلي الأبدي: فلسطين؛ كنعانيا، وربما في مجالها الحيويِّ الأوسع، تجليات حضوره المتباين الأوجه والمتطابق الغايات في الوجود، وذلك مُذْ أعلنت الجدُّةُ، زاعمة “أحياناً”، أنَّها “تتقن” اللغة “الهيروغليفية” ولغات أخرى لا تُعدُّ ولا تُحصى، وبما يستجيبُ إلى، أو يُسَوِّغُ، ما تتوافرُ عليه من صفاتٍ جسديِّة، أو قدرات ذهنيَّة، أو مهاراتٍ مُتَنوِّعة، فـ

“عينا جدَّتي “زَرْقَاوانِ كالْبَحْرِ الأَبْيَصْ المتوسط

ولهَا ضَفَائِرُ لَولَبيَّةٌ شَقْرَاءُ كأَفَاعِي الْمَاءْ

وكُفْلٌ يَتَمَاوَجُ خَلْفَهَا كَفَقَمَةٍ فِي بَحْرِ الشَّمَالْ

ولهذا فهي تَزْعُمُ أَحْيَاناً

أَنَّهَا تُتْقِنْ الِهيرُوغْلِيفِيَّةَ …” (8)

 

وإذْ تتابعُ “مذكرات البحر الميِّت”(9) قول التَّجربة في جميع مراحلها ومن جميع وجوهها، فإنها تلامسُ أحوالَ أزمنةٍ أُخرى مغايرةٍ، ولا سيما تلك التي جعلت الجدَّة “تُحَوِّلُ الحِجَارةَ إلى سُجُون”(10) و”تُذَرْزِرُ التُّرابَ في وجْهِ مَنْ يُدِيرُونَ الشَّمْسْ”(11) و”تَسَرِقُ أَخْطَرَ الوثائقِ من خزينة السُّلطان”(12)، أو تلك التي جعلت الجدُّ الذي كانَ “يَصْطَادُ الحَمَامَ فِي أَعَالِي جِبَالِ كَنْعَانْيَا”(13)، يَخِرُّ مسترخيَ الأعضاءِ في حَضْرَةِ “كاهنة البوادي”(14) الفاتنة، التي “ضحكتْ له”(15) إذْ قابلته، فـ”شَربَ نَبِيذَ الدَّيرِ الْجَبَلِيِّ”(16)، فـ”رَمَتْ جَسَدَها البَضَّ عَلَيهِ”(17)، فقالَ لها “خُذِي … مَا شِئْتِ … من التُّراب!!!”(18).

 

وهكذا سيكونُ لـ”قصيدة التَّجربة والخبرة” هذه، والتي هي، كما قد بيَّنا وكما سنُبيِّنُ في فقرات لاحقة، قصيدة قناع تكوينيٍّ مُحْكَم، أنْ تقولَ ما يُحدِّدهُ مقطعها الأوَّل من عناصر تلك التجربة المديدة ومكوناتها المتباينة، وما ذلك إلا لأنَّ تجربة الجدِّ والإب والابن والحفيد وحفيد الإبن وحفيد الحفيد، التي هي تجربة الجدَّة والأمِّ والابنة والحفيدة وحفيدة الابنة وحفيدة الحفيدة؛ أي تجربة “البحر الميِّت” الذي هو هنا قناع الإنسان الفلسطيني الكنعاني الحاضر على امتداد الأزمنة والعصور، لا تنفكُّ ولا تنقطعُ، بـأيِّ وضعٍ أو زمانٍ أو مكانٍ أو حالٍ، عن تجارب كُلٍّ من “الجدَّة” و”الأمِّ” و”الأب”، و”الحفيد” و”الحفيدة” و”حفيدة الحفيدة والحفيد”، تذكيراً وتأنيثاً أو غير ذلك، وحتى آخر حفيدة أو حفيد سيُولدان، وهي إلى ذلك لا تُفارقُ شبكات العلاقات التي نسجوها مع ذواتهم، ومع أناتهم المُغايرة، وفيما بينهم، ومع آخريهم من الكائنات الطبيعيَّة الجامدة والحيَّة، ومع أشباههم ونظرائهم الحقيقيِّن، وغير الحقيقيِّن، من الكائنات البشريَّة والنَّاس، ومن أشباه الكائنات البشرية والنَّاس، ومن الإنسانييِّن الذين رفعوا الإنسانيَّة إلى علوٍّ مكَّنها من ملاقاة جوهرها العميق في هُويَّاتهم المُنزَّلة، موضوعيَّاً، في رؤاهم للعالم، وفي مواقفهم وتصرفاتهم، وفي أنماط سلوكهم ومسلكياتهم، وفي نظرتهم لأنفسهم وللآخرين والأغيار من النَّاس!

 

ويبدو جليَّاً، مُذْ منتصف المقطع الأوَّل من القصيدة أننا ذاهبون، مع القناع، إلى خوض تجربة حياتية، حضاريِّة ووجوديَّة، عميقة ومتَّسعة، تبدأُ من الزَّمن الرَّعوي الأوَّل، لتمرَّ في زمن الكتابة، كي تصلَ إلى أزمنة الحصاد التي تتمازجُ فيها سنابلُ الخير بـ”شقائق النَّعمان”(19) الربيعية المُنْبِئة بتجدُّد الحياة، أو إلى تلك الأزمنة التي لم تُزرع فيها الأرضُ ببذورٍ خيرٍ، أو لم تُزرع أبداً، فتفتَّقت عمَّا زُرِعَ فيها، أو أسفرتْ عن خواءٍ حمل الجدَّة على محفَّات خوائه الفادح ليلقي بها خارج مدارات الزَّمان والمكان، وليحيلها إلى محض جاريةٍ لقيطةٍ تُمارسُ مهنة الرَّقص الرَّخيص، الخالي من أيِّ معنى جميلٍ أو دلالةٍ فكريَّة أو فنيِّة أو جماليَّة، في “ملاهي واق الواق”(20)، فترقصُ، في كلِّ ليلةٍ، ثلاث رقصاتٍ على التَّوالي: “1. رقصة الثرثرة.”؛ “2. رقصة الفخر.”؛ “3. رقصة الهزيمة.”(21). وتلك هي في واقع الحال، محاور التجربة التي تقولها، والتي تجسِّدها، في تزامن تامٍّ ما بين زمنيِّ الحدث والسَّرد، “مُذكِّرات البحر الميِّت” التي يبدو أنها تتحرَّكُ، مع القناع، على ذلك الخطِّ الممتدِّ من “آدمَ” إلى آخر إنسانٍ كنعانيِّ فلسطينيِّ سَيُولدُ من رحم دُرَّةُ الأرضِ: كنعانيا؛ فِلَسطين.

 

ثلاثُ كُنْيَات، واسمُ علمٍ مُفردٍ، وقناع

 

بدا لافتاً، منذُ البدء، أنَّ القصيدة تحتفظُ لثلاثة من أقطاب شجرة النَّسب بكنيات، أو لنقل بأسماء نمطيَّة: الجدَّة (جدَّتي) الأب (أبي) والأم (أمي)، منسوبةً دائماً إلى البحر الميِّت (القناع)، فيما هي لا تُسمِّي باسم العلم الشَّخصي المُفرد إلا الجدِّ “كَنْعَان” الذي يظلُّ منسوباً إلى القناع أيضاً، وذلك في صيغة “جدِّي كَنْعَان” التي تحتفظُ باللَّقبِ المُسندة إليه ياءُ المُتكلِّم (المُضاف والمضاف إليه)، والتي تردُ مرَّتين في القصيدة، مرَّة أولى في مفتتح القصيدة مع بدء مطلع مقطعها الأوَّل، أي عقب العنوان مُباشرةً: “جدِّي كَنْعَان لا يقرأُ إلا الشِّعر الرَّصين”(22)، ومرَّةً ثانية في بدء مطلع مقطعها الثاني: “جدِّي كَنْعَانْ/ أبيضْ، مُرقَّطْ، مثلَ أُمّ بريصْ”(23) الذي يروي فيه القناع قصَّة تنازل جَدِّه عن التُّراب لـ”كاهنة البوادي”، أو لـ”الكاهنة ذات الأنف الطَّويل”(24) واصفاً جدَّهُ “كَنْعَانَ” هذا بمثل تلك الصِّفات، وبما هو أدنى وأحطَّ وأسوأ منها، وكأنَّما هُويّة هذا الجدِّ التي أملت مواقفه، في هذه اللَّحظة من لحظات التَّاريخ وفي كلِّ لحظة لاحقةٍ تُماثلها، قد اتَّسمت بقدر عالٍّ من التخليط والتناقض المُهلكين.

 

ويبدو أنَّ الغاية الفنيِّة، البنائيَّة والأسلوبيَّة والدَّلاليَّة، لاعتماد الكُنْيَة عوضاً عن اسم العلم المُفرد، إنما تتركَّزُ في أمرين ليس لها أنْ تقتصرَ، لزوماً، عليهما:

 

أولهما: إظهار الصِّلات الحميميَّة التي تربط القناع بأقطاب أُسرته الموسَّعة وشجرة نسبه وسلالته، وذلك على نحو يكسب المُذكرات حميَّميَّة وصدقيةً أعلى ويفتحها على مرجعياتها التاريخية والحضاريَّة والوجودية عبر استعادة ما يمكن تسميته بالسيرة الذَّاتية لكُلِّ قُطب من هؤلاء الأقطاب (الرموز) وتتبُّع امتداداته التي تصلُ إلى النَّمط الأصلي الأعمق غوراً وحضوراً في تكوين السلالة البشرية، وفي جوهر الإنسانيَّة، وفي هُوِيَّة الإنسان.

 

وثانيهما: توسيع المجال الدَّلالي الذي يُمْكِنُ لأيٍّ من هذه الأقطاب (الرُّموز) غير المُسمَّاة أنْ يتحرَّك فيه كرمزٍ ذي دلالاتٍ مُتحوِّله أو ذي تأويلات وإحالات مرجعيَّة عميقة، متنوِّعة ومُتغايرة، وذلك مع الاحتفاظ باستمرار ارتباطها جميعاً، ككُنياتٍ وأُمثولاتٍ ورموز، بالقناع الذي تتحرُّكُ على محوره، فلا تُسْتَدعى لذاتها وإنَّما لعلاقتها بالقناع، ولا يُشارُ إليها إلا من منظور علاقته بها في إطار “شجرة النَّسب” التي تنسربُ خصائص أقطابها وسماتهم في نسيجه، وفي صيرورة تجربته.

 

ولتواشج كلا الأمرين وتفاعلهما، وتبادلُ الانعكاس فيما بينهما، وتناوب انعكاسهما، معاً أو في انفرادٍ، على مرآة البحر الميِّت، أنْ يتيحَ للقناع، ومن ثمَّ للقارئ الذي يُصْغِي إلى صوت هذا القناع يقولُ تجربته وهو مسكونٌ بصوت الشاعر وتجربته ورؤيته للعالم، أنْ يذهبُ إلى تفكيك نسيج شجرة النَّسب ليتعرًّفَ علاقات مكوناتها وتحولاتها الدَّلاليَّة، وليدرك، في ضوء هذا التَّعرُّف، مكونات هُويِّته، وهُويَّة شعبه، وأمَّته، مستخلصاً ماهياتها الجوهرية، ومستنبطاً من مكوناتها ممكناتها، ومن احتمالات تطوير علاقاتها التفاعليَّة الخلَّاقة مكونات وآفاق رؤىً مستقبليَّة قابلة للتحقيق في مجرى فعل وطنيٍّ إنسانيٍّ يستلهم دروس الماضي، ويتأسَّسُ على وعيٍّ نهصويٍّ إنسانيٍّ مُتجدِّد لا يتوقَّفُ عن مواكبة صيرورة التاريخ الحيِّ أبداً، ولا يكفُّ عن الانخراط الواثق في مدارات أزمنته الجديدة المفعمة، في آنٍ معاً، بالتَّحدِّيات والإحباطات، وبالرؤى الغائمة والأشواق المجهضة، وبالتطلعات النهضوية اللَّاهبة وبريق الآمال الوامضِ في آفاق تتهيَّأُ لفتح مداراتها لمن يُلْهِبُونَ الخطو صوبَ أبوابها المُشرعة أمام الجديرين بأنْ تكونَ أبوابها مشرعةً أمام خطوهم الواثق، وذلك في استجابةٍ يقتضيها صِدقُ سعيُّ السَّاعين، ونبلُ سعيهم المقرون بجهدٍ ودأبٍ لا يُمكن للوجود إلا إنْ يُكافئهم عليهما!

 

فكيفَ تبدَّت رؤية القناع لتجربة كُلٍّ من هؤلاء الأقطاب، ولمكونات هُوِّيته وماهيَّتها وخلاصة جوهرها؟ وما هي النُّصوص المصدرية المتداخلة في تكوين هُوِيَّاتهم وهُويَّة القناع نفسه داخل شجرة نسبه وسلالته، وفي إطار التَّجربة الكُليَّة لأقطاب هذه الشَّجَرة؟ وكيفَ كان للقناع أنْ يُفككَ، ليتعرَّف ويُدرك، عبر إعادة خوض هذه التّجربة الكًليَّة بنفسه، وبوعيٍّ يعي نفسه، طبيعةَ العلاقات التي تربطه بأيٍّ من أقطابها، وبهم جميعاً، وبمُكوناتِ هُويَّاتهم وسماتهم التي أسهمت في تشكيل هُوِّيته عبر الأزمنة، وفي مجرى تحولاتٍ ظلَّت تتحرَّك على محور ثباتٍ راسخٍ هو الانغراس الأزلي الأبدي في المكان الفلسطيني الكنعاني، وفي الزَّمن الوجودي المُتَجَلِّي في تاريخ هذا المكان الخالد، وفي حضارة شعبه الثَّريَّة والمفتوحة على التَّجدُّد الخلَّاق عبر توالي العصور الحضاريِّة وأزمنة التَّاريخ، وعلى الانبعاث الفَينِيقِيِّ (الكنعانيِّ)، المُتجدِّد كالأبد، من رمادِ المحارق المحكومة، أبداً، بجدليَّة الحياة والموت، وعلى الانبثاق الوجوديِّ الصَّاعد من لهيب الصراع الأزليِّ الأبديِّ بين الوجود والعدم؟

 

التَّحليل النَّصي ومُسْتويات الزَّمن

 

ليس ثمَّة من طريقة تحليليِّة فُضْلَى يمكن اعتمادها، فيما أحسبُ، للعثور على إجابات مُرضية، إنْ لم نَقُلْ مؤَصَّلة، عن هذه الأسئلة وما يتفرَّعُ عنها مع توالي الإجابات التي تأتي بأسئلة جديدة، إلا تلك التي تُحلِّل القصيدة “مذكرات البحر الميِّت” من منطور جماليٍّ ونقديِّ، ووفق منهج تحليل نصيِّ، يتجاوبُ مع طبيعتها الرَّاسخة كـ”قصيدة قناعٍ”(24) من جهة، ومع حضورها اللافت كـ”مقترحٍ رياديٍّ مُبكر لقصيدة النَّثر” في الشِّعر العربي المُعاصر من جهة ثانية.

 

وبطبيعة الحال، فإنَّه لا ينبغي لهذا المنظور الجمالي النَّقدي، أو لهذا المنهج التحليلي، أنْ يُفارقَ إدراك معطيات الزَّمن الذي كتبت فيه القصيدةَ، ولا سيما حقائق الأوضاع والشروط التي حكمت “الواقع الفلسطيني والعربي الذي كان قائماً، وقاتماً تماماً، عقب هزيمة العام 1967، أو ما يُسمَّى بـ “حرب الأيام السَّتة”، كما لا ينبغي للتحليل النَّصيِّ أنْ يتوقفَ، في أيِّ لحظة وربما عند إعمال أي إجراء تحليليٍّ، عن تحريك النصِّ على مستويات الزَّمن عبر مراحله وأحقابه المتعاقبة، ولا سيما ما تماثلَ منها من حيث الوقائع والمآلات مع ما حفَّزَ إبداع القصيدة وأسَّس مرجعيّاتها التاريخيَّة والجغرافيَّة والنَّصية، وأملي الحاجة إلى انبثاقها كـ”قصيدة قناع” و”قصيدة نثر” في أىٍ معاً، فلهذا المنهج التَّحليلي وما يتضمَّنه من إجراءاتٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، نحوية وأسلوبية وبلاغيَّة وبنائيَّة وقرائيَّة واستقرائيَّة واستنباطيَّة عديدة ومتنوِّعة، أنْ يصل القناع، “البحر الميِّت”، بمنابعه ومرجعياتة، وأنْ يتيحَ إمكانية تعقُّب تجاربه الطَّويلة الممتدة من المنبعِ حتَّى آخر مصب. بل لعلَّه يُتيحُ خوضها معه في أوضاع وحالات وشروطٍ ومعايير قرائيَّة مُعيَّنة، وذلك في سياق قراءة أفقية ورأسية مُتتابعة، أو حتَّى مُتزامنة أحياناً، تتيحُ، بدورها، إمكانية التَّحرُّك التبادلي الدَّائم، هبوطاً من سطح النَّص إلى قاعه العميق لإدراك مرجعيات بؤر التناص المتشابكة في نسيجه واستنباط معطياتها وتفكيك علاقاتها الدلالية المتشابكة وقراءة تحولاتها واقتناص مغزاها، ثُمَّ صعوداً من قاع النَّص إلى سطحه، محمَّلين بتلك المدركات والعطايا الرَّمزية والدَّوال، ومتابعينَ الصُّعود من سطح النَّصِ إلى فضائه الدلالي لاقتناص ما تكتنزهُ الشبكات الدلالية المفروشة في رحاب هذا الفضاء الواسع، وفي مداراته المتشابكة تشابكاً يكاد يُناظر التشابك القائم ما بين سطح النَّص وقاعه، وما بين بؤر التناص الظَّاهرة على سطحه ومرجعياتها العميقة الكامنة في قاعه، من رؤى شعرية، وخلاصات معرفيَّة، ودلالات مفتوحة على توليد المزيد من الرؤى والخلاصات والمدركات والمدلولات، وذلك عبر تعدُّد القراءات مع تنوُّع القراء، ومع تعدُّد أزمنة القراءة مع استمرار تعاقبها، ومع تباين الحساسيات الفنِّية والجماليَّة والانفتاح الدائم على مدارات التأويل وممكناته المفتوحة على فضاءات لا تنتهي، ولاتتناهي.

 

وفي متابعةٍ لما كنتُ قد بيَّنته قبل نحو عقدين من الزًّمن(25)، فإنِّي لأخلصُ إلى القول إنَّ هذه القصيدة “مُذكرات البحر الميِّت” تُقدِّم صيغة مُبتكرة لتكوين القناع “البحر الميَّت” في مجرى تشكُّل نصٍّ شعري، دراميٍّ وموضوعيٍّ ورمزي، يقولُ تجربة قناعٍ مُتعيَّنٍ عبر صيرورة مُذَكِّراته، فيحقق بذلك، واحداً من أبرز تجليات القناع التَّكويني المُحْكَمْ، ولا سيما تلكَ التي يتحقَّق فيها تحويل القناع من “كينونة طبيعيَّة” إلى “كائن وجودي” ذي هُويَّة طبيعيَّة حيَّة، بشريَّة إنسانيَّة، في آن معاً، هُوِيَّةٍ تُوَحِّدَّ الإنسانَ بالوطن في إهابها الوجودي المُلتحم، وتنفتحُ على صيرورة تجاربٍ حياتية، تاريخيَّة وحضاريَّة ووجوديَّة، تفضي إلى تطورات وانتقالاتٍ وتحولاتٍ وتباين مآلات، ولكنَّها لا تُفارقُ جوهرها الإنسانيِّ العميق، أو هي تسعى إلى استعادته إنْ هي أدركت أنَّها أُرغمت على مفارقته تحتَ وطأة قهرٍ، أو زيف وعيٍّ، أو ضرورة قاهرة، أو سوء تصرُّفٍ، أو ردَّة فعلٍ على مظلمة، أو أيِّ وضعٍ أو حالٍ من هذا القبيل!

 

وفي واقع الحال وحقيقته، فإنَّ الحقبة الزَّمانيةَ ضَاريةَ القسوة، وحالكةَ السَّواد، التي نعيشها الآن في فلسطين وبلاد العرب، بل وربما في أحيازٍ مُتَكَاثِرةٍ ومتَّسِعَةٍ من الشرق الأوسط وأرجاء العالم بأسره، ليست إلا نتاجاً لما أوقعتهُ، وما لا تزالُ تُوقعهُ، بالفلسطينيين والعرب وغيرهم من الشُّعوب والأمم، من نكبات ونكسات وهزائم وانكسارات على مدى ما يربو على قرن من الزَّمان، استراتيجياتُ الرأسمالية العالمية والقوى الاستعمارية ومُخططاتُها المتعالقة مع استراتيجيات الصُّهيونيَّة العالميَّة ومُخطَّطاتها المتجسِّدة في “حُروبُ إسرائيل” وجرائم “عصاباتُ الإرهاب الصُّهيوني” المندرجة في إطار تلك الاستراتيجيات والمُخططات، والمُحفَّزة، على غرار أضرابها ونظائرها من المُنظَّمات الإرهابيَّة المُستحدثة أو المُعاد تشكيلها، بُكلِّ إغراء أو دعمٍ يُؤهِّلها للإسهام بفاعلية قصوى في تطبيق استراتيجيات القوى الكونيَّة الكُبرى، أي استراتيجيات “الكاهنة ذات الأنف الطَّويل” ورديفتها “كاهنة البوادي” اللتين لا تتوخَّيان شيئاً سوى فرض هيمنتهما المطلقة على الكون بأسره، وذلك في ظلِّ استمرار العمل من قبلهما على تأبيد هيمنة نموذج الإنسان الذي يُشكِّل الوعي الزائفُ وَعْيَّة فيحيلهُ إلى كائن هجينيٍّ كهذا الذي يملأ المساحات الواسعة في أقطار العرب وبلدانهم ومجتمعاتهم المُتكَلِّسية أو التي تحوَّلت إلى محض أسواق استهلاكيَّة، أو مزارع تفريخ لهذا الكائن الهجيِّنيِّ الذي تصوغُ القصيدة، عبر القناع الذي يرمزُ إليه ويُجسِّدُ ثقلَ تكاثره الباهظ، هُوِّيته المُتحركة بين نقيضين منغلقين، والمسكونة، في أزمنة الغزو وأحقابها المُعتمة، بالفجاجة والتخليط وعمى البصيرة، وذلك في نطاق بنية مُغلقةٍ تتجاور فيها النَّقائضُ مكبوحة عن أي تفاعل خلَّاق فتظلُّ عاجزةً عن الانخراط الحيويِّ في أي صيرورة تؤسِّسُ لتحوُّل الأزمنة، وتتابع العصور، وتبدُّل التَّناقضات عبر إسفار الصراعات الدَّامية بين هذه التَّناقضات عن بدائلَ حضاريَّة تُجدِّد الهُويَّات والمعتقدات والرُّؤى، وتفتحُ الحياة على آفاق الحياة، ولا تُسيِّجُ الأوطان، ومساحات الكون، إلا بالسَّعي الإنسانيِّ الحضاريِّ، وبصدق الولاء لرسالة الإنسان، ولجوهر ماهيَّته الوجودية، ولمغزى وجوده في الوجود!

 

قراءةٌ رأسيِّةٌ وبُؤرُ تناصّ

 

وإلى ذلك، فإنِّي لأقترحُ على القُرَّاء جميعاً، وليس على المتخصصين أو على محبي الشِّعر منهم فحسب، أنْ يُبادروا إلى قراءة هذه القصيدة، وأنْ يُمْعِنُوا التَّأمُّل في نسيجها، وأنْ يتوقَّفوا مليَّاً عند كُلِّ بؤرة تناصٍّ تُومضُ على سطحها، ليحققوا لأنفسهم، وبأنفسهم، قراءة رأسية تهبطُ من سطح النَّص إلى قاعه العميق لتسأل مكوناته عن جذورها، ولتدرك جذور مرجعيات وامتدادات تلك البؤر الوامضة على السَّطح، كي تتهيَّأ للصُّعودِ، محُمَّلةً بما اكتنزته من أخيلةٍ ومعرفة ومدركات، إلى سطح النَّص لتقرأ تلك البؤرة مُعيدةً استنطاقها من جديد، ولتتهيَّأ للصُّعود إلى فضاء النَّص كي تجوسُ مدارات فضائه الدلالي الواسع مستكشفةً شبكاته الدلالية المتشابكة والمتواشجة والمفتوحة على ما لا يُحصى من المعاني والمدلولات والرُّؤى.

 

هذه القراءة الرَّأسية التي أُوْصِي كُلَّ قارئ حقيق بهذا اللَّقب الإنسانيِّ الرَّائع أنْ يَأْخُذَ بها وأنْ يُعملها في كُلِّ ما يقرأ، والتي توجزُ الفقرة السابقة، بكثافة شديدة التَّركُّز، إجراءاتها وآليات إعمالها، ليست، في حقيقة الأمر، إلا نتاجاً لقراءات ودراسات نصِّية ونقديَّة موسَّعة ومعمَّقة استغرقت عقداً كاملاً من الزَّمن، وشملت الأعم الأغلب من قصائد القناع التي جاء بها الشَّعر العربي المُعاصر على مدار أربعة عقود امتدت من خمسينات القرن الماضي حتى نهاية ثمانيناته، والتي أبدع الشُّعراءُ العرب المتميِّزون نماذج عديدة ومتنوِّعة منها ممَّا جعلتها ظاهرة لافتة في الشِّعر العربي المُعاصر، وليس ذلك لكونها تستجيب للحاجة الماسَّة إلى تفكيك الواقع العربي القائم تفكيكاً شعرياً، أو تأمُّليَّاً تصوُّرياً، فحسب وإنما، أيضاً، لكونها تستجيب للحاجة المُلحَّة إلى تفكيك هذا الواقع تفكيكاً فكريَّاً مؤصَّلاً، موسوماً بأصالة النَّقد وعمقه وجذريَّته.

 

ولقد كان للتَّواشجُ العميق بين هاتين الحاجتين المُلازمتين، بلا انفصام، للضرورة الوجوديَّة القصوى المتمثِّلة في الحاجة إلى تفكيك الذَّات بغية معرفتها صُعوداً إلى قمَّة “رأسُ المعرفة” التي هي “معرفة الذَّات”، أنْ يُشكِّل أحد أهم الدَّوافع الرئيسة لانبثاق قصيدة القناع في الشِّعر العربي المُعاصر كـ”نوعٍ شعريٍّ”، ولا نقولُ كـ”شكلٍ” من أشكال القصائد الدراميَّة فحسب، وإنِّما نُكرِّر القول، ونُضيف إليه مُوضِّحين مقصدنا: كـ”نوعٍ شعريٍّ” مؤسَّسٍ ليس على النَّقد الجذري لواقع حال الشعر العربي المنغلق على منجزه القديم فحسب، وإنما أيضاً، وفي ترابطٍ دوافعيٍّ متراسل وعميق، على النَّقد الجذريِّ للذَّات، وللشِّعر، وللواقع المجتمعيِّ، في آن معاً: أي للذَّات التي حوَّلها الاستبداد وثقافة الاستهلاك إلى “كائن هجينيٍّ” بلا هُويَّة تصلهُ ماهيتها بجوهر إنسانيَّته؛ وللشِّعر الذي أمعن في الاتكاء المتراخي على عَمُودِ الشِّعْرِ وطَواطِمِهِ السَّبْعَة، فسكنَ قيعان بحورٍ ميتة، أو استقرَّ راضياً في بيوت بلا أبواب أو نوافذ، فتكلَّسَ على جُدرانها،ثُمَّ، إذْ انعدمَ تسرُّب الهواء إلى قيعان البحور وأشطر البيوت التي سكنها، انكتم نَفَسُهُ، فانعدمَ تَنَفًّسُهُ، فمات؛ وللواقع المجتمعي الكُلِّي الجحيميِّ القائم في بلاد العرب؛ هذا الواقع الموسوم بالتخلف الحضاري المزمن، وبالاستبداد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الرَّاسخ، وبالفكر الإظلامي المُعتم، وبالثَّقافة المحكومة جميع مجالاتها وحقولها بالانغلاق والجمود وبـ”أنظمة التَّحريم”!

 

وتأسيساً على الارتباط الوثيق بين ثالوث الحاجات المعرفيَّة المتعلِّق بتفكيك الذَّات والشعر والواقع، واستجابةً جماليَّة للحساسيات الفنيِّة وللرؤى الفكرية وللتطلعات المجتمعيَّة الجديدة المنبثقة عنهُ، ولُدتْ قصيدة القناع في الشَّعر العربي المُعاصر، لتنطلقَ وهي تمارسُ، بطرائقها وأساليبها وتقتياتها الأسلوبيَّة المتنوِّعة، هذا النَّقد الجذري، صوب إشباع الحاجة الإنسانيَّة والحضارية الماسَّة إلى تفكيك الواقع الجحيميِّ القاتم القائم في بلادنا والمُغطَّى بهيمنة استعمار مُطوَّلٍ متغاير الدوافع والماهيِّات والغايات والأقنعة وأشكال الهيمنة وآليات التَّغلغل والحضور، وبأيديولوجيات ظلاميَّة عمياء، وباستبداد مُزمن يتسلِّح بكل “أنظمة التَّحريم” وبجميع أشكال القمع وطرائقه وأساليبه المتكاثرة!

 

وإلى ذلك، فإنَّ القرأة الرأسية لقصائد القناع، هي وفق ما كنتُ قد بيَّنتهُ بإيضاحٍ مُسْهِبٍ قبل نحو عقدين من الزَّمن(26)، هي وحدها الكفيلة بتمكين القارئ من أنْ يقول لنفسه بعد أن يُنْهي القراءةَ: “أَشْهَدُ أَنَّنِي قَدْ قَرَأْتُ”، “أَشْهَدُ أَنَّنِي قَدْ عَرَفْتُ”، “أَشْهَدُ أَنَّنِي قَدْ عِشْتُ”!

 

***

هوامش وإشارات:

 

(1)​عزِّ الدِّين المناصرة: ديوان عزِّ الدِّين المناصرة، دار الشَّباب، نيقوسيا (قُبرص)، الطَّبعة الأولى، 1987، ص 115. وفي طبعة أحدث للديوان الذي يحتوى هذه القصيدة، يستبدل الشَّاعر بالكلمة “الكلام”، في السَّطر الأوَّل من هذا المقتبس، الكلمة “الهذيان”، لنقرأ: ” تَوقَّفَ جدِّي عَنِ الهذيان”، وكذلك يُضيف الشَّاعر إلى السطر الثَألث من هذا المقطع، وهو الأخير في القصيدة، صيغة النِّداء: “يا سيدة كنعانيا: …”، لنقرأ النَّص على نحو ما أثبتناه في المتن أعلاه، وليس كما كان وارداً في صيغة القصيدة التي كانت قد نُشرت في “ديوان عزِّ الدين المناصرة” الصادر في العام 1987، والوارد ذكره، كمصدرٍ، أعلاه. وسنثبت في المتن النَّصَّ كما ورد في أوَّل طبعة للقصيدة، وبحسب المصدر المثبت أعلاه أيضاً. وللقارئ المتفجِّص، كما للناقد المُتخصِّص، أنْ يُقارن نص القصيدة في هذا المصدر بنصِّها الوارد في: عزِّ الدين المناصرة، مذكرات البحر الميِّت (مجموعة شعرية)، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 2005. أو ربَّما في طبعات أخرى متتابعة. ويُشار هُنا إلى أنَّ هذه القصيدة، وهي “قصيدة نثر” رياديَّة لافتة، كانت قد نُشِىرت، لأوَّل مرَّة، في العدد الثالث من مجلَّة “مواقف” التي كانت تصدر في بيروت ويرأسُ تحريرها الشاعر “أدونيس”، وذلك في العام 1969، ثُمَّ أُعيدَ نشرها في الملحق الأدبي لصحيفة “الأخبار” القاهرية، العدد الصادر في 23 يوليو (تمُّوز) 1969، وهو الملحقً الذي كان يرأسُ تحريره الرِّوائي الرَّاحل عبد الفتاح الجمل.

 

(2)​يردُ هذا السَّطر الشَّعري: “هذه ينابيعُ شعب مؤاب الكنعاني”، في صيغة مُحدَّثة لنص القصيدة المنشور في: عزِّ الدين المناصرة، مذكرات البحر الميِّت (مجموعة شعرية)، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 2005، وليس مثبتاً في النَّص الأصلي الأوَّل الوارد في ديوان عزِّ الدِّين المناصرة، دار الشَّباب، نيقوسيا (قُبرص)، الطَّبعة الأولى، 1987، أو في ديوان عزِّ الدِّين المناصرة، منشورات كاظمية، الكويت، الطَّبعة الأولى، د.ت.

 

(3)​ينطبق ما ورد في الهامش السابق على هذا المقتبس أيضاً، أنُطر: عزِّ الدين المناصرة، مذكرات البحر الميِّت (مجموعة شعرية)، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 2005.

 

(4)​الإشارة التوضيحية السابقة نفسها، والمصدر نفسه.

 

(5)​عزِّ الدِّين المناصرة: ديوان عزِّ الدِّين المناصرة، دار الشَّباب، نيقوسيا (قُبرص)، الطَّبعة الأولى، 1987، ص 108.

 

(6)​قد توحي هيمنة ضمير المُتكلِّم المُفرد على النَّص بنزوع رومانسيٍّ أو بنزعة غنائية، غير أنَّ مبدأ التَّقنُّع يُخرج القصيدة من كليهما، ويُؤسِّس، في آن معاً، منطلقاً ملائماً لتوليد ممكنات فنيِّة تُعزِّزُ، إنْ هي استثمرت على نحو ملائم، تَشَكُّل بُناها الموضوعية والرَّمزية والدرامية على نحو يُحقِّق التَّجلي الأمثل لقصيدة القناع التكويني المُحكم. ولعلَّ لتعداد متكرِّرات حضور أقطاب شجرة النَّسب في صيغة إسناد، أو إضافة، إلى ضمير المتكلم المتصل العائد إلى القناع “البحر الميِّت”، أن يكون دالاً وذا مغزى، فمن اللافت، هُنا، أنَّ متكرارات الكُنْيَات المُضافة إلى ياء المُتكلِّم تتحقَّق في النَّص كما يلي: جدي: خمس مرَّات؛ جدَّتي: إحدى عشرة مرَّة، أبي: خمسُ مرَّات؛ أُمي: عشرُ مرَّات. أما ضمير المتكلِّم المفرد المُنفصل “أنا” العائد على القناع البحر المَيِّت، فإنَّه لا يظهرُ في النَّص إلا مرَّة واحدة فحسب، ولهذا، بالطَّبع، أنْ يكون دالاً على طبيعة البُنى الفنيَّة الثلاث التي تُشكِّل بنية القصيدة الكُلِّية، بقدر ما هو دالٌ على طبيعة العلاقات التي تربط القناع بأقطاب شبكة النَّسب، بوصفهم رموزاً تتشعَّبُ دلالاتها أو تتحوَّل في سياقات صيرورة القصيدة كتجربة متعدِّدة المدارات والمستويات والأبعاد. ولعلَّنا نُلاحظُ، هنا، أنَّ علاقة بجدَّته، ثم من بعدها بأمِّه، هما العلاقتان الأبلغُ سواء من حيثُ كثافة الحضور في النَّص أو من حيث الحميمية والتحام العُرى.

 

(7)​في هذا النَّص الشعري النَّثري (القصيدة النثرية) المكوَّنة صيغتهُ المُحدَّثة من 963 كلمة ثمة ما يربو على خمسة وثمانين فعلاً مُضارعاً تأتي في صيغٍ نحوية وأسلوبية متنوِّعة، بينما يتحقق استخدام الفعل الماضي، في صيغ نحوية وأسلوبيَّة تُرهِّنُه إذْ تَروي في الزَّمن الحاضر وقائع ماضوية، حوالي ستين مرَّة. أما فعل الأمر فيأتي في صيغ مسندة إلى المفرد المؤنَّث أو المُذكر أو الجمع المُغفل الجنس عشر مرَّات فحسب ضمنها ثلاثُ متكررات لفعل الأمر “إقرأ”، ومتكررين لفعل الأمر “قُلْ”، وهذه الأفعال هي: خُذي؛ فانظر، إقْرَأْ، إقْرَأْ، إقْرَأْ، أُرْقُصِي، قُلْ لي، قُلْ لي، وآسألوا، إسْأَلوا. وبالطَّبع، فإنَّ لانفراد الفعلين: إقْرأْ وقٌلْ، بنصف القائمة، دلالةٌ لافتة وذات مغزى عميق الحضور في مكونات الرؤية الكُلِّية التي تبثُّها الشبكات الدلالية للقصيدة. وقد يكونُ ملائماً أنْ تنهض مُقاربة نقدية (نحويَّة وأسلوبية) أخرى للقصيدة بقراءة دلالات مثل هذه المُعطيات واستكشاف تأثيراتها على بُناها النَّصِّية.

 

(8)​المقتبسات الواردة هُنا تعود إلى المصدر السابق نفسه، ص 107، غير أنَّ تحويرات وتعديلات وإضافات تُدْخَلُ عليها من قبل الشاعر، وعلى المقطع الذي يتضمَّنها في صيغة مُحدَّثة لنص القصيدة، أو ربما في إحدى صيغه المُحدثة التي تتوفَّر لديَّ الآن. ففي هذه الصِّيغة المُحدَّثة نقرأ:

​”عينا جدَّتي “زَرْقَاوانِ، كالْبَحْرِ الأَبْيَصْ

​لهَا ضَفَائِرُ لَولَبيَّةٌ، شَقْرَاءُ كأَفَاعِي الْمَاءْ

​وكُفْلٌ يَتَمَاوَجُ خَلْفَهَا كَفَقَمَةٍ فِي بَحْرِ الشَّمَالْ.

​لهذا تَزْعُمُ أَحْيَاناً،

​أَنَّهَا تُتْقِنْ الِهيرُوغْلِيفِيَّةَ

​تُتْقِنْ الكنعانيَّةَ الفلسطينيَّة السينائيَّةْ

​تُتْقِنْ الأمازيغيَّةَ، والسُّريانيَّةَ، والكُرديَّةْ

​ولُغاتٍ أُخرى، لا تُحْصَى، ولا تُعَدّْ،

​رَغْمَ أنَّهَا، لَمْ تَدْخُلْ مَدْرسَةَ مَحْوِ الأُمِّيَّة.”

​وإضافةً إلى ما تفصح عنه مُقارنة النَّصين الأوَّل (المثبت في المتن) والمُحدَّث (المثبت أعلاه) من حذف كلمة “المتوسط” من السطر الأوَّل، وحذف واو العطف من بدايات الأسطر الثاني والرَّابع، وحذف كلمة “فهي” من السطر الرابع، ووضع علامة الترقيم (النقطة) في نهاية السَّطر الثالث، وعلامة الترقيم (الفاصلة) في منتصف السطرين الأول والثاني، وفي نهايات الأسطر الرَّابع والخامس، فإننا نُلاحظ أنَّ ثلاثة أسطر شعرية جديدة قد أضيفت إلى المقطع (الأسطر: السادس، والسابع، والثامن). وإذْ نجدُ في إضافة هذه الأسطر ما قد يُسوَّغُ مضمونيَّاً، وفي حذف الصِّفة “المتوسِّط” عن البحر الأبيض ما قد يُسوَّغُ دلاليَّاً، وفي حذف العبارة “فهي” ما قد يُسوَّغ أسلوبيَّاً، فإننا لا نعثرُ على ما يكفي من المُسوِّغات لنثر علامات الترقيم في النَّص على نحو عشوائي لا يستند إلى نظام ترقيم متساوق ومتناسق ومأخوذ به، كنظام، على امتداد النَّص بأسره!!! ومهما يكن من أمر، فإنَّ هذه الملاحظات، غير ذات صلة مُباشرة بموضوع هذا المقال المُوسَّع، وإنَّما هي تطرح أسئلة عديدة تبحثً عن إحاباتها لدى الدارسين والنُّقاد وتدعوهم للالتفات إليها، أو إلى مُعاودة الالتفات إليها، بتركيزٍ أعلى، إنْ هم كانوا قد فعلوا ذلك من قبل.

 

(9)​”المَيِّتُ” لُغةً هو الآيلُ إلى الموت، أو هو المولود للموت كالإنسان وغيرة من المخلوقات والكائنات الحيَّة التي يبدأ خطوها صوب الموت مُذْ لحظة ولادتها. أما “الْمَيتُ” فهو الذي كانَ قد مات، واكتمل موته، وصار عدماً أو ذهب إلى العدم الذي لا نعرف إنْ كان هو منبع حياة ووجود أزلي أبدي أم جوهراً أخر، والاسم المتداول في زمننا هذا للبحر الذي كان اسمهُ على التَّوالي: ”بحر لوط”، ”بحيرة زُغَر”، ”بحر العربة”، ”البحيرة المقلوبة”، ”بحر القارّ”، ”بحر الملح”، ”البحيرة المُنتنة”، هو ”البحر الميت”، وهو الاسم الذي أطلقه اليونانُ عليه، والذي لا يزال النَّاسُ يتداولونه حتَّى الآن، وإلى ذلك فإنَّ البحرَ الميِّت ليس ميتاً بأي حال!

 

(10)​عزِّ الدِّين المناصرة: ديوان عزِّ الدِّين المناصرة، دار الشَّباب، نيقوسيا (قُبرص)، الطَّبعة الأولى، 1987، ص 107.

 

(11)​المصدر نفسه.

 

(12)​المصدر نفسه.

 

(13)​مذكرات البحر الميِّت (مجموعة شعرية)، وقارن بـ: ديوان عزِّ الدِّين المناصرة، ص 107، حيث تجد أنَّه قد تم استبدال العبارة “في أعالي كنعانيا” بالعبارة “في براري أورشليم” الواردة في النَّص الأصلي.

 

(14)​المصدر نفسه، وقارن بالنص الأوَّل المثبت في ديوان عزِّ الدِّين المناصرة، ص 107 حيث نقرأ: “ضحكت له الكاهنة”، بينما نقرأ في النَّص المُحدَّث: “ضحكت لهُ، كاهنةُ البوادي”.

 

(15)​المصدر نفسه، ص 107.

 

(16)​هذا السطر الشعري هو إضافة تردُ في النَّص المُحدَّث المنشور ضمن المجموعة الشعرية الصادرة في 2005.

 

(17)​المصدر نفسه، ص 108.

 

(18)​المصدر نفسه، ص 107. والفصل بين الكلمات بعلامة الترقيم (…) غير وارد في النَّص الأوَّل وإنَّما في النَّص المُحدَّث، وكذا الأمرُ بالنسبة لعلامة التَّعجُّب الثلاثية (!!!) التي تأتي في نهاية السَّطر.

 

(19)​المصدر نفسه، ص 106.

 

(20)​المصدر نفسه.

 

(21)​المصدر نفسه، ولكن العدَّ التسلسلي 1، 2، 3 لا يردُ إلا في نص القصيدة المُحدَّث الوارد في المصدر سابق الذِّكر: مذكرات البحر الميِّت (مجموعة شعرية)،

 

(22)​المصدر نفسه، ص 106.

 

(23)​المصدر نفسه، ص 107.

 

(24)​المصدر نفسه. وكما سبق أنْ أشرنا فإنَّ العبارة المكونة من المُضاف والمُصاف إليه: “كاهنة البوادي” تأتي في الصيغة المُحدَّثة من نص القصيدة، أنظر الهامش رقم (14).

 

(25)​أنظر في ذلك: عبد الرَّحمن بسيسو: قصيدة القناع في الشَّعر العربي المُعاصر (تحليل الظَّاهرة)، المؤسَّسة العربية للدراسات والنَّشر، بيروت، الطبعة العربيَّة الأولى، 1999، من ص 56 إلى ص 90، ومن ص 224 إلى ص 240.

 

(26)​للاطلاع على تحليل نصِّي موسَّع يعتمد منهج القراءة الرَّأسية الذي تُوجبُ قصيدةُ القناع اعتماده في قراءتها، والذي كُنَّا قد بيَّنا أنها جاءت هي نفسها به ليكون منهجاً تحليلياً مُضمَّناً فيها أو مُصَاحِباً لهَا مُصاحبة لزوم، أنظر: عبد الرَّحمن بسيسو: قصيدة القناع في الشِّعر العربي المُعاصر، رسالة دكتوراة، بإشراف الأستاذ الدكتور جابر عصفور، كليَّة الآداب، جامعة القاهرة، 1996، المُجلَّد الثاني (أُصول القناع)، من ص 289 إلى ص 309.

 

‏براتسلافا، السبت‏، 19‏ حزيران‏ (يونيو)، 2016