رشيد الحاج إبراهيم صديق القسام وقائد مقاومة حيفا

0
63

من صفحة مبدعون فلسطينيون

 

كانت حيفا، حين ولد رشيد الحاج إبراهيم في سنة 1891، قرية صغيرة يمتهن أهلها صيد السمك والزراعة البسيطة وبعض التجارة. أما عائلته فقد امتهنت تجارة الحبوب مع الشام، وخصوصاً مع حوران. وربما، لهذا السبب، ساقته أقداره إلى أن يتزوج امرأة سورية، وأن يُدفن في دمشق حين حمحم القضاء. وكان رشيد الحاج إبراهيم عمل موظفاً في سكة حديد الحجاز التي مُدَّت بين درعا وحيفا في سنة 1905، مروراً بسمخ وبيسان، وكانت الوظيفة في تلك الأثناء، أي في العهد العثماني، مدخلاً إلى الوجاهة والثروة. لكن مع سقوط الحكم العثماني في سنة 1917 اتجه نحو التجارة لتأمين عيشه، وذلك لم يحُل دون الانغماس في النضال الوطني.

كان ممثلاً لحيفا في جميع المؤتمرات الفلسطينية منذ المؤتمر الأول الذي عقد في القدس في 3 شباط 1919 برئاسة عارف الدجاني حتى المؤتمر السابع الذي عقد في 21/6/1928، وكان آخر المؤتمرات، لأن القيادة الوطنية ستنتقل، منذ ذلك التاريخ فصاعداً، إلى اللجنة التنفيذية التي ترأسها موسى كاظم الحسيني حتى وفاته في سنة 1934. ثم حضر المؤتمر السوري العام في دمشق في سنة 1919 ممثلاً لحيفا إلى جانب معين الماضي وإبراهيم الخليل وقسطا المدوَّر.

تولى بنفسه تهيئة مثوى الأبطال الثلاثة محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير في مقبرة النبي صالح في عكا. وهؤلاء هم الذين أعدمتهم السلطات البريطانية في 17/6/1930 بعد هبة البراق في سنة 1929. وكانت صلته بعز الدين القسام وثيقة جداً، ولا سيما بعد وفاة موسى كاظم الحسيني في آذار 1934 حين أيقن كثيرون، ومن بينهم القسام نفسه، أن لا سبيل إلا الكفاح المسلح لمقاومة الهجرة اليهودية والسياسة البريطانية. وبدأ القسام حينذاك يعقد اجتماعات سرية مع نفر من المجاهدين، ومنهم رشيد الحاج إبراهيم، في حي الحليصة أو في مغاور وادي رشميا أو في حي الغزازوة لدراسة الأحوال وتخطيط التحركات، ولم يكن أحد يعلم أمر هذه اللقاءات إلا القسام نفسه وصحبه العشرة ورشيد الحاج إبراهيم. وعندما غادر القسام جامع الاستقلال في حيفا متوجهاً إلى الجبال لإعلان الثورة المسلحة ضد البريطانيين كتب رسالة إلى صديقه رشيد الحاج إبراهيم يقول له فيها: «إني واثق من نفسي، وإن صوتي سيجد صداه في كل مكان عند أول صيحة. ونستودعك الله راجين من المولى تعالى أن يوفقنا في أعمالنا في سبيل الوطن». وفي أحراج يعبد استشهد القسام ويوسف الزيباوي وسيد حنفي عطية، وجرح الشيخ نمر السعدي والشيخ أسعد المفلح وأُسر الباقون. ورفضت السلطات البريطانية أن تسير جنازة الشهداء في شوارع حيفا، بل يُكتفى بالمسير من منازل الأهل إلى مقبرة بلد الشيخ. وفي أثناء الجنازة تقدم رشيد الحاج إبراهيم باكياً ولف نعش القسام بالعلم العراقي، ولف نعش الزيباوي بالعلم السعودي، ولف نعش عطية بالعلم اليماني تعبيراً عن الانتماء إلى العروبة. ورفض المشيعون الذين بلغوا أكثر من خمسة وعشرين ألفاً التقيد بشروط سلطات الانتداب، فاختطفوا النعوش من منازل ذويها إلى جامع الاستقلال، ثم ساروا بها إلى جامع حيفا الكبير في حي «الجرينة»، ثم عادوا إلى شارع الملوك فساحة الملك فيصل، ثم إلى شارع الحجاز فمقبرة بلد الشيخ.

 

 

* * *

 

التقى رشيد الحاج إبراهيم، أول مرة، الحاج أمين الحسيني في دمشق في أثناء عقد المؤتمر السوري العام، وكان الحاج أمين عائداً من الخدمة العسكرية كضابط صغير في الجيش العثماني. ومنذ ذلك الوقت ارتبط الاثنان برابطة وثقى في النضال الوطني، حتى أن الحاج أمين، عندما مرَّ الملك فيصل بحيفا في سنة 1920 في طريقه إلى باريس، جاء إلى رشيد الحاج إبراهيم طالباً بإلحاح أن يجمعه إلى فيصل، لأن السلطات البريطانية حصرت زيارة الملك فيصل بأعضاء الجمعية الإسلامية في حيفا. فعمد رشيد الحاج إبراهيم إلى اصطحاب الحاج أمين معه إلى مقر إقامة فيصل.

أسس رشيد الحاج إبراهيم في آب 1924 جريدة «اليرموك» اليومية التي ظلت تصدر حتى سنة 1933. ثم تولى رئاسة جمعية الشبان المسلمين في حيفا منذ مؤتمرها التأسيسي في نيسان 1928 حتى سنة 1932 عندما خلفه عز الدين القسام. وفي تموز 1930 أسس عبد الحميد شومان في القدس «البنك العربي» وعهد إلى رشيد الحاج إبراهيم إدارة فرع البنك في حيفا. وفي هذه الأثناء شارك، إلى جانب محمد عزة دروزة ومعين الماضي، في تأسيس حزب الاستقلال العربي الذي ضم إلى صفوفه فهمي العبوشي وعجاج نويهض وصبحي الخضرا وعوني عبد الهادي وأكرم زعيتر وغيرهم. ثم فاز في الانتخابات البلدية في حيفا في كانون الثاني 1934. وبهذه المحطات في مسيرته صار رشيد الحاج إبراهيم زعيماً حقيقياً لمدينة حيفا.

 

 

* * *

 

اعتقلته سلطات الانتداب البريطاني في 15/6/1936 في أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى، وأودعته معتقل صرفند، ثم أفرج عنه في 23/10/1936.

 

 

محطات في مسيرته

 

– ولد في حيفا سنة 1891.

-عمل في سكة حديد الحجاز التي كانت تربط حيفا بدرعا.

– انتقل إلى العمل في التجارة بعد الاحتلال البريطاني لفلسطين.

– شارك في تأســيس «الحزب العربــي» في سنة 1919 مع نجــيب نصار وأحمد الإمام وعبدالله مخلص وأمين عبد الهادي ومتري حلاج، لكن هذا الحزب لم يعش طويلاً.

– مثّل حيفا في المؤتمر السوري العام في دمشق سنة 1919 إلى جانب معين الماضي وإبراهيم الخليل وقسطا المدور.

– اختير عضواً في المؤتمر العربي الفلسطــيني الأول سنة 1919 الذي أصدر «الميثاق الوطني الفلسطيني» الأول.

– أسس جريدة «اليرموك» في سنة 1924.

– ترأس «جمعية الشبان المسلمين» في حيفا منذ المؤتمر التأسيسي في سنة 1928.

– عين مديراً للبنك العربي في حيفا سنة 1930.

– اعتقل في سجن صرفند سنة 1936، ثم اعتقل ثانية في سنة 1937 غداة اغتيال أندروز مساعد حاكم الجليل، ثم نفي إلى جزيرة سيشل.

– أسس في سنة 1945 «الجبهة العربية».

– قاد المقاومة ضــد الهاغاناه في حيفا خلال حرب 1948.

– عاش في الأردن بعد النكبة، وتوفي في عمان سنة 1953، ودفن في دمشق.

 

واعتقل مجدداً في أيلول 1937 غداة اغتيال أندروز مساعد حاكم لواء الجليل، ووُضع على ظهر طراد نقله ورفاقه إلى جزيرة سيشل شرق زنجبار، وأطلق في 18/12/1938 بشرط بقائه خارج فلسطين، وكان الوحيد الذي نفته السلطات البريطانية من غير أعضاء اللجنة العربية العليا التي كان يرأسها الحاج أمين الحسيني. وفي سيشل أصيب بقرحة المعدة، ثم وافقت بريطانيا على عودته إلى فلسطين في نيسان 1940.

ولما عاد إلى حيفا لاحظ أن الحركة الوطنية الفلسطينية قد وهنت عزيمتها بعد مغادرة المفتي فلسطين إلى لبنان في 13/10/1937، وأن بعض قادة الخارج راحوا يوجهون أنصارهم في الداخل إلى اغتيال المشبوهين وسماسرة الأرض… إلخ، الأمر الذي استغله بعض الأفرقاء لتسديد حسابات محلية، فذهب ضحية ذلك أشخاص لا شبهة فيهم أمثال حسن صدقي الدجاني وميشال متري وأنور الشقيري ورافع الفاهوم وعادل الجراح وآخرين، وكان ذلك مدعاة للشقاق والفراق.

مع إحالة قضية فلسطين على الأمم المتحدة قرر العودة إلى فلسطين من الإسكندرية حيث كان يستشفي. ومع صدور قرار التقسيم في 29/11/1947 بادر إلى تنظيم الدفاع عن حيفا، ولم يكن لديه إلا أربعة مسدسات وخمس بنادق وقليل من العتاد، واتصل بشكري القوتلي الذي صار رئيساً لسورية الذي أمده بالسلاح والمال. وهكذا بات رشيد الحاج إبراهيم زعيم حيفا وقائد مقاومتها في سنة 1948. وقد خرج من حيفا في 8/4/1948 لمقابلة الحاج أمين الحسيني في القاهرة، وشكري القوتلي في دمشق، فإذا بالحوادث التاعسة تتلاحق، فاستشهد عبد القادر الحسيني في 9/4/1948، وتوفي ابنه سميح في بيروت في 16/4/1948، وانسحبت القوات البريطانية خلسة من حيفا في 21/4/1948، فنشبت معركة حيفا التي انتهت بسقوط المدينة في 23/4/1948، ولم يتمكن من العودة إليها البتة. فلجأ إلى الأردن التي عاش فيها مرارة أيامه، وتوفي في عمان سنة 1953، ونُقل إلى دمشق ليدفن في مقبرة الشهداء في «العقيبة»