د. يوسف يونس يكتب – التحديات الأكبر في مواجهة الحكومة الإسرائيلية الاضخم

0
180
rbt

بقلم : د. يوسف يونس – نائب رئيس مجلس إدارة مركز الناطور للدراسات، باحث متخصص في الشؤون السياسية – 1-6-2020م

 

– الملخص –

 

أفرزت جائحة كورونا حكومة الطوارئ اليمينية الاضخم، وخلقت الكثير من الازمات التي ستشكل الغاماً على طريق الاستقرار المزعوم لهذا الائتلاف. ويتوقع ان يتراوح مستقبل هذه الحكومة ما بين الاستمرار حتى نهاية فترته، بفضل تناغم التوجهات اليمينية بين اقطاب الائتلاف، إضافة إلى رغبة إدارة الرئيس ترامب في بقاءه لتمرير مشاريع استراتيجية في المنطقة تركز على الدور الإسرائيلي. وهنا تبرز تساؤولات حول إمكانية عدم التزام نتنياهو باتفاق التناوب وعدم السماح لغانتس بالوصول الى موقع رئاسة الحكومة، ويتوقع المراقبين أن يدفع نتنياهو باتجاه انتخابات رابعة بعد انتهاء فترة ولايته وبعد الانتهاء من مشروع الضم.

بالرغم من الطموحات الكبيرة التي تبنتها خطة الجيش الإسرائيلي متعددة السنوات “تنوفاه” ، الا أن الميزانيات الكبيرة التي تحتاجها كانت العقبة الأساسية امام تمريرها الى حيز التنفيذ بسبب غياب الحكومة القادرة على تبني هذه الخطة ، وفي ضوء حكومة الوحدة الحالية يمكن القول ان الميزانيات اللازمة لتنفيذ هذه الخطة ستكون من أولويات الحكومة القادمة ، التي تضم الكثير من الجنرالات الذين يقدرون جيداً أهمية هذه الخطة الاستراتيجية لصالح دولة إسرائيل، وذلك على الرغم من الازمة الاقتصادية الناتجة عن جائحة كورونا وإمكانية قيام وزارة المالية بالسعي الى تخفيض الميزانيات وهو الامر الذي قد يدفع باتجاه ازمة بين الجيش والحكومة وفي داخل الحكومة نفسها.

تميز النظام الدولي دائماً بوجود منافسة استراتيجية متعددة الأبعاد بين القوى الكبرى، وفي ضوء جائحة كورونا ، ارتفعت احتمالية تفاقم الصراعات الدولية على المدى القصير، ما عزز من فرضية تقويض الهيمنة الأمريكية ما سيدفعها للانسحاب من الشرق الأوسط، وهو ما يفتح المجال امام الصين وروسيا لملىء الفراغ الذي ستتركه الولايات المتحدة، وهو ما سينعكس على علاقات إسرائيل وتحالفاتها ، وسيفرض على الحكومة الإسرائيلية الجديدة إدارة المخاطر المتوازنة في علاقاتها مع الولايات المتحدة والصين.

تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة متواءماً مع نتائج انتخابات الكنيست الـ23 والتي افرزت صعود وسيطرة قوى اليمين الإسرائيلي على الخريطة السياسية في إسرائيل، ليفرض توجهاته في جميع القضايا الداخلية والخارجية، وخاصة الرافضة لحقوق الشعب الفلسطيني ، في اطار مشروع “الضم” لاراضي الضفة الغربية، بما يتلاءم ويتوافق مع “صفقة القرن”، في شقها الفلسطيني، والذي يتعارض مع الشق الثاني من الصفقة التي تبحث عن اعادة رسم تحالفات المنطقة من خلال تعاون إسرائيلي – عربي لمواجهة “الخطر الإيراني”، وهو الامر الذي ترفضه إسرائيل وبشدة متمسكة بحائطها الحديدي الذي يؤكد على “دورها الوظيفي”.

يتعامل نتنياهو وفق إستراتيجيّة واضحة لضم أراضي من الضفة الغربية المحتلة، بما يضمن إجهاض أي احتمال مستقبلي لإقامة دولة فلسطينية ، مستفيداً من الدعم والتأييـــد من إدارة ترامب والمشهد الدولي والإقليمي المنشغل في تداعيات جائحة كورونا والانقسام الفلسطيني. ووفق التقديرات فإن البداية ستكون بضم المناطق المحيطة بالقدس، وخاصة مناطق (ج)، على طريق ربط المستوطنات المُحيطة بالقدس في مركز المدينة ذاتها، والبدء في المستوطنات الكبيرة كـ”معاليه أدوميم” و”غيلو” وغيرهما من المستوطنات المُقاومة بين القدس والضفّة؛ بهدف ربط القدس الإسرائيليّة بمحيطها الاستيطانيّ وعزل القدس الفلسطينيّة عن امتدادها في الضفّة، وخاصة رام الله وبيت لحم.

أطلقت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تحذيرات من المخاطر الأمنية المحتملة في ضوء هذه التوجهات التي ستؤدي الى تدهور الأوضاع في الضفة الغربية وستنعكس على الاستقرار الأمني الذي تعيشه إسرائيل حاليا. خاصة في اعقاب وقف التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية وهو الامر الذي يفتح الباب امام احتمالات نشاط قوى إقليمية مثل ايران لاستغلال الفراغ الأمني لتعزيز نشاطاتها ضد إسرائيل وفتح جبهة واسعة وخطيرة ستمس بعمق الامن القومي الإسرائيلي.

وتسعى أجهزة الامن الإسرائيلية الى ربط مفاوضات التهدأة الجارية في غزة ومحاولة التوصل الى صفقة شاملة مع حركة حماس ، الى ربط هذا المسار بالأوضاع في الضفة الغربية ، من خلال دمج الضفة الغربية في هذه التفاهمات ، أي بضمان التزام حركة حماس بوقف العمليات العسكرية في غزة والضفة الغربية مقابل وقف إسرائيل عملياتها العسكرية في كلا المنطقتين. وفي مقابل وقف إطلاق النار، ستتلقى حركة حماس على الكثير من الفوائد الاقتصادية ومشاريع تسهم في تحسين الأوضاع الاقتصادية والإنسانية الصعبة في قطاع غزة، مع إمكانية الوصول الى اتفاق لفتح مطار وممر مائي في قطاع غزة.

التوترات الأمنية التي ستنتج عن قيام إسرائيل بتمرير مشروع ضم أراضي من الضفة الغربية لن تنعكس فقط على الأراضي الفلسطينيية وانما ستمتد اثارها الى المنطقة بأكملها ، حيث ستتسع مناطق نفوذ الجماعات الإرهابية التي ستستغل هذا الموقف لزيادة نشاطات استقطاب عناصر جديدة من أبناء المنطقة المعارضين لتلك المخططات الإسرائيلية وستتوجه الاتهامات الى الأنظمة الحاكمة في المنطقة والدول الأوروبية ما سيخلق بيئة مناسبة لتلك الجماعات الإرهابية لتتنفيذ المزيد من الهجمات الإرهابية لتقوية موقفها ومكانتها في المشهد الإقليمي والدولي. ويبدو ان الولايات المتحدة الامريكية ستسعى لاستغلال هذا الموقف لتعزيز الاضطراب الإقليمي بما يتناسب مع مصالحها الاستراتيجية وخاصة في مرحلة ما بعد كورونا التي تتوقع كافة التقديرات مشهدا دوليا مضطربا بصورة كبيرة .

وبينما تمر منطقة الشرق الأوسط بأزمة عميقة، في خضم صراع مضطرب حول النظام الإقليمي، وفي ضوء جائحة كورونا ستواجه الأنظمة في المنطقة صعوبة في مواجهة العواقب الأعمق التي تهدد بزعزعة استقرار الأنظمة ، ولن تكون إسرائيل بعيدة عن تأثير هذه التهديدات التي ستكون قريبة من حدودها، خاصة في ضوء تدهور العلاقات مع الأردن، خاصة في ضوء توجهات الحكومة الإسرائيلية لضم مناطق غور الأردن . وكذلك على صعيد الجبهة الشمالية التي لازالت تمثل معضلة حقيقية بالنسبة لاسرائيل؛ فما زال الجهد الاستخباراتي الإسرائيلي هناك مستمراً؛ ويأمل الإسرائيليون تعزيز التنسيق مع الروس، والحفاظ على الوضع الحالي، والمتمثل في بقاء نظام S-300 في أيدي الروس وعدم نقله إلى السوريين، مما يساعد على استمرار النشاطات المكثفة لقوات سلاح الجو الإسرائيلي ضد الوجود الإيراني على الأراضي السورية ، وصولا الى انهائها ، ما يحقق مصالح لكلا الطرفين الروسي والإسرائيلي. وستكون الحكومة الإسرائيلية المقبلة مطالبة بتطوير استراتيجياتها لمواجهة هذه التهديدات. ومن المرتقب ان يعزز الجيش الإسرائيلي جاهزيته على كل الجبهات : إيران وحزب الله في سوريا، والساحة الفلسطينية. ووضع استراتيجيات وخطط عملياتية مناسبة  لتعزيز التفوق النوعي والأمني لإسرائيل.

Download (PDF, 1.88MB)