د. يوسف يونس يكتب – قراءة في نتائج انتخابات الكنيست الـ22

0
144

الخلاصة :

 

حملت نتائج العمليتين الانتخابيتين الأخيرتين في إسرائيل دلالات كثيرة ، ولم يشهد النظام السياسي الإسرائيلي مثل هذا الغموض بعد الانتخابات العامة، منذ قيام اسرائيل، ويمكن اعتبار ان انتخابات الكنيست الـ22 خلفت “انفجار سياسي”، واصبح نطاق الفوضى أكثر وضوحًا ، يكرس الهوّة بين مكوّنات المجتمع الإسرائيلي وتنامي تضارب المصالح في ما بينها تهديداً لمستقبل الدولة وبقائها. وبيّنت النتائج حجم الشروخ الثقافية في المجتمع الإسرائيلي على القضايا الداخلية والمجتمعية والدينية والإثنية وانقسام المجتمع الإسرائيلي ، مع انزياح لصالح اليمين، سيما في المسائل الخاصة بالسياسة الخارجية والمسألة الفلسطينية.

التحولات اليمينية للسياسة والمجتمع الإسرائيلي على مدى العقود الثلاثة الماضية ، وازدياد الأفكار اليمينية؛ عززت التوقعات باستمرار هذه التوجهات المتطرفة وبوتيرة اعلى ، وفي ضوء انتخابات الكنيست الـ22، يتعزز احتمالات انفجار الصراع ، ما سيخلق البيئة المناسبة للتنظيمات الإرهابية لتصعيد نشاطاتها الإرهابية مستغلة تلك الأوضاع المتأزمة في الشرق الأوسط بصورة عامة والممارسات الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني بصورة خاصة. كما سيحول استمرار هذا الصراع دون نجاح المحاولات الدائمة على مدى سنوات لاحداث تقارب بين إسرائيل ودول الخليج؛ التي ظلت لسنوات غير راغبة في إقامة أي علاقات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية مع إسرائيل تضامنا مع الفلسطينيين، كما أن هذا النزاع أعاق جهود الولايات المتحدة لبناء تحالف فعال ضد عدوهم المشترك إيران.

قائمتي الحريديم، ورغم أن نسبة التصويت حافظت على ارتفاعها بمعدل 87%، مقابل 7ر69% نسبة عامة، فقد حققتا معا زيادة 91 ألف صوت، منها 71 ألف صوت لقائمة شاس، ما يعني أن مصدر الأصوات كان خارج جمهور الحريديم. اما قائمة يهدوت هتوراه، فقد حققت زيادة 20 ألف صوت، وحافظت على مقاعدها الـ 7، وجاء ذلك كرد فعل على التحدي الذي فرضه أفيغدور ليبرمان، بشأن قانون التجنيد الالزامي للشبان الحريديم.

بينما يخيم شبح إجراء انتخابات «إسرائيلية» ثالثة، خلال أقل من ستة أشهر، بسبب تمسك نتنياهو بكتلة أحزاب اليمين والتفاوض لتشكيل الحكومة على أساس أنها كتلة واحدة لا تقبل أحزابها التفاوض على انفراد. ويدعي الجميع رغبتهم في تفادي هذا الاحتمال خشية غضب الرأي العام الإسرائيلي الذي يَتهم الأحزاب السياسية بأنها تبحث عن مصالحها. ويظل هذا السيناريو واردًا، ما لم يتحرك ملف “نتنياهو” الخاص بالاتهامات الموجهة له بالفساد واستغلال النفوذ نحو القضاء. وما لم يغامر غانتس وليبرمان الى تشكيل حكومة ضيقة مدعمومة من العرب عنوانها وهدفها الرئيسي التخلص من بنيامين نتنياهو ، ولكن هذه الخطوة قد تؤدي الى أنهما سيكونان مضطران الى دفع ثمنا سياسيا باهظا في الانتخابات المقبلة. فتشكيل حكومة ضيقة بدعم من الأحزاب العربية يمكن أن يؤدي إلى التخفيف من حدّة سياسة الإقصاء والتمييز التي مارستها حكومات نتنياهو ضد المواطنين العرب، والتي بلغت ذروتها مع إقرار قانون القومية. ولكنها ستواجه بتعزز التوجهات اليمنية المتطرفة في الأوساط اليهودية وستسبب ازمة حادة على المدى المنظور في المشهد السياسي الإسرائيلي لكافة الأطراف الإسرائيلية.

بالرغم من ان سعى نتنياهو لرئاسة الحكومة القادمة، فقط للتهرب من اتهامات الفساد التي تلاحقه مستفيدا من الحصانة التي تتوفر لمنصب رئيس الحكومة، وبالرغم من تأكد أعضاء الليكود من هذا الامر ، الا انهم يتمسكون بقيادته للحزب ويعتبرونه مرشحا الحزب لرئاسة الحكومة القادمة، الا ان نجاح غانتس ليبرمان في تشكيل حكومة ضيقة مدعومة من العرب ستكون خطوة من شأنها ان تساعد على حدوث خيانة من داخل الليكود، وهناك الكثير من المتربصين لهذه الخطوة ، والتي ستفتح الباب امام احتمالية تشكيل حكومة وحدة وطنية بعد التخلص من نتنياهو.

نهاية عهد نتنياهو ، نهاية حقبة ونهج ونمط من الزعامة، وليست بالضرورة بداية توجهات سياسية جديدة مختلفة عن السياسة التي انتهجها، فمن تابع المعركة الانتخابية أخيرا لاقى صعوبةً في  العثور على فروق سياسية بارزة في المواقف بين الحزبين الكبيرين المتنافسين من مسائل أساسية، مثل مستقبل المناطق الفلسطينية المحتلة، والرؤية حيال التسوية السلمية، والموقف من “صفقة القرن”، أو من موضوع المستوطنات اليهودية. إذ يتلاقى الحزبان كثيراً في مواقفهما من مجمل هذه المسائل، أي رفض قيام دولة فلسطينية مستقلة، ورفض إخلاء مستوطنات، والتمسّك بالسيطرة على غور الأردن، وتشديد الحصار على غزة. مع ذلك، يمكن أن نعثر على فروق في صورة الائتلاف الحكومي المقبل المنتظر أن يشكله بني غانتس، طبعا بعد أن يقبل نتنياهو الاعتراف بهزيمته وإخلاء مكانه، فقد نشهد تراجعا في سيطرة أحزاب اليمين القومي المتشدّد التي ترفع شعار ضم “المنطقة ج” فوراً إلى إسرائيل .

أي حكومة إسرائيليه قادمة تدرك خطورة وإبعاد الموقف الإقليمي وجوهر الصراعات وانعكاساتها وتجنبت الدخول في حرب مفتوحة مع حزب الله وإيران ومهما كانت تركيبة الحكومة القادمة هي الاخرى غير مستعدة للحرب، وبالتالي فإنّ الحكومة المقبلة غير قادرة على تعديل موقفها والذهاب الى حرب، رغم التهويل الذي ستمارسه، لكن بالتأكيد ستسعى اسرائيل لرفع مستوى الحرب الامنية والصراع الاستخباري والأهم العمليات «الصامتة»، اي العمليات التي لا تحمل بصمات اسرائيلية واضحة رغم أنّ الشكوك ستتوجّه اليها.

كل المتنافسين على منصب رئيس الوزراء يتقاسمون نُهُجاً متشابهةً بالنسبة للأراضي المحتلة. فجميعهم: سيواصلون التوسع الاستيطاني، ويصرون على الحفاظ على السيطرة على غور الأردن وتمديد السيادة الإسرائيلية إلى هذه المنطقة والعديد من«الكتل الاستيطانية»، والحفاظ على ضم ما يشير إليه الإسرائيليون باسم «القدس الشرقية»، والاستمرار في تضييق الخناق على غزة. وفي الحقيقة، فإن بعض مواقف بيني غانتس، «الذي يُعد أمل الليبراليين»، هي أكثر قسوة من مواقف نتنياهو.

 

الدراسة كاملة