الشهيد علي ابو طوق أ. محمد قاروط (أبو رحمه)

0
82

حركة التحرير الوطني الفلسطيني ” فتح “/الصفحة الرسمية

 

يلبس اللحية السوداء الكثيفة الأنيقة، ولا يخلعها أبداً، تميز بلبسها على الدوام. بدلته العسكرية الخضراء كانت جزءاً من مكونات جسده، حتى يصل التفكير ببعضنا أنه قد ولد فيها، فهي لا تفارقه أبداً. كانت لحيته وبدلته تسير عكس تيار جيله، الجيل المثقف الذي أخذ من طول اللحية وشعر الرأس غير المرتب، وسوء منظر الهندام عنواناً له، ليدل به على نفسه أنه كثير العمل وليس لديه وقت لترتيب نفسه، وأنه مهتم بأمور أكثر أهمية من شكله الخارجي. مربوعاً، يسير كطائر الحجل، يقفز قفزاً لا تنتظر رجله اليمنى أُختها اليسرى، تحسب أن رجليه تسابق إحداها الأُخرى. عرجته الجميلة التي أحدثتها إصابة شظية،لا ترى بالعين المجردة، ولا يعرف بها إلا الذين خبروه، أضافت هذه العرجة لحجله ومشيته جمالاً جديداً. دائم الحركة وزيارة المواقع…الأمامية منها على وجه الخصوص، وبدون سابق إنذار أو مواعيد مسبقة.

علي أبو طوق بطل سبقنا إلى الجنة، بعرجته، ولحيته، وبدلته الخضراء، لا نزال نبكيه ونفتقده. كان يسبقنا في كل شيء، في الأخلاق والإخلاص بالعمل، والمثابرة، واحترام الرأي الآخر…، صدقوني كان يسبقنا في كل شيء. نفتقده، وتفتقده زوجاتنا وأولادنا.

إذا زارك في موقعك، فإنه أولاً يطمئن على التحصينات ويقول: الحفاظ على الذات أُولى مهماتنا، لا تجعلوهم ينالون منكم، وفروا شهداءنا للمعارك. ثم يزور المستودعات فيطمئن على التموين، نوعاً وكما ويقول: الأجسام القوية من التغذية الصحيحة، ثم إلى الذخائر والأدوات الأُخرى. يدور حول الموقع ويلتقط كل غيار داخلي مرمي، وكل بذلة أو حذاء أو وعاء للطهي… يأخذه معه، يغسله ويصلحه ويعيده جديداً ويقول: الحفاظ على ممتلكات الثورة هي أمانة في أعناقنا جميعاً فالذين لا يحافظون عليها لا يحافظون على رجالهم إنهم لا يحافظون على دماء الشهداء.

علمنا كيف يكون الفدائي نظيفاً، وكيف يستخدم فرشاة الأسنان، وكيف ينظف ملابسه، وكيف يعد لنفسه طعاماً، علمنا الاعتماد على ألذات في كل شيء. كان يقول الفدائي قدوة في كل شيء، حتى إذا لقي الله شهيداً يجب أن يكون نظيفاً شكلاً ومضموناً.

بين الحين والآخر، يأخذ معه أحد الأُخوة أو أكثر ويذهب بين الجبال حاملاً معه كيساً كبيراً، ويحفر بالأرض ويضع علامات ويدفن كيسه، ويرسم العلامات وعندما يسأل ماذا تفعل، يقول: أدفن ذخائر وطعام، سيأتي يومُ نحتاج فيه لهذه الأغراض… واحتاجوها…. أثناء حرب عام 1982 وما بعدها. كان يسبقنا في كل شيء، حتى الحفاظ على عائلاتنا. في إنجازاتنا كانت عائلاتنا تفاجئنا بأن علي أبو طوق زارهم ومعه آخرون، وسأل عن أحوالنا، وداعبنا بسؤال عن حسن العلاقة بيننا وبينكم، ويُفرغ حمولة السيارة من التموين الجاف، وفي كل مرة يعرض على عائلاتنا أموالاً. نفتقدك أيها الأخ الكبير، نفتقد شهامتك ووعيك، وصبرك وحكمتك، نفتقد من يزجرنا ويدفعنا إلى العمل. كان الشهيد مأمناً بالعمل الجماعي، وكانت قيادة الكتيبة عندما تتأخر عن الاجتماع الدوري، (أو الطارئ عندما يستوجب الأمر ذلك) يبقى منهمكاً ويعمل ليل نهار حتى يعقد الاجتماع، وعندما يعقد الاجتماع غالباً ما ينام، ونضحك، ونتركه نائماً حتى نهاية الجلسة فيستيقظ ويأخذ قلمه ودفتره اللذان لا يفارقاه أبداً ويدون نتائج الجلسة ويقول: هيا للعمل.

رجل غريب، ينام في اجتماع عمل جاهد لعقده، أظن أنه كان يعلمنا … إنه لا يستطيع النوم إلا بعد أن يكون مرتاح البال مطمئناً أن العمل الجماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن نتائج العمل الجماعي ملزمة للعمل حتى وإن لم تشارك في نقاش محتواه.

نفتقدك يا علي، أخاً وأباً وصديقاً وقائداً، ونفتقد عقلك في الإدارة، وفي كل شيء. في أواخر حياته كان قائداً لمخيم شاتيلا الذي استثهد به. كان المخيم محاصراً، واستمر حصاره طويلاً… أتعرفون أن علياً قد قام بالتحضير للحصار، قبل الحصار بوقت قصير، ولكنه لم ينسى شيئاًَ على الإطلاق حتى حفاظات الأطفال وفوط النساء الصحية خزنها، وكان يوزعها كما توزع الذخائر والمؤن. عند الإعلان عن استشهاده ودعته الجماهير الفلسطينية واللبنانية بقواها الوطنية والإسلامية. ولا تزال ذكراه عطرة. في أريحا ووفاءً له أطلق اسم الشهيد علي أبو طوق على مركز اللياقة البدنية وألعاب القوى، في مجمع ياسر عرفات للنشاطات المجتمعية (مجمع النشاطات المجتمعية سابقاً).

جار هذا المركز للجهة الشرقية، مركز الشهيدة نبيلة برير للتنمية البشرية والتدريب الإداري، وجاره من الجهة الغربية استاد الشهيد مروان كيالي. إن المركز الذي يحمل اسمه بين شهيدين سنظل نحمل أسمائهما ونعلمها إلى أبنائنا، سنظل أوفياء لهم ولجميع الشهداء.

 

الشهيد خليل الزبن يكتب عن الشهيد علي أبو طوق

قبل افتتاح المركز الذي أطلق عليه اسمه، كان من الضروري أن نضع صورة وسيرة ذاتية للشهيد علي، أوكلنا المهمة إلى الشهيد خليل الزبن فكتب الشهيد عن الشهيد في أيلول 2000 ما يلي:

ينتمي الشهيد البطل علي أبو طوق لأسرة حيفاوية عريقة في النضال. والده عبد سعيد أبو طوق. كان قسامياً ومن الفدائيين الأوائل في مجموعات الجهاد المقدس، ومن أبرز مساعدي القائد الفدائي (سرور برهم) والقائد الفدائي الشهيد الأردني (أحمد الحنيطي) في منطقة حيفا. ولد علي في سنة النكبة والتشرد عام 1948 في دمشق. عاش وتلقى دراسته الإبتدائية والثانوية في مدارس وكالة الغوث الدولية في دمشق وحمص.

بعد هزيمة حزيران عام 1967 انتقل مع أسرته من حمص في سورية إلى مدينة أربد في الأردن حيث أكمل دراسته الثانوية في مدارسها. التحق بتنظيم الحركة الطلابية بعد معركة الكرامة عام 1968. برز دوره التنظيمي والعسكري في أواخر عام 1969 وساهم في تأسيس اتحاد طلبة الضفتين، وكان بمثابة النواة الطليعية لقوات المليشيا في شمال الأردن.

ساهم بدور بارز في الدفاع عن الثورة والشعب قبيل وخلال وبعد أحداث أيلول عام 1970و1971. منذ عام 1972 تابع مهماته في إطار تنظيم طلبة الثانويات مستفيداَ من تجربته السابقة مع رفاقه في الأردن. عام 1973 التحق بالعمل محرراً في وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا” ومتابعاً دراسته الأكاديمية في جامعة بيروت العربية. خلال عام 1974 ساهم بدور فعال مع مجموعة العمل الطلابي في تنظيم الثانويات والجامعات اللبنانية بتشكيل نواة الكتيبة الطلابية.

خلال عام 1975 التحق بدورة كوادر قيادية سياسية وعسكرية في جمهورية الصين الشعبية. خلال انفجار الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 شارك مع قوات الكتيبة الطلابية في الدفاع عن الشعبين اللبناني والفلسطيني والمخيمات الفلسطينية في كافة أنحاء لبنان.

كان في طليعة المدافعين عن قوات الثورة والشعب في بيروت ولبنان، في مواجهة الغزو العسكري السوري للبنان وحصار بيروت عام 1976. برزت مواهب الشهيد علي أبو طوق القيادية في تجربة البؤر الثورية، وقلعة شقيف نموذجاً. خلال الغزو العسكري الإسرائيلي للبنان عام 1982، كان للكتيبة الطلابية دوراً مشهوداً في مقاومة الاجتياح، وبخاصة موقعة “قلعة الشقيف”. شارك في الدفاع عن وحدة الحركة والثورة والمنظمة في مواجهة المحاولات السورية للاستيلاء على “فتح” وشقها، كما شارك في معارك حصار طرابلس.

بعد الخروج من طرابلس، عاد علي أبو طوق إلى لبنان بجواز سفر جزائري وباسم “الهادي بن صالح” لمواجهة المنشقين والانعزاليين أعوان سورية وإسرائيل. خلال عمله السري في لبنان استفاد علي أبو طوق من شبكة علاقاته الوطيدة العسكرية والتنظيمية مع النواة الأولى لتنظيم حزب الله بحكم مسؤوليته وإشرافه المبكرين على تأسيس هذه القوات مكلفاً من القيادة الفلسطينية.

عندما أشتد الحصار عليه ورفاقه اعتصموا بالمخيمات الفلسطينية في بيروت وضواحيها وأقام علي مقر قيادته في مخيمي صبرا وشاتيلا، ومن خلال الأنقاض التي حولها علي ورفاقه المقاتلين إلى متاريس في مواجهة القتلة الجدد من ذوي القربى، صنع على ورفيقته آمنة والمئات من أبناء المخيمات ومن المقاتلين العرب واللبنانيين أسطورة صمود المخيمات في مواجهة حرب تدمير المخيمات التي شنتها قوات الردع السورية مع حلفائها المليشيات الطائفية وبخاصة حركة “أمل” وقوات المنشقين.

عام 1987 تمكن أعداء المخيم الفلسطيني من تشريك قذيفة مدفع أصابت الشهيد علي أبو طوق وعدد من رفاقه سقطوا بين شهيد وجريح، ومن بينهم مناضلين لبنانيين وعرب اعتصموا بعهد الوفاء للدفاع عن المخيمات وشعبها. خلال هذا العام وفي الأعوام السابقة يحرص أشبال ونساء ورجال وشيوخ وصبايا المخيمات على الاحتفال بتمجيد ذكرى رمز من أبرز رموز صمود وشموخ المخيمات الفلسطينية الشهيد علي أبو طوق المقاتل الناسك، والثوري الذي تماثل لتجربة الشعب الفلسطيني الطويلة والمريرة.

في ذكراك يا علي وقد علمتك، كما تعلمت منك فيما بعد، سنظل الأوفياء لمن سبقوك من شهداء الكتيبة الطلابية، سعد، وأبو خالد جورج، ومروان كيالي، وأبو حسن قاسم، وحمدي محمد باسم سلطان وراسم وقائمة طويلة من رواد تجارب “البؤر الثورية المقاتلة” أبو علي إياد، ونعيم، والحاج حسن. ولن ننسى خلال معاركنا الوطنية القادمة أن نسترشد بما زرعتموه في تلك الأرض العربية. من مآثر للشجاعة والبطولة والقيم الأخلاقية لحركة التحرر الوطني العربية والإسلامية والعالمية.

 

الشهيد ياسر عرفات في وداع الشهيد علي أبو طوق

استشهد علي أبو طوق في مخيم شاتيلا، أثناء عقد القمة الإسلامية في الكويت وعندما وصل خبر استشهاده إلى الرئيس الراحل ياسر عرفات، بكاه، وخرج من الجلسة.

أرسل رئيس القمة رجال الأمن لمعرفة سبب خروج الشهيد ياسر عرفات من الجلسة، عادوا وأبلغوه بأنه فقد قائداً عزيزاً، وأنه يجلس خارج المبنى وحيداً، رفع رئيس القمة الجلسة، وذهبوا إلى ياسر عرفات معزين، فتحولت القمة الإسلامية إلى بيت عزاء للشهيد علي أبو طوق.

 

يا أحبتي ويا أهلي

استشهد علي ولم يترك زوجةً تبكيه، فبكته أمهاتنا وزوجاتنا وبناتنا وأخواتنا، بكينه وأبكين من حضر مجالسهن. استشهد علي ولم يترك ولداً يدعو له بالخير، هذه مناسبة أن ندعو له جميعاً بالخير والبركة ونقرأ له الفاتحة.