البلقنة السايبيرية وعالَم ما بعد الحقيقة بقلم الدكتوره أماني أبو رحمة

0
196

انعكاسات صفقة القرن على لبنان

يبدو أن خصائص الإنترنت كوسيط أفادت، حتى الآن، أصحاب الأيديولوجيات الراديكالية الانعزالية أكثر بكثير مما أفادت في خلق مجال عامّ حقيقي وفاعل يسمح بتعزيز الوصول إلى الحقيقة وتعزيز الثقة بين البشر.

يخضع دور التطوُّر التكنولوجي في التأثير على الواقع للنقاش والمراجعة في كل حقبة تاريخية وبعد أي ثورة تكنولوجية. يرى والتر بنيامين، على سبيل المثال، “أن التقدُّم التكنولوجي يحفز بطبيعته التقدُّم الاجتماعي”. ويشدِّد ثيودور أدورنو، على أن “الابتكار التكنولوجي قد يعزّز الآيديولوجيات الرجعية مثل الفاشية”.

 

وهناك أيضا من يتوسط الرأيين، ويرى أن “الابتكارات التكنولوجية لا تملك فاعلية بحدّ ذاتها، إذ يمكن للفاعلين توظيفها لصالح تمكينهم وتحقيق أهدافهم”. وهناك من يتطرف ليرى أن “التكنولوجيا ليست مجرد أدوات سلبية في أيدي أولئك الذين يستخدمونها، ولكنها فاعلة بحدّ ذاتها”.

 

فيما يؤكّد أنصار المادية الجديدة “الاستقلال المتبادل للقوى المادية والثقافية-الحياتية والرمزية في صنع الممارسات الاجتماعية والسياسية”.

 

ومع ذلك، يمكننا أن نختصر ونقول إن تأثير التكنولوجيا على الواقع هائلٌ وغير محدود، إذ نادراً ما تتطور التكنولوجيا على النحو المقصود، فتطبيقاتها وتأثيرها لا يمكن التنبؤ بها. وبمجرد أن تكتسب قوة الدفع الأولية، يصبح من الصعب تعديلها أو الاستبدال بها.

 

يمثّل الإنترنت التكنولوجيا المميزة لعصرنا بلا منازع. وبعد انتشارها الكاسح منذ عدة عقود لا بد أن نسأل: كيف أثّرت الإنترنت على واقعنا، وأعادت تشكيل مفاهيمنا عن المعرفة والحقيقة والتواصل؟

 

فما نعرفه اليوم، بقدر مقبول من الشواهد، هو أن الإنترنت قد غيّرت مشهد الاتصالات المعرفية ككل.

 

يتم إنتاج المعرفة ونشرها وإدراكها من قبل الأفراد بطرق مختلفة جذريّاً، مما يؤدِّي إلى (بلقنة) تأثيراتها المحتملة على الواقع بكل أطيافه ومجالاته بصورة كبيرة.

 

والبلقنة مصطلح وُظّف لوصف تفتُّت جزيرة البلقان في أوروبا إلى دول صغيرة يناصب بعضها بعضاً العداء على أسس دينية وعرقية.

 

ولكنه أصبح يشير لاحقاً إلى أي تفتيت لمنطقة أو كيان إلى أجزاء صغرى متعادية. ومن هنا جاء مصطلح البلقنة السايبرية أو (بلقنة الإنترنت) ليصف: “الظاهرة التي يبحث فيها الأشخاص عن الآخرين الذين يشاركونهم التفكير نفسه فقط، ويبتعدون، بالتالي، عن المعارضة الآيديولوجية والفهم البديل والمناقشات غير المريحة”.

 

ينطبق هذا بشكل خاص على “Web 2.0″، حين حلت مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع التشاركية الأخرى محلّ مواقع الويب الفردية كوسيلة أساسية لمعظم الأشخاص للتنقل عبر الإنترنت، وأحدثت تطورات تفاعلية غير مسبوقة.

 

غيرت صعوبةُ غربلة الحقيقة والخيال في محيط لا قاع له من المعلومات السريعة المجزأة علاقةَ الفرد بالمعرفة بشكل أساسي. أصبح إدماج المعلومات التي تتوافق مع ما نعرف ونريد، وتجاهل المعلومات التي تتحدى القائم والراسخ في إدراكنا أسهل من أي وقت مضى.

 

بل إن إدراكنا أنه ليس بالإمكان الثقة بتيارات المعلومات الجارفة قد يعزِّز هذه المشكلة فتتحول الشكوك إلى عدمية واستخفاف بكل القضايا بسبب إزاحة “اليقين المعرفي”.

 

يصبح اللا يقين جزءاً من آلية تأكيد تحيزاتنا، ولا يمنعنا الاستخفاف والتهكم من إيجاد مجتمعات تتجاوب فوراً مع آرائنا الخاصة وتحيزاتنا لتبدو لنا شرعية وحقيقية في ما بعد. وهكذا يصبح من السهل علينا تطبيق شكوكنا بصورة انتقائية على الحقائق والروايات التي تناقض فقط نظرتنا الراسخة إلى العالم.

 

عالم ما بعد الحقيقة

تعمل مواقع التواصل الاجتماعي ومجموعات الإنترنت الفرعية المنغلقة على نفسها على تكثيف هذا التأثير من خلال القيام بعملية الفلترة، وتوظيف الخوارزميات أو الروايات الجمعية التي تحول دون تعرُّضنا لمعلومات غير متوافقة مع نظرتنا إلى العالم.

 

والنتيجة الإجمالية هي “تآكل الذاكرة والتعاطف والحساسية” من ناحية، ومن ناحية أخرى إضعاف قدرتنا على التأثير على الواقع بطريقة فاعلة، الأمر الذي دعا بعض المنظّرين إلى القول إننا نعيش في عالم (ما بعد الحقيقة) وإن تحوُّلاً جوهريّاً قد أصاب ذواتنا التي تَخلَّت عن العقلانية والموضوعية لصالح العاطفة.

 

كان مصطلح (ما بعد الحقيقة) هو مفردة العام 2016 في قواميس أكسفورد التي حددتها بوصفها ظاهرة “تشير إلى الظروف التي تكون فيها الحقائق الموضوعية أقل تأثيراً من دغدغة العواطف والقناعات الشخصية في تشكيل الرأي العامّ”.

 

ولهذه الظاهرة اسم يوناني قديم هو (إغناطولوجيا) أو علم التجهيل ويشير إلى الأفعال المقصودة والمتعمدة لإشاعة الحيرة والشكّ والخداع بين الناس بغية تحقيق مكسب أو بيع سلعة. يكفي أن نشير هنا إلى رواج مصطلح (ما بعد الحقيقة) في سياق الانتخابات الأمريكية الأخيرة ونقاشات البريكست لنفهم مغزى المصطلح ودقة توظيفه.

 

متى كان عصر الحقيقة؟

ولكن السؤال الذي يحرض عليه مصطلح (ما بعد الحقيقة) هو: متى كان عصر “الحقيقة”؟ متى كان الناس أكثر تحمساً للحقيقة من التحيزات الذاتية؟ ومتى كانت “الأخبار الزائفة” ليست لاعباً أساسيّاً في المجال العامّ (الصحف الشعبية، والصحافة الصفراء، وما إلى ذلك)؟ وفي أي حقبة كانت الأمور تجري بالاتفاق على “الحقيقة”؟

 

لا ندري على وجه الدقة متى كان ذلك، أو بالأحرى هل كان أصلاً؟! كل ما نعرفه هو افتراضات عامة تقول إن الحداثة أعلت من شأن الحقيقة والمعرفة الموضوعية وجوديّاً وإن اعترفت بعجزنا المعرفي عن امتلاكها، وأن ما بعد الحداثة شكّكت بها وجودياً ومعرفيّاً على حدّ سواء.

 

وهكذا، إذا كنا ما بعد حداثيين بما يكفي لنعترف باستحالة الوصول إلى حقيقة موضوعية، وسهولة تعزيز التواصل الدوغمائي، فسنصل أيضًا إلى فهم مشابه للأبعاد المعرفية للإنترنت.

 

سنلاحظ التشابه بين أنماط سلوك الجماعات الدوغمائية عبر الإنترنت وما أطلق عليه هابرماس “المجال العامّ الزائف”- مجتمع يحاكي جميع جوانب المجال العام التداولي العادي ولكنه في حقيقته يعتمد فقط على “أفعال تواصل طقسية” تعزز تماسك الجماعة من الداخل وعداءها لمجموعات أخرى.

 

بمعنى آخر، تحاكي المجتمعات الراديكالية الدوغمائية على الإنترنت النقاش الحر المفتوح كما لو كانت مجتمعاً ديمقراطيّاً تعدُّديّاً، لكنها في الواقع تعزّز التواصل فقط من أجل تحقيق التجانس الراديكالي ونبذ الآخر.

 

إن وسيط التواصل، من الناحية المثالية، هو “النقاش الحر بين شركاء متساوين” الذي يمثل أداة عقلانية” توفي بوظيفتها الديمقراطية، وتوفّر مساحة لخلق معايير شرعية، واختبار الحرية والتفاهم المتبادل”. ومن المفترض أن يكون المجال العامّ وسيطاً بين عالم الحياة اليومي والأنظمة الإدارية أو الاقتصادية.

 

إلا أن مجموعات الإنترنت تعمل بطريقة تعوق هذا النوع من التواصل. لم تعُد المجموعات تعتمد على التفاهم المتبادل للعالم، بل على الارتباط بمنظومة المعلومات نفسها. وبدلاً من كونها إدخالات إلى نظام المعرفة، تصبح المعلومات هنا تيَّاراً متواصلاً من المثيرات والمحفزات التي لا ترتقي إلى تحقُّق ممارسات تواصلية من أي نوع.

 

تتميز المجموعات الإنترنتية بالتوظيفات الدوغمائية والاستراتيجية للمعلومات أكثر من النقاشات، وتحفز إنتاج “حقائق” ودعايات وإشاعات مثيرة للحواسّ ومشحونة عاطفياً تؤثّر وتسيطر على تدفقات المعلومات ذات الصلة، وتستقطب، تبعاً لذلك، الساخطين والمتطرفين الذين هم على استعداد لتأكيد أو حتى اختراع سرديات عن الاضطهاد من قبل المجتمع السائد، وتوظيف السخرية والكراهية في مواجهة الآخر المختلف.

 

كانت هذه التكتيكات موجودة قبل الإنترنت بكثير، ولكن خصائص الإنترنت كوسيط أفادت، حتى الآن، أصحاب الآيديولوجيات الراديكالية الانعزالية أكثر بكثير مما أفادت في خلق مجال عامّ حقيقي وفاعل.

 

وسواء أكانت حقيقة موضوعية أم لم تكن، وسواء كان انحيازنا للحقيقة الموضوعية أو لتحيزاتنا يمثلان حقّاً اتجاهين مختلفين للسلوك الإنساني أو مجرد مبالغة في عملياتنا المعرفية الطبيعية، فإن الواضح اليوم هو ميل الإنترنت إلى تفضيل الفوضى و(البلقنة السايبرية)، حيث المجموعات المحصنة بالأسوار العالية التي يعادي بعضها بعضاً، مما جعله أداة بالغة الأهمية لأي مجموعة مغلقة تسعى لمعرفةٍ انتقائية توظفها للانغلاق على نفسها والترويج لسردياتها وخلق حالة من التجانس الفكري، أو لنقُل، لأي مجموعة تعادي الآخر ولا ترحِّب بالتنوُّع والتعدُّدية.