الضمان الاجتماعي والتضليل المقصود …! (1)- (2)

0
194

بقلم المحامي مصطفى شحادة

خبير قانوني في شؤون العمل والضمان الاجتماعي

من المعروف ان الضمان الاجتماعي اصبح حقاً اساسياً من حقوق الانسان بحسب الاعلان العالمي لحقوق الانسان ، وكذلك المواثيق الدولية ذات الصلة

كما ان الضمان الاجتماعي هو ايضاً حق دستوري للفلسطيني بموجب القانون الاساسي

بل ان الدولة ملزمة حسب المادة 22 في باب الحقوق العامة باصدار قانون للضمان الاجتماعي ، بل ان عدم اصدار هذا القانون هو تقصير دستوري يوجب المساءلة للحكومة.

واصبحت منظومةالضمان الاجتماعي تعتبر مكوناً اساسياً من مكونات الدول التي تحترم شعوبها سواء كانت دولاً متقدمة أو نامية ، بحيث صار الآن حوالي ثلاثة مليار انسان ينعمون بمظلة الضمان الاجتماعي على صعيد العالم .

ولا غرابة في ذلك فالضمان الاجتماعي يوفر الحماية والأمان الاجتماعي وهذا من شأنه ان يساهم في الاستقرار الاجتماعي والتقدم الاقتصادي للمجتمع ، اضافة الى ان الضمان الاجتماعي يحرر العامل من هاجس الخوف على مستقبله ومستقبل اسرته ، ويشعره بالاطمئنان في مجتمعه حين يجد من يتكفل به واسرته في مواجهة كافة المخاطر في حياته سواء كانت مخاطر مهنية أو فسيولوجية تتعلق بالحياة البشرية ، ويعجز عن العمل والكسب بفعل الشيخوخة او العجز او الوفاة ، او حوادث العمل او الامومة ، ( وغيرها عندما تتوسع المنافع كالمرض والبطالة والاعالة ).

اذن فغاية الضمان الاجتماعي هو اساساً لحماية العاملين والعاملات من الاستغلال والحاجة ، وتحريرهم من هاجس الخوف على مستقبلهم عندما يصبحون غير قادرين على العمل ، فهناك من سيتكفل بهم ويؤمن لهم دخلا يضمن لهم العيش الكريم كحق دستوري بدون الحاجة لأحد أو مد يدهم للاخرين بشكل مذل للتصدق عليهم .

وربما الضمان الاجتماعي في الواقع الفلسطيني تكون الحاجة له اكثر من الدول الأخرى ، لانه سيدخل كعامل مهم يساعد الفلسطيني على الصمود والثبات فوق ارضه ، في ظل الظروف الصعبة وغير المواتية التي يواجهها في مقاومة الاحتلال.

ومع ذلك تجد هناك من يرفض الضمان الاجتماعي كلياً لانه يعرف ان الضمان سيتعرض ليس لمصالحه المشروعة بل لتغوله واستمراره في استغلال العاملين والعاملات ، ولا يريد لأحد أن يقف في وجه هذا التغول البشع ، حيث يستهلك العامل في سنوات قواه وعطائه ، ثم يرميه على قارعة الطريق بلا اي حقوق عندما لا يكون قادراً او عاجزاً عن العمل.

فنجده يجند حملة من اشرس الحملات ضد الضمان الاجتماعي في حراك ظاهره وواجهته عمال ، ولكنه في الجوهر يعبر عن الرأسمال ولا يمثل العمال او مصالح العمال.

هذا الرأسمال الذي يتغول ويتنمر ويتصدر المشهد بغوغائية منقطعة النظير ، وينظم هذه الاحتجاجات الصاخبة التي لم يعودنا على مثلها في اي قضايا كانت تمس الوطن او القضية الوطنية ، يسعى لهدم الحماية الاجتماعية للعمال عبر اسقاط قانون الضمان الاجتماعي كما يصرحون.

وهم في سبيل ذلك يطلقون أسوأ الأوصاف على قانون الضمان مثل : ” ان الضمان أخطر قرار على أهل فلسطين “، وانه ” كارثة أصعب من أوسلو” ، وان ” الضمان بدو يدخلنا في الربا ويدخلنا جهنم ” ، وانه ” دمار اجتماعي ” ، وتلفيق ادعاءات ليس لها اساس ، وقلب الحقائق ، عبر دعاية مهيجة ، واللعب على مشاعر الناس بتصوير أمور يلصقونها بالضمان يرفضها الناس ، ساعين الى اقناع الجمهور برفضه ، لا يهمهم قول الحقيقة وانما اقناع الناس بما يريدون .

 

الضمان الاجتماعي والتضليل المقصود ….( 2 )

**************************

كتب غوستاف لوبون وهو مفكر وفيلسوف في كتابه الشهير ” سيكولوجية الجماهير ” : “ليست الوقائع هي التي تؤثر على الجماهير ، وانما الطريقة التي تُعرض بها الوقائع ”

 

والحقيقة ان ابطال ” فليسقط القانون ” عرضوا كل ما يتعلق بالقانون وبالضمان ، بحملة خداع منقطعة النظير وبشكل احترافي في التضليل ، وتشويه الحقائق ، والمغالطات ، والادعاءات التي ليس لها سند ، وقول نصف الحقيقة على طريقة ” لا تقربوا الصلاة “، والتعميمات المتسرعة والهاب مشاعر الناس بالالفاظ المشحونة ، وتجاهل المطلوب ، وتشتيت الانتباه عن المسائل الرئيسية ، فهم لا يهمهم قول الحقيقة

وحريصين على ابقاء مفعول التحريض ضد القانون وضد من أعد القانون وضد كل من يؤيد القانون ، قائماً وضاغطاً لتخويف الناس على أموالهم وتخويفهم من ازمات قادمة وخراب البيوت ان استمر الضمان

وعندما تكون استجابة الناس عاطفية ، فانهم عادة ما يعجزون عن التفكير الصحيح ، فلا غرابة ان نجد اناس يهتفون بلا وعي ضد مصالحهم ، بعد قولبة وعيهم

 

ومعروف في علم النفس انه يمكن جعل الناس ينفرون من فكرة ما باستخدام رموز يكرهونها او يخشونها ، وهكذا وصموا قانون الضمان بكل شئ سئ وقبيح ، ابتداء من انه دمار اجتماعي وان القائمين علي الضمان شلة حرامية يسعون لنهب البلد وافراغ جيوب العمال المساكين

والحقيقة ان هذه الاحتجاجات والفعاليات ليس عفوية وانما هي حملة منسقة بدقة وممولة جيداً ، فتجد المواصلات المؤمنة واليافطات والبوسترات والشعارات والميكروفونات ، واجهزة التصوير والبث ، والطواقي وحتى الوجبات التي توزع ، كما تجد انتاج الأغاني والفيديوهات والبرامج التي تبث على مدار الساعة والمساحات المخصصة عبر الاذاعات ، والصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي ، والمتحدثين ..الخ

ما يحدث هو صراع اجتماعي بأجلى صوره ، فاين تقف القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني والمثقفين من هذا الصراع ؟ هذا هو السؤال الآن.

 

(المحامي مصطفى شحادة -غزة)