4 أعوام على رحيل الشيخ العلامه المرحوم هاني فحص الصديق الكبير للثوره الفلسطينيه وحركة فتح

0
110

كتب هشام ساق الله – 4 اعوام مضت على رحيل سماحة السيد هاني فحص الصديق الكبير والوفي للثوره الفلسطينيه ولحركة فتح والذي وافته المنيه في بيروت هذا الرجل الذي التحق باكرا في صفوف حركة فتح ومن جسد تحالف المحرومين وكان له دور كبير في ربط العلاقه بين الثوره الفلسطينيه والثوره الاسلاميه في ايران قبل الاطاحه وبعد الاطاحه في شاه ايران وقد رافق الشهيد القائد الرئيس ياسر عرفات في اول رحله له لزيارة ايران بعد وصول الامام الخميني اليها وهو عضو في المؤتمر الدائم للحوار اللبناني، كذلك فهو عضو في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.

 

حين نكتب عن هذا المناضل الكبير ومذكر مواقفه وتاريخ حياته وننعاه لشعبنا الفلسطيني والامه العربيه فان هذا هو وفاء المناضلين والثائرين لهذا المناضل الثائر الذي وضع نصب عينيه القضيه الفلسطينيه وعمل لها الكثير الكثير لذك وجب علينا وفاءا لهذا الرجل الرائع ان نقوم بالحديث منه عن حياته ونضاله وتجاربه .

 

السيد هاني فحص (1946 – 2014 )، رجل دين مسلم شيعي، من رجال الدين القلائل عند الشيعة الذين انخرطوا في العمل الحزبي العلني، أديب وكاتب ومؤلف وناشط في المجتمع المدني، وداعية حوار بين الأديان، ومن أبرز المنظرين في مجال مقاربة الإسلام لمواضيع الحداثة المطروحة.

 

ولد السيد في بلدة جبشيت (النبطية) عام 1946، وتلقى الدراسة الابتدائية في القرية والمتوسطة في مدينة النبطية. تابع دراسته الثانوية و نال شهادة الدروس الثانوية (الموحدة السورية) كطالب حر. بعدها هاجر إلى إلى النجف (العراق) عام 1963 ودرس في حوزتها الدينية، ونال إجازة (بكالوريوس) في اللغة العربية والعلوم الإسلامية من كلية الفقه في النجف.

 

عاد من النجف عام 1972 ليستقر في بلدته جبشيت، وكان قد تزوّج في سنّ التاسعة عشر من السيدة (نادية علّو) وله خمسة أبناء ذكور وابنتان.

 

 

ترشّح للانتخابات الفرعية عام 1974 متحالفا مع كمال جنبلاط، ولكن سرعان ما انسحب من المعركة بسبب اعتراض السيد موسى الصدر آنذاك. عاد وترشح للانتخابات النيابية عام 1992 عن محافظة النبطية ولم يحالفه الحظ.

 

أشرف على مجلة النجف لمدة عام أيام إقامته فيها .

 

لدى عودته من النجف مارس عمله الديني إماما لبلدة جبشيت من العام 1972 وحتى العام 1975 ميلادي.

 

شارك في تأسيس وتفعيل منتدى ادباء جبل عامل مع عدد من الأدباء والشعراء الجنوبيين.

 

شارك في قيادة انتفاضة مزارعي التبغ المطلبية عام 1972.

 

في العام 1982 سافر إلى إيران مع عائلته وأقام فيها حتى العام 1985، عمل خلالها مستشاراً في مكتب إعلام الحوزة في قم، ومشرفاً على مجلة (الفجر)، كما أقام علاقات مع بعض المراجع فيها مثل الشيخ منتظري وغيرهم.

 

أيام وجوده في إيران سافر في بعثات خارجية مع الإيرانيين إلى الغابون ومدغشقر وكينيا والكاميرون في نشاطات تهدف لتسليط الضوء على القدس.

 

عاد من إيران عام 1985 ميلادي، وقد تخلّى بعد التجربة عن أفكاره القومية، وخاض في العام 1992 ميلادي الانتخابات النيابية في لبنان ولم يحالفه الحظ فيها.

 

بعد الانتخابات تفرّغ للحوار والكتابة والعمل الفكري والثقافي، فأسس مع سمير فرنجية (المؤتمر الدائم للحوار اللبناني)

 

يعتبر من الأعضاء المؤسسين للفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي، وكذلك من المؤسسين (للقاء اللبناني للحوار) كما انه عضو في الهيئة الشرعية للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وكان من المقربين للشيخ محمد مهدي شمس الدين.

 

كان عضوا في الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين واستقال منه بعد المؤتمر الأول.

 

عضو في أكاديمية أهل البيت في عمان في الأردن، وكذلك في منتدى الوسطية في عمان أيضا.

 

عضو مجلس إدارة و عضو مجلس أمناء مؤسسة ياسر عرفات الخيرية الثقافية.

 

 

مؤلفاته

 

له ما يقرب من الثلاثة عشر كتابا مطبوعا منها:

 

1.ماضي لا يمضي

 

2.ذكريات ومكونات عراقية

 

3.الإمامان الصدر وشمس الدين ذاكرة لغدنا

 

4.خطاب القلب

 

5.تفاصيل القلب

 

6.أوراق من دفتر الولد العاملي

 

7.مشروعات أسئلة

 

8.في الوحدة والتجزئة

 

9.ملاحظات في المنهج

 

10.المسرح

 

11.كتابات

 

12.الحوار في فضاء التوحيد والوحدة

 

13.الشيعة والدولة في لبنان

 

14.الهوية الثقافية

 

– الكتب غير المطبوعة:

 

أما الكتب والمؤلفات غير المطبوعة:

 

1.مرايا

 

2.ذاكرة الأمكنة

 

3.المعرفة والاختلاف

 

4.لبنانيات سياسية

 

5.في الوحدة

 

6.مقاربات نقدية

 

7.الشيعة في لبنان

 

8.دروس من الحوار.

 

توفي في بيروت إثر معاناته من مشاكل في الرئة ، وذلك في يوم الخميس 18سبتمير من العام 2014

 

انشر ما كتبه المرحوم سماحة الشيخ مقدمة كتاب اللواء محمود الناطور ابوالطيب

 

 

 

فتح.. بنت فلسطين وأمها

 

قراءة في أوراق الناطور أبي الطيب

 

هاني فحص

 

كان أبو الطيّب على الهاتف من عمان، أخبرني أنه سوف يرسل لي أوراقاُ هي مشروع كتاب لأقدم ملاحظاتي عليها.. وتوالت بيننا الرسائل حيث كان يوقع باسم محمود الناطور، حفظت الاسم الجديد علي، القديم على صاحبه أو أنه أصبح جديداً عليه أيضاً لطول ما هجره.. حفظته بالتكرار ولولا ذلك نسيته، كما كنت وما زلت أنسى أسماء الإخوة الفلسطينيين، الذين اضطرتهم فلسطين (التهمة الجميلة) إلى التخفي وراء أسمائهم المتعددة، بين الحقيقة والمجاز، إلى أن أصبح المجاز بالتقدم والمقاومة والصواب والخطأ حقيقة أخرى وأحياناً أرسخ.. أي أن الفلسطيني حقيقتان أو يملك حقيقتين، حقيقة الإنتماء، وحقيقة التاريخ، ما مضى وما يأتي، وما لا يقاس بالسنوات والأعمار، وعدد الشهداء، بل يقاس بالاستمرار والصبر والأمل، وبتدفق فلسطين على الذاكرة والحلم، دائماً، ليل نهار، وكأنها نهر قد انبثق لتوه، من صخرة بيت المقدس مربط البراق النبوي، وسقى النخلة ذات الرطب الجني غذاء للجنين البهي.. ليصب في غزة هاشم، وضوءاً للشافعي، وبللاً يشبه عرق العائدين من دورياتهم، يضمخ كوفية أبي عمار فتفوح عطراً، يسافر مع الفجر إلى حمام الوزير، ويملأ منه أبو جهاد، قارورة، يرسلها إلى والدة دلال المغربي، علها تغسل جراحها، وتنام ملء عينيها مطمئنة على شهيدتها.

 

قبلت العرض، مقدراً أني سوف أقرأ كلاماً في ما لا يزيد عن ثلاثمئة صفحة، وأني سوف أقرأه بمشاعر محايدة، وأنا أقرب إلى المجاملة، لأن حساسيتي الأدبية وتكويني الرومانسي الريفي، الذي ما زلت أحبه بالرغم من الضرائب والأوجاع التي تأتيني من جهته، كان ذلك، يعني أن هناك فرقاً نوعياً –غير قيمي- بيني وبين رجال منذ نعومة أظافرهم، وبدء الخشونة الضرورية، أو الزائدة أحياناً، في أظافر حركة (فتح) رجال اشتهروا بصفتهم الأمنية، بما تحمل أو تستدعي من انطباعات لا تلغي أهمية المنجزات والأنشطة التي ترقى إلى مستوى الضرورة وترتفع فيها نسبة الخطورة.. وماذا يمكن أن يكتب أبو الطيب، محمود الناطور سابقاً أو لاحقاً، والذي كان ينظر إلي كما أنظر إليه بتركيز شديد، للحظة أو لحظتين، مع قليل جداً من الكلام، من دون عداوة ظاهرة أو باطنة، وبسبب، ربما بسبب غموض أقر به، في فهمي للعمل الأمني، في حين قد يكون هو في حيرة من أمري، على أساس أنه مفهوم أن يكون رجل دين متعاطفاً مع ثورة ما وقيادتها، أما أن يراه أسبوعياً على الأقل في مقر عمليات (فتح) صاعداً نازلاً بين ضباط وعناصر (17) مع شيء من المودة المترددة، فهذا أمر قد يدعوه إلى الاستغراب، وقد كانت الاستمرارية هي التي خففت من هذا النوع من المشاعر.

 

كنت أجدني مضطراً إلى مسافة بيني وبين الأمن في (17) وغيره، من دون كراهة، ومع جاهزية دائمة للنقد البناء، ولكن أبا الطيب وجهازه، ووراء تفاصيل الحياة الأمنية بكل وجوهها واحتمالاتها، كانت له مهمة محببة، هي حماية حبة القلب، قلب فلسطين، قلبنا أو قلوبنا جميعاً، شاء من شاء وأبى من أبى، أبي عمار.. وهذا يعني أن اختيار أبي عمار للرجل، هو عن ثقة، ليس مصدرها منحصراً في الأمانة واليقظة في الحماية والاستعداد للتضحية، كما حصل أكثر من مرة، بل هناك أمور أو أنشطة أخرى، تتفرع عن الحماية الشخصية، وتتصل بحماية الثورة، حيث تستوي معادلة الجدل الفتحوي بين سلامة الثورة وسلامة قيادتها، بحيث تتمكن الثورة، حتى إذا حان وقت الشهادة، الرسوخ، وغاب القائد، أو غيّب، اشتد الوجع ولكن ديمومة الثورة، كانت قد أصبحت مسلمة، تتبدل من حين لآخر، مظاهر تجليها، ولكنها محكومة بوحدة الجوهر والمصدر والمسار.

 

ثم كانت مفاجأتي الكبرى، عندما قرأت المقطوعة الأدبية الشفافة والعميقة، التي أثارت غبطتي وغيرتي، قطعة أبي الطيب عن السيدة زوجته في لحظات شديدة الحرج، مع تفاصيل الخوف والحب والشوق ومرارات الحياة والإلحاح على الوفاء الذي يرقى بالعلاقات الزوجية إلى أعلى منظومات القيم الروحية والإنسانية والجمالية.. إذن فرجل الأمن له قلب!! بلى وله أصدقاء وأحباء وله أعداء، وهو يضحك ويبكي ويخطئ ويحزن ويشتاق ويحب ويتألم.. ويقرأ أدباً ويكتب، ويعيش قلقاً تفصيلياً، كل لحظة، في نومه وصحوه، وأنا أعيشه أقل منه، لأني لا أعلم به إلا قليلاً، فيفيدني جهلي به.. أما العلم بالخطر على الثورة وعلى القائد وعلى الإخوة، فهو دائم ومثير.. ولذلك فإن رجل الأمن الحقيقي، يتجهم، يقطع ضحكته في منتصف الطريق، ويبدو دائماً، وكأنه لم ينم لليلتين متواليتين، لأن العدو يعد العدة للشر.. وتزداد المرارة والقلق، عنما يكون العدو أخاً أو رفيقاً أو شقيقاً.. وهنا يحسن السكوت، من أجل عيون فلسطين. كما يحسن الاعتراف بأن هناك سراً فتحوياً، يأتي من كونها حركة الشعب الفلسطيني بكل ما فيه، ولذلك تنشط في جسمها حركة إنتاج المضادات الحيوية للخراب.

 

ولو كنت تراقب حركة فتح من بعيد، في زمن العواصف والزلازل، لخفت عليها أن تنهار صباح الغد.. ولكن ما يلبث أبو عمار أن يعود من سفره، حتى يحتشد حوله، من كانوا يرجمونه أمس مع من كانوا يدافعون عنه، ليتباحث الجميع في الشراكة من أجل تجاوز الأخطاء وتعويض الخسائر ومراكمة الإنجازات الصعبة دائماً، وإعطاء اهتمام قليل أو كثير، وإن كان غير كاف، لمعالجة الالتواءات ومظاهر التصدع المحصورة، على أساس القناعة الحقيقية، وإن كانت أحياناً مبالغاً فيها، فإن فتح جسم كبير ومرن يتسع ويتسع ويهضم، ويعيد التشكيل، ويستعيد التائهين.. ما جعلنا نقول عن خبرة ومشاهدة، بأن فتح عمارة، أو مدينة ـ يجد من يريد الدخول إليها أبواباً كثيرة مفتوحة على وسعها، أما إذا أراد الخروج، أو أراد أحد أن يخرجه، فإنه لن يجد باباً يخرج منه، فلا بد له من البحث عن ثقب في جدار ينسحب من خلاله، ليجد نفسه بلا مأوى ولا أهل ولا رفاق ولا قضية.. ويعود إلى بيت أبيه تائباً لا يخشى من إذلال.. إلا إذا تورط بالدم. كانت القطيعة هي الإجراء الأخير انتظاراً لعقوبة الله والتاريخ.

 

وأنا في حالة من هذه الهواجس، تذكرت خطأي، الذي تحول إلى وجع، وذكرني به أبو الطيب، أثناء حديثه المتكرر عن أبي حسن سلامة، فقد وقعت في خطأ وفقني الله للعودة عنه، عندما اكتشفت شخصية أبي حسن وإنجازاته، قبل استشهاده بسنة وعدة أشهر، وكنت أتهرب من العلاقة به والكلام معه، لأنه رجل أمن ويعمل بأسلوب مختلف عن أسلوب العقائديين الذين كنت مخدوعاً بهم.. نسيت، أو أنساني أهل الثرثرة والغيبة والفراغ أنه رافعة أمن فتح والثورة وفلسطين والقيادة والميدان.. وكان رحمه الله يعامل برودتي بابتسامة ناعمة وصمت.. هكذا كانت صورة أبي حسن في كتاب أبي الطيب نقية وغنية، وتقول لي أن الشراكة الأمنية، هي شراكة الخوف والحرص على القضية والشعب والثورة والقيادة والدم، ولذلك فإنها تحول المجال الأمني، إلى ما يشبه الرحم الجامعة.. لبشر يخطئون كما، أو أقل، مما يخطئ التطهيريون، الذين يتطهرون بسوء ظنهم بالآخرين، ولا يطهرون.

 

سوف أستمر هكذا في الكتابة، أي أني لن أكتب مقدمة تاريخية ولا وصفية ولا سياسية، لأن هذا الكتاب الحاشد بالذكريات الأليمة التي تدخر الفرح أو المفرحة فرحاً مشوباً بالألم.. يكفي.. وهناك كتب ودراسات تكمله، لمن يريد استزادة.. أما أنا فقد أعطاني هذا الكتاب أدلة إضافية على جمال وصعوبة جدل الثورة، جدل الإنسان والوطن، جدل النظام والحرية، جدل القتال والثقافة والسياسة، جدل فلسطين والعرب، جدل الماضي والمستقبل، جدل التنظيم والإبداع، جدل القيادة والقاعدة، جدل الهزيمة والنصر، جدل التراجع والتقدم، جدل الخطأ والصواب، جدل الانتماء والعصبية، جدل التعدد والوحدة، جدل الوطنية والقومية، جدل العروبة والأنسنة، جدل الدين والمدينة، وحوار كربلاء والجلجلة.. هل كان هذا كان موجوداً في حركة فتح؟ بلى وأكثر من ذلك، وكان فيها شوك كثير.. وشر أيضاً.. ولكن إصرارها على أن تكون بسعة فلسطين وتطاول عمر القضية في الماضي البعيد والحاضر المديد والمستقبل العتيد، جعلها مصنعاً حضارياً يحول الشوك إلى حارس للورد ويمنع الورد أن يغتر بلونه وعطره، إلا إذا استشهد، وحينئذ يحق لأهل الشهيد ورفاقه أن يحملوه إلى الجنة وأن يجعلوه ضمير الأمة وزيتونة فلسطين.

 

لقد توثقت علاقتي بأبي الوليد سعد صايل مثلاً صدفة.. لأكتشف أن صمته وعبوسه آت من عقله، ولو كان يعمل بإمرة قلبه فقط لابتسم حتى في نومه.. لقد اكتشفت الإنسان الرجل وجاءت صورته عند أبي الطيب لتؤكد لي أن عقلي أصاب كما أصاب قلبي في محنة أبي الوليد والحزن عليه.

 

هذا وبإمكاني وبودي أن أقول كلاماً كثيراً في القادة الأحبة، الشهداء والأحياء، الذين قال فيهم أبو الطيب كلاماً طيباً ويبقون مصدراً للطيبة والريح الطيبة، الآتية من دمهم الفلسطيني النقي وعرقهم الطاهر.. والذي أشعر بالامتنان فيه لأبي الطيب هو أنه وضّح لي ملامح وجوه ونفوس وأرواح من حركة فتح لم أكن على معرفة بتفاصيلها.

 

كأني أكتب عن كتاب في السيرة ! أبداً هذه الصور الجميلة لم يركبها أبو الطيب إلا من خلال الأحداث والوقائع.. وقد كان ليكون مملاً لو أنه أرخ بأسلوب أكاديمي.. أبداً لقد جاء هذا المزج بين الأحداث والأشخاص والأفعال والمشاعر سرداً محبباً، ألزمني بعد تردد بقراءة النص الطويل جداً، بسرعة لم أعتدها.. أنا لا أريد أن أقول أن أبا الطيب عبقري.. بل أريد أن أقول بأن أبا الطيب رمم ذاكرتي التي هي أكثر من سياسية.. هي نضالية، وقدم لي مسوِّغات إضافية لاعتزازي بفتح ولنقدي لها وغضبي عليها أحياناً ولأسباب تتصل بالماضي والحاضر وتقلقني على المستقبل.. لأني أريد لفتح أن تعالج أعطابها.. لأن فلسطين لا تستغني عنها. وأنا لا أحب فتح لأنها جميلة أو طويلة أو غنية، أنا أحب فتح لأنها بنت فلسطين التي تشبهها.. ولأنها أم فلسطين التي تشبهها. ولا أحب أن يتراجع الشبه بين فتح وفلسطين لأن في ذلك حراماً بيناً وشبهات لا تبعد كثيراً عن الحرام.. حرام على فتح أن تنسى جذورها.. ومن ينسى جذوره ينسى فروعه ومن ينسى ماضيه ينسى مستقبله.. أما ماذا نتذكر من الماضي.. فأنا أربأ بكل من أحبه أن يتذكر ما فسد من هذا الماضي.. وأن لا يتذكر إلا الجميل الذي يصلح لصناعة المستقبل. أما القبيح فلا نتذكره إلا لنتفادى تكراره.

 

تحية لفتح الوسطية.. التي أنتجتها الطبقة المتوسطة صانعة الدول والأوطان والعلم والتنمية والاجتماع والتاريخ والثقافة والتي إن مر الدين عبرها سلم.. ودين فلسطين المركب من أهلها وذاكرتهم وعيشهم المشترك وحلمهم المشترك، الساهر في المساحة الجميلة بين الأقصى والقيامة، ليذهب فجر الميلاد معاً إلى بيت لحم.. هذا الدين وجدته في حركة فتح عندما لم يلتفت أحد إلى عمتي السوداء كعلامة شيعية، بل كعلامة هاشمية عربية مسؤولة من دون امتيازات.. ولم ألتفت إلى أن أحداً من فتح بعيد عني لأننا مختلفان دينياً أو مذهبياً أو فكرياً.

 

قرأت كتابك يا أبا الطيب مخلاً بوعدي معك بأني سأقرأه قراءة عمودية استطلاعية.. قرأته لأنه أغرقني في تفاصيل غائبة.. وفي التفاصيل يكمن التعريف الحقيقي، المعرفي والميداني، لأي ثورة.. وأي قائد.. وأي عنصر بسيط يرقى ببساطته إلى مستوى قضيته فيصبح مثلها عظيماً.. هناك كثيرون يكتبون مادة أكاديمية راقية ولكننا بحاجة إلى من يكتب مادة سردية راقية أيضاً.. وجوانية.. كأنها شهادة، وسرديتك استفزتني حتى ملأت الصفحات بتعليقات لازمة وغير لازمة.. وبشكل فوضوي وقاس أحياناً، ولم أتوقف عن الكتابة.. انقطعت الكهرباء وانطفأ المصباح في أول ليل لبناني يبدأ فيه العد العكسي لفتنة سنية شيعية تشوه معنى الربيع العربي الذي لا يشوهه إلا بعض أهله أو الأدعياء.. هذا وفتح وقواتها ومنظمة التحرير ليست في لبنان، ولا أدري لو عدتم، وأنا لا أريد، لأني أريدكم أن تبقوا في فلسطين، في القضية لا في زواريبنا.. لو كنتم فهل كانت الفتنة قوية هكذا. ونحمد الله على سلامتكم من الأمراض اللبنانية المتفشية الآن.. وعلى أي حال، فقد خرجتم وبقيت فلسطين القضية ملجأً لنا نقول فيه أن لنا قضية مقدسة مهما دنسوا قضايانا الوطنية.. سلاماً يا أبا الطيب.. كتابك يستأهل المديح والنقد.. وأنا أمام النص الفلسطيني ضعيف وغير قادر على الموضوعية.. ولا أستطيع أن أمارس إلا نقداً ناعماً. وقد يكون مؤجلاً إلى وقت صدور الكتاب.

اترك تعليق :

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا