خان يونس بلدنا كتب : محمد سالم الأغا *

0
584

كــم حببـتُ مـن المـدائـن إنمـــا خان يونـس موقعهـا الحبيب الغالـي
أمـي هنا وأبـــي ومهـدُ طفـولتي ورفـــاق عمــري الراسخـون ببالـي
إنني أُحب خان يونس، وأحسب أنك تحبها مثلي، لذا أسمح لي أن أُلقي الضوء عليها، لتتضح الصورة أمام ناظريك، فقد عُرفت خان يونس بهذا الاسم نسبة إلي مؤسسها الأمير يونس النوروزي الدويدار المملوكي، فقد أقام هذا الأمير خاناً عام 789 هـ وفق 1387م علي شكل قلعة حصينة، لتكون بمثابة حصن، وليتخذها التجار نُزلاً لهم أثناء رحلاتهم التجارية بين مصر والشام، وما لبث أن أجتمع قرب الخان الناس الذين كانوا يقومون بخدمة التجار والتعامل معهم، ثم ظهرت حول هذا الخان محلة عامرة، ثم صارت قرية زاهرة، وأمتد بها العمران لتصبح مدينةً يشار أليها بالبنان، ومدينة صامدة في الوطن الفلسطيني، وقد نقش علي أسوار القلعة :
وألهـــــمَ اللــه دواداره يونس للخير وقصد جميل
وأثابه بما فعله بخان السبيل يبتغي به الأجر وحسن الثنا
عليه طول الدهر في كل جيل وتمـم الخـان لتسعٍ مضت
بعـد ثمـانين بعون الجليل وسبـع مئين لـذا أرخــو
وحسـبنا الـلــه ونعــم الـوكـيـل
ويحدثنا التاريخ أنه في عام 922 هـ كانون أول 1517م كان السلطان سليم الأول العثماني يُعد حملةً لغزو مصر من خان يونس، وكان معه وزيره الأول يونس باشا الذي أقترح تأجيل الحملة بسبب سوء الأحوال الجوية في ذلك الوقت، غير أن السلطان أصر علي تنفيذ الحملة وقتها . وأثناء عودة السلطان لعاصمة مُلكه، بعد فتح مصر وأثناء استراحة قصيرة في خان يونس، التفت السلطان إلي وزيره الأكبر يونس باشا وقال له: “أرأيت كيف أصبحت مصر الآن لنا..؟” فأجابه يونس باشا: “إن فتح مصر لم يعُد علينا بشئ إلا هلاك نصف جيشنا في الحرب وفي الرمال..! “فغضب السلطان سليم من رده الجاف، وأمر بضرب عنقه بالسيف..!، وتم ذلك فعلاً، ودُفن جثمان يونس باشا في 6 رمضان 923هـ وفق 1518م داخل أسوار الخان الذي أنشأه الأمير يونس الدويدار المملوكي .
كما يحدثنا التاريخ أنه في عام 1213هـ الموافق1799م وصل نابليون “رفح” في طريقه لغزو سوريا، وكان القائد “مسيو كليبر” قائداً لجناح من أجنحة الجيش الفرنسي الغازي، في مقدمة الحملة، و”القائد مسيو لان” في مؤخرة الحملة، وتبعهم نابليون، إلا أنه لم يعثر علي جيشه، لأن الحملة كانت قد ضلت طريقها، وفي خان يونس وجد نابليون نفسه تائهاً مع نفر قليل من جنده فعمل علي إعادة تنظيم جيشه التائه، و واصل حملته علي بلاد الشام، ولو أن أهل خان يونس اكتشفوا حقيقة نابليون وقاموا بقتله .. لتغير مجري التاريخ من خان يونس .
ويروي تاريخنا الوطني أنه لما اتسعت الحركة الوطنية الفلسطينية العربية ضد العثمانيين بقيادة الشيخ ظاهر العمر وأبنائه واستمرت ثمانين عاما خلال القرن الثامن عشر وأمتد نفوذهم من حدود جبل عامل شمالاً إلي أطراف جبال القدس جنوباً ومن البحر الأبيض المتوسط غرباً إلي جبل عجلون شرقاً، وكانوا يحكمون وفقاً للتقاليد القبلية. فقد أيد مؤسسو عائلتنا الكريمة خليل أغا جاسر حاكم قلعة خان يونس وزعيمها آنذاك، وشقيقة عبد الرحمن أغا جاسر ووقفوا إلي جانب الشيخ ظاهر العمر و الحركة الوطنية و إقامة دولة فلسطينية 1774م، وكان نتيجة وقفتهما هذه، إعدام خليل أغا جاسر وعبد الرحمن أغا جاسر، وبذلك يكونا أول شهيدين يقاومان الاحتلال العثماني، رحمهما الله ورحم كل شهداء الحركة الوطنية الفلسطينية علي مدار الأيام والسنين .
ويحدثنا التاريخ أيضاً: أن البريطانيين عندما قاموا بالاستيلاء علي رفح في 9 يناير 1917م بقيادة الجنرال أللنبي واحتلالهم لخان يونس، أخذوا بالاستعداد للزحف علي مدينة غزة حيث دارت معركة حامية بين القوات البريطانية والقوات العثمانية، ما أدي إلي تراجع الإنجليز إلي خان يونس، ومنها انطلقوا مرةً أخري لاحتلال غزة، فتم ذلك في بداية فبراير1917م، وفي هذا الأثناء تمكن الجنرال أللنبي الذي كان يقود الحملة من مد سكة حديد ربطت مصر بفلسطين حتى وصلت إلى مدينة غزة في مارس 1917م، وتشير علامات الكيلومترات المسجلة بمحاذاة خط السكة الحديد، أن المسافة بين رفح وخان يونس هي “9” كيلومتر وبين خان يونس وغزة ” 25 ” كيلومتر .
كما يروي تاريخنا الوطني، أنه لما اشتدت المقاومة الفلسطينية للاحتلال البريطاني ومشروعه الصهيوني بإقامة دولة لليهود في فلسطين، خاضت خان يونس مع شقيقاتها المدن والقري الفلسطينية مقاومة عنيفة ضد البريطانيين، لهذا عاقب الإنجليز أهالي خان يونس وسكانها بإبعاد العديد من مناضلي “قلعة برقوق” إلي منطقة “سمخ” بطبريا وكان منهم المرحومون عمي الشيخ سعيد حمدان الأغا أمام جامع خان يونس الكبير والحاج سليم حسين الأغا، والسيدين عبد الرحمن الفرا ومصطفي الفرا ، كما أُبعد المرحوم الشيخ فهمي حافظ إلي منطقة ” الحولة ” وكان في ضيافة آل الرفاعي أقارب زعيم الحولة .
وبعد نكبة فلسطين عام 1948م التي نتجت عن المؤامرة الصهيونية لاغتصاب فلسطين وطرد أهلها وشعبنا الفلسطيني بالقوة الغاشمة وبعد الحرب الإسرائيلية الحاقدة والظالمة ضد الشعب الفلسطيني، والتي أدت الي تهجيره قصراً عن وطنه، فتحت خان يونس صدرها لأبناء شعبنا الجريح الذين طُردوا من تسعين قرية ومدينة، لتضمهم بين حناياها ليطرزوا ألوان الطيف الفلسطيني الوطني وما زالوا .
وعندما وقع العدوان الثلاثي علي مصرنا الحبيبة وقطاع غزة في نهاية أكتوبر1956م قامت خان يونس بمقاومة العدوان وقاتل المدافعون عنها بشرف وشجاعة أذهلت الأعداء فقام اليهود الصهاينة بارتكاب مجزرتهم الحاقدة علي شعبنا الأعزل في 3/11/1956م ولم تسلم أسوار قلعتها وشوارعها وكل حاراتها من كيد الحقد الصهيوني، فأسفرت هذه المجازر عن ارتقاء أكثر من خمسمائة شهيد، كان من بينهم خمسة شهداء علي ما أذكر من عائلتنا الكريمة هم: الشهيد المرحوم الحاج مصطفي أبو عثمان، والشهيد المرحوم خليل “أبو وائل”، والشهيد المرحوم فضل سليم “أبو عطا”، والشهيد المرحوم عودة مصطفي حسين “أبو حمدي”، والشهيد المرحوم حسونة جاسر حسن الأغا، كما خلفت مئات الأرامل والأيتام وآلاف ألجرحي و مئات المعاقين، هذا ولقد أُجبر العدو الصهيوني علي الانسحاب في 7/3/1957م بضغوط دولية، لم نري مثلها في حرب حزيران، رغم صدور قرارات الأمم المتحدة،242 و338 وغيرها من القرارات .
أما حرب الخامس من حزيران 1967م، فكان لخان يونس دوراً مميزا في مقاومة العدوان والتصدي له بمقاومة باسلة وشجاعة، شهد لها الأعداء قبل الأصدقاء حيث أنها المدينة الوحيدة من القنطرة المصرية حتى القنيطرة السورية التي صمدت في وجه العدوان الإسرائيلي ستة أيام، ما دعا الصهاينة والاستعماريون بتسميتها بحرب الأيام الستة، وعاشت خان يونس 27 عاما تحت الاحتلال الإسرائيلي البغيض، مقاومةًً ورافضةً له بكل العنفوان والشجاعة فكان لا يمر يوم إلا وهي تودع حبيبا وعزيزاً شهداء الي جنات عرضها السموات والأرض، كما شاركت في أنتفاضة شعبنا الفلسطيني الأولي 1987م، وارتقي أثنائها مئات من الشهداء، وآلاف من الجرحي والمعاقين .
ولا زلنا نذكر انتفاضتنا الأولي 1987، التي قضت مضاجع أعدائنا، وألهبت النيران تحت أقدامهم، وجعلتهم يعترفون لأول مرة بحقوقنا الوطنية وهنا لا بد من الإشارة لحادثة بات الكل يعرفها، وهي أن الجنرال إسحاق رابين وزير الحرب الإسرائيلي في أحد جوالاته، كان يتفقد قواته في قطاع غزة، ومر بسيارته المصفحة من خان يونس فانهالت عليها الحجارة من فوق سطح الجامع الكبير وكاد يلقي حتفه في مدينتنا الباسلة، ويومها جعلته خان يونس وجباليا وغزة ورفح وكل قطاع غزة ان يتمني من ربه “أن يصبح ويري البحر قد أبتلع غزة وكان يقصد قطاع غزة”، هذا ولقد أجبر شعبنا مُحتليه الصهاينة وقطعان مستوطنيه من الهرب والانسحاب من قطاعنا الحبيب صباح الخامس والعشرون من مايو 1994م وتوقيع اتفاقية أوسلو وواشنطن والقاهرة مع الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني م. ت.ف.كما أجبرته انتفاضتنا الثانية علي الانسحاب من كل قطاع غزة في منتصف شهر سبتمبر 2005م.
وفي النهاية، ولا نهاية بيننا بإذن الله لا بد أن أُشير الي أن أهل خان يونس عرفهم كل من تعامل معهم، بأنهم متمسكون بعاداتهم العربية والإسلامية، وهم كرماء لضيوفهم، محافظون علي تقاليدهم، وشعائر دينهم، ولعائلاتهم دواوين ومجالس يجتمعون فيها في مناسباتهم ويحلون فيها مشاكلهم إن وجدت، ويمثل ديوان آل الأغا بالقلعة أحد رموز خان يونس عند كل عائلاتها الذين يبادلونهم الود والمعروف، وعلينا جميعاً أن نحافظ علي هذا الإرث الطيب الذي تركه لنا الآباء والأجداد، حتي نكون ” خير خلف لخير سلف ” فكلكم أجاويد أبناء أجاويد وها هم أبنائكم وأخوتكم يشاركون لليوم شعبهم الفلسطيني مقارعة المحتل الإسرائيلي ويشاركوه انتفاضته وهبة وغضبة القدس وأقصاها ومسري نبينا محمد صل الله عليه وسلم.
وأخير، لا يخفي علي أحدِ منكم أن خان يونس كأحدي مدن فلسطين عاصرت جميع الظروف التاريخية التي مرت بفلسطين، فأنها وتاريخها جزء لا يتجزأ من تاريخ الوطن الفلسطيني .
• كاتب وصحفي فلسطيني
* m.s.elagha47@hotmail.com
علي صفحتي أخي أبو شفيق