مقال ممنوع من النشر فتح صراع الوظيفيون والثوريونبقلم : حسام ابو النصر

0
511

لا احد يختلف على ان حركة فتح نشأت بالأساس كحالة ثورية بكل مكوناتها منذ الانطلاق وكان لها اهداف واضحة ومحددة من اجل التحرير الوطن وطرد الاحتلال الاسرائيلي الاحلالي ، وقد ساهمت شخصيات ثورية في استقطاب الحشد الجماهيري من خلال كاريزما عنفوانية اقنعت الشعب الذي وقع بين الحركات اليسارية والقومية انذاك ثم الاسلامية فيما بعد ، فكان لابد لوجود حركة تستطيع ان تكون بمستوى هذه التحديات الفكرية وتتحدى هذه الافكار لإقناع الملتحقين بمبادىء وقوة الحركة ، ويرجع الفضل في تحقيق ذلك للثوريين في حركة فتح ، لكن وراءهم كان هناك جيش من الوظيفيين الموكلة لهم مهمات توفير اللوجستيات وأساسها المال والإدارة وما يلزم من مقومات الاستمرار وبتوفير امكانيات تحقق المنطلقات الثورية في المقاومة .
ومع نهاية الثمانينات فقدت الحركة كبار الثوار من خلال الاغتيال الجسدي في محاولة لوأد افكارهم التي انتشرت كالنار في الهشيم وبوصول اول التسعينات ولم يبقى سوى رمز الثورة ياسر عرفات وعدد من رفقاء الدرب ، وكان ابو عمار يمثل رمزية النضال والثبات التي تأجج مشاعر الفتحاويين وتطمئنهم ، وبالتوازي اخذت قوة الوظيفيون تتنامى في الحركة حتى سيطروا على زمام الامور فيها وفي منظمة التحرير بالاشتراك مع بعض الوظيفيين اليساريين وشمل ذلك تغلغل في مؤسسات وإدارات واقاليم ، خاصة بعد تأسيس السلطة فقد قام هؤلاء الوظيفيون بعملية بناء وتحويل العمل الجماهيري الى الشكل الاداري بطريقة خفية فيما الظاهر الثوري كان يتمثل في وجود الرمز ياسر عرفات وانصاره الباقون ، بل وأزاح الوظيفيون الثوريين وقيادتهم من القرار وعملوا على تأطير بعضهم لتحويلهم الى الحالة الوظيفية المهنية المادية والانتقال من مرحلة التطوع في الحركة الى اعتلاء وتقلد المناصب والكسب والامتيازات ، فيما استبعد ثوريون اخرون رفضوا هذا التوجه وتمسكوا بالمنطلقات ورفضوا العودة بعد اوسلو ومنهم من اكمل في المشروع مع ياسر عرفات تحت شعار اوسلو مرحلة نقل المعركة الى الداخل .
لكن الوظيفيون كانوا يؤمنون ان نهاية المطاف هي السلطة التي تعني الدولة ، ويبقى التفاوض على شكلها مؤقتا وفق حالة ادارية للصراع وليست ثورية مسلحة بما يتناقض مع منطلقات الماضي .
وبعد رحيل ياسر عرفات حكم زعيم الوظيفيون الرئيس محمود عباس بقوة وحزم فيما كثيرا من الثوريين غابوا عن المشهد ومنهم من غيب ومنهم من حاول الحفاظ على وجوده داخل اروقة الوظيفيين كي يحمي ما تبقى من حالة جماهيرية التي تتغذى على مبادئ ثورة فتح بالأصل وهي وقودها وليست مؤسساتها لأنها حركة شعبية جامعة مرنة في التأطير والسلوك وهذا كله عاد بسلبيات كثيرة إلا انها كحركة حافظت على جمعها وحشدها وتأثيرها الفكري .
واليوم نحن امام ارثين يتمثل اولهم في الثوريين وهم ابناء وأحفاد الثورة الاولى والذين ما زالوا مؤمنين بالحركة كعنفوان نحو التحرير ومنه خرج الجيل الذي ينتمي للانتفاضة الاولى والثانية وشكل حالة من التوازن ارعبت الوظيفيون وأكدوا انه لا يمكن تحييدهم عن المشهد باعتبارهم حالة وطنية لا يرتبطون بمصالح وظيفية بالوطن وغير مقرون نشاطهم الوطني بوقت محدد وانتفاع من الحركة ، فيما هو حال كثير من مؤسسات الحركة التي يسيطر عليها الوظيفيون وهو الارث الثاني وهذا ما اختلف عنه اجنحة فتح الثورية التي لا تنام من اجل الدفاع وصد أي هجوم احتلال في أي مكان وزمان دون مقابل .
وبالتأكيد بعد غياب زعيم الثوريين وما بعد حكم الرئيس ابو مازن اصبح السؤال الاكبر كيفية رجوع الحركة لأوجها خاصة مع تنامي قوة الحركات الاسلامية على راسها حماس ، وبذلك اصبح لابد من رجوع الثوريون الى سدة قيادة الحركة وبالتأكيد سيعيدون زمام الامور الى نصابها بقوة جديدة خاصة ان تيار الانتفاضة الاولى وصولا الى قيادة الانتفاضة الثانية ورمزها مروان البرغوتي يشكلون لبنة الثوريون الجدد رغم من خانهم وتحولوا الى الوظيفية ، وإذا حكم الثوريون سيعود الوظيفيون الى وظائفهم وعملهم الاداري في كل مؤسسات القرار داخل الحركة الذي لا يمكن له ان يرتقى لمستوى الحكم ، فمهمتهم لعب دور ثاني لإنجاح مهمة الدور الاول للثوار مما يخلق حالة توازن مهم ، فيما الثوريون لا يمكن لهم لعب الدور الثاني خاصة في هذه المرحلة الحساسة . وبتأكيد ان الرئيس محمود عباس استطاع تحقيق حلم الوظيفيون في حكم الحركة باعتباره من القيادات التاريخية وهو مؤسس هذه العقيدة والفكر داخل فتح وحاول استقطاب البعض لتحويله الى الوظيفية ومنهجيته المؤسساتية لا الثورية ، وفي الحالتين هما شكل نضالي مع تفاوت في القدرة على قيادة وتحقيق الهدف مصحوبة بسلبيات مصالح الوظيفيين ، فالأصل في الموضوع عدم وجود دولة حقيقية المعالم وفق استحقاقات عام 1967 وعودة اللاجئين على الاقل ، وهذا لا يسمح بحكم الوظيفيين على حساب الثوريين الذين يعملون بشكل علني على تحقيق المشروع السياسي الوطني الفلسطيني ، فيما الوظيفيون يريدون ادارة دولة قبل نهاية الثورة وهذا الذي ادى الى تراجع الحركة وأداءها بالشكل السلبي ، ولكن بالشكل الايجابي ادى ذلك الى تقدم فرص الثوريون الذين يطمحون لإعادة حكمهم والإمساك بزمام الامور من جديد على يد الثوريون الجدد لتحقيق حلم الوطنيين بالتحرر .