التخلي عن المناضلين وتحويلهم إلى حالات وأرقام اجتماعيه لا يخدم عدالة قضيتنا

0
81


كتب هشام ساق الله – هزتني كثيرا رسالة الدكتور عدنان جابر هذا المناضل الشجاع الذي قام بطرح قضيته العادلة عبر وسائل الإعلام ورسالة قام بتوزيعها موجهه للرئيس محمود عباس ووزير الأسرى والمحررين عيسى قراقع يشكو أوضاعه الخاصة ويحذر من تحويل قضايا المناضلين الأبطال الى قضايا اجتماعيه .

محاوله قوبلت بالرفض والتصدي من الأسرى واسر الشهداء بتحويل قضايا أبنائهم الى قضايا حالات اجتماعيه لإرضاء الغرب الذي يدعمون السلطه ومحاولة للخجل من تاريخنا وماضينا القديم الذي هو ارث يتوجب ان نفتخر فيه ونعتز لأننا مارسنا حقنا بالكفاح المسلح وحقنا بالدفاع عن أوطاننا التي تسلب بكل الوسائل .

وزارة الشئون الاجتماعية هي وزارة ترعى الفقراء والحالات ألاجتماعيه وليس لها أي دور بأسر الشهداء والجرحى والمعتقلين والمحررين فهؤلاء لديهم الجهات التي ترعى دورهم وتحترمهم وتقدر عاليا دورهم النضالي وتضمن لهم دخلا يليق بهم وبنضالهم .

التجربة الجزائرية الرائدة في رعاية المجاهدين والثوار الذين شاركوا بثورة استقلال الجزائر أقامت لهم وزارة أسمتها وزارة المجاهدين أعطت كل واحد منهم حقه بالتعلم والتأهيل والعمل والحصول على بيت وعمل وأعطت الفقراء منهم حالات اجتماعيه وافتخرت بكل واحد ناضل من اجل تحرير الجزائر .

كذلك السلطة الفلسطينية ومنذ بدايتها على الرغم من ازدواجية المهمة التي قامت بها الأخت انتصار الوزير كونها وزيرة الشؤون الاجتماعية ورئيسة مؤسسة اسر الشهداء إلا إنها كانت تناضل من اجل فصل قضايا الشهداء والجرحى والأسرى عن الحالات الاجتماعية الفقيرة .

فالمناضل الدكتور الأسير المحرر الجريح عدنان جابر في 5 حزيران 1969، وكان عمري 17 عاماً قمت بطعن ثلاثة جنود إسرائيليين أمام الحرم الإبراهيمي في الخليل بسيخ كباب صنعته في المدرسة المهنية، وأصبت برصاص الحاكم العسكري الإسرائيلي وجنوده في رقبتي وقدمي اليسرى التي لا يزال فيها حتى الآن 60 شظية من رصاص “الدمدم” المتفجر، والجرح فيها بعد مضي 42 سنة لم يلتئم. وقضيت في سجون الاحتلال سبع سنوات ونصف ثم تم إبعادي من سجن بئر السبع إلى الأردن بتاريخ 29-11-1976. ومن قبيل الدعابة أطلق علي بعض زملائي من الأسرى لقب “عدنان السيخ” فأقول لهم: نعم، ولكن سيخ فلسطين وليس سيخ الهند!

فقد تم اعتمادي كمتضرر برتبة نقيب من قبل منظمة التحرير الفلسطينية، براتب 150 دينار وبعد سنوات طويلة أصبح بعد الزيادة العام الماضي 250 دينار، في المقابل هناك العديد من الأشخاص تم اعتمادهم برتب عالية تصل إلى عميد، وبرواتب عالية جداً، وهم لم يخدشوا جندياً إسرائيلياً، ولم يقدموا للوطن، ولا يمتلكون الكفاءة التي أمتلكها، أنا وأمثالي.

فإنني أطلب منكم يا سيادة الرئيس الأخ أبو مازن، ويا سيادة الوزير والزميل الأخ عيسى قراقع، ويا من يهمهم الأمر ما يلي:
1- توفير وظيفة لي في إحدى السفارات الفلسطينية في أوروبا أو العالم، فأنا فضلاً عن شعوري بعدم الإنصاف في قضية الرتب والرواتب التي تحدثت عنها سابقاً، أشعر بعدم الإنصاف في قضية الوظائف. فعدا عن تاريخي النضالي الذي يعرفه الكثيرون، لدي شهادة أكاديمية وكتب وأبحاث وأربع لغات(العربية، الإنجليزية، البلغارية، والعبرية) وهناك بعض العاملين في السفارات الفلسطينية في العالم لا يعرفون لا الإنجليزية ولا لغة البلد الذي يعملون فيه، وحتى لغته العربية ضحلة وركيكة، كما أن هناك العديد من العاملين في السفارات الفلسطينية لا يهمه سوى الراتب الذي يتقاضاه، أو العمل في التجارة، وقد اعتاد أن يكون موظفاً أو دبلوماسياً في سفارة، وهو لا يعنيه، بل ليس مؤهلاً لخدمة فلسطين وقضيتها وثقافتها.

وما يضفي على طلبي هذا من المشروعية والإصرار على الإنصاف هو الشعارات التي يرددها العديد من المسؤولين الفلسطينيين عن ضرورة الوقوف والتضامن مع الأسرى وقضاياهم، خلف القضبان وما بعد خروجهم من السجن، فأنا أسير سابق وأطالب بأن يتم تطبيق هذه الشعارات على الأسرى، وأنا واحد منهم، في الرتب والرواتب والمناصب والوظائف، فعلاً وعلى أرض الواقع.

إنني كمناضل وأسير وكاتب فلسطيني أصارحكم القول بأنه في خضم العدد الكبير للفصائل الفلسطينية، والتي يصعب على أي عجوز فلسطينية أو طفل فلسطيني تعدادها وحفظ أسمائها، فإن حزب فلسطين هو الأضعف بين هذه الفصائل، كما أن علم فلسطين هو الأقل حضوراً بين بحر الأعلام الفصائلية. إذا افترضنا أن فلسطين نهر كبير، فإن أي فصيل أو مؤسسة أو شخص فلسطيني، ينبغي أن يرى نفسه جدولاً يصب في هذا النهر، سواء كان جدولاً كبيراً أو متوسطاً أو صغيرا، لكن المصيبة تكمن عندما يرى الجدول أنه النهر كله!

أدعو المثقفين الفلسطينين، وأدعو المناضلين، وأدعو زملائي الأسرى الذين يمتلكون قاموساً وطنياً وإنسانياً مشتركاً أكبر وأثرى من قواميس فصائلهم الضيقة، أدعوهم ليس إلى محاربة الفصائل بل إلى محاربة “الفصائلية”، ومحاربة التعصب، ومحاربة نزعة الأنانية المفرطة وإقصاء الآخر، ومحاربة من يعتبر نفسه النهر كله بدل أن يرى نفسه جدولاً.

إن الانجذاب إلى المصلحة الفصائلية والحزبية الضيقة والشكلية، في قضايا الرتب والرواتب والمناصب والوظائف، بدل الانجذاب إلى المجتمع والشعب والأهداف الوطنية العليا والانجذاب إلى القانون والدستور ووضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، إنما يعد فشلاً سياسياً وإداريا وأخلاقياً.

ننشر الرساله كامله التي وجهه الدكتور والاسير والمنضل المحرر والجريح المناضل عدنان جابر

رسالة مفتوحة إلى السيد الرئيس أبو مازن
وإلى السيد عيسى قراقع وزير شؤون الأسرى والمحررين
وإلى من يهمه الأمر
من ينصفني وينتصر لكرامتي؟
د.عدنان جابر*
أكتب لكم من القهر، ومن الإصرار على العيش بكرامة، كفلسطيني وأسير سابق وجريح ومبعد وكاتب وأكاديمي لم تسعفه هذه الصفات حتى الآن، في أن تقيه وتقي زوجته وأطفاله من ذل الحاجة، في الحياة، وبعد الممات.
أود أن أعلم حضراتكم، بأنني كمناضل لا أَمُنُّ على الله، أو على شعبي، لأنني ناضلت وجرحت وسجنت وعانيت وأبعدت وتشردت، لكنني أحفظ لنفسي الحق في الصراخ، ولذلك أعرض أمامكم بعض الأمور الشخصية المتعلقة بي، من أجل الفهم والتفهم، ولكي يكون ما أطالب به واضحاً ومبرراً:
1- في 5 حزيران 1969، وكان عمري 17 عاماً قمت بطعن ثلاثة جنود إسرائيليين أمام الحرم الإبراهيمي في الخليل بسيخ كباب صنعته في المدرسة المهنية، وأصبت برصاص الحاكم العسكري الإسرائيلي وجنوده في رقبتي وقدمي اليسرى التي لا يزال فيها حتى الآن 60 شظية من رصاص “الدمدم” المتفجر، والجرح فيها بعد مضي 42 سنة لم يلتئم. وقضيت في سجون الاحتلال سبع سنوات ونصف ثم تم إبعادي من سجن بئر السبع إلى الأردن بتاريخ 29-11-1976. ومن قبيل الدعابة أطلق علي بعض زملائي من الأسرى لقب “عدنان السيخ” فأقول لهم: نعم، ولكن سيخ فلسطين وليس سيخ الهند!
أما ما هو بعيد عن الدعابة، فقد تم اعتمادي كمتضرر برتبة نقيب من قبل منظمة التحرير الفلسطينية، براتب 150 دينار وبعد سنوات طويلة أصبح بعد الزيادة العام الماضي 250 دينار، في المقابل هناك العديد من الأشخاص تم اعتمادهم برتب عالية تصل إلى عميد، وبرواتب عالية جداً، وهم لم يخدشوا جندياً إسرائيلياً، ولم يقدموا للوطن، ولا يمتلكون الكفاءة التي أمتلكها، أنا وأمثالي.
2- في 9-9-1998، قامت المخابرات الأردنية بترحيلي عن الأردن، بعد أن تدخلت لمنع تثبيتي في وظيفة محاضر في كلية العلوم التربوية التابعة للأونروا في عمان ــــــ المقابلين، وصادرت جواز سفري الأردني، ولم تكترث بالرسالة التي رفعها رئيس رابطة الكتاب الأردنيين السيد فخري قعوار لرئيس الوزراء آنذاك السيد فايز الطراونة للتدخل لمنع ترحيلي عن البلاد، وكل ذلك لأنني رفضت أن أبيع نفسي وأعمل مخبرا، ولأنني أؤمن بأن من يبيع نفسه مرة، يمكن أن يبيعها مرة ثانية وثالثة… وقد غطت الصحافة هذا الموضوع في حينه، وقمت مجدداً بإيضاحه في مقال نشرته في صحيفة “العرب اليوم” الأردنية بتاريخ 1-5-2011 تحت عنوان: حبة الرمان الشهية ورحيل مارسيل الفاجع.
وأكشف أمامكم واقعة لا يعلمها سوى القلة من الناس، وهي أنني بعد ترحيلي من الأردن، وكنت في وضع مالي صعب، قمت بشراء عربة خضار من سوق الهال في دمشق، وعملت بائع خضار في سوق التقدم في مخيم اليرموك، لمدة يوم واحد فقط، يوم واحد لأن قدمي المليئة بالشظايا، تورمت والتهبت من الوقوف ومن الحر الشديد، ما اضطرني إلى الذهاب للطبيب الذي أخبرني أن عليَّ أن أرتاح لمدة أسبوع دون أن أمشي على قدمي كي لا يسوء وضعها ويؤدي ذلك إلى بترها، وهكذا تم بتر فرحتي بأن أمر في هذه الصيرورة: كيف يتحول دكتور في الفلسفة إلى بائع خضار!
3- في بلغاريا، صوفيا، يوم السبت الساعة الواحدة ظهراً الموافق 26 تموز2008 اختار ابني مارسيل عدنان جابر، وهو في الرابعةِ والعشرين من العمر، أن يُتوِّج نجاحه في السنة الرابعة والأخيرة في الجامعة، بالقفز من الطابق السادس. كان على وشك التخرج من الجامعة، لكنه فضَّل أن يخرجَ من الحياة!
استدنتُ مبلغاً من المال كي أشتري بطاقة الطائرة وأسافر من سورية إلى بلغاريا، لأودع ابني وأدفنه هناك. وقلت لنفسي الثكلى: لم يَكْفِ يا عدنان أنك فقدت ابنك وهو في عز شبابه، بل إنك دفنته في الغربة، ودفنته بالدَيْن!
4- في شهر أيار 2011، فازت قصتي “عظام أمي” بجائزة تقديرية في مجال “القصة الصحفية” في “مسابقة العودة” التي نظمها “مركز بديل” (المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين) في بيت لحم. لم أفرح لهذا الفوز “التقديري” ونيل الدرع الذي استلمته نيابة عني في حفل التكريم في قصر الثقافة برام الله أختي سامية التي جاءت خصيصاً من الخليل، ولم يكن إحساسي بعدم الفرح نابعاً من عدم إدراك لأهمية المعنويات وأن المال ليس كل شيء، أو أنه كان لدي موقف سلبي أو تحفظ على هيئة التحكيم، بل لسبب خاص ووحيد وهو أنني كنت آمل أن أفوز بجائزة مالية تساعدني في السفر ومغادرة سورية إلى بلغاريا بعد أن ضاقت بي الدنيا لأسباب وتفاصيل لا مجال لشرحها، وبدافع إضافي للسفر وهو السعي لعلاج ابنتي دالية (11عاما) التي ولدت من دون كف في يدها اليسرى، وقد بعت أثاث وأغراض بيتي المستأجر في صحنايا وسافرت بثمنها مع استدانة مبلغ من المال، كي أستطيع أنا وأسرتي استئجار بيت في صوفيا والعيش لبضعة أشهر إلى حين إيجاد عمل، أو بزوغ بقعة ضوء في لوحة السواد!
على ضوء ما تقدم، فإنني أطلب منكم يا سيادة الرئيس الأخ أبو مازن، ويا سيادة الوزير والزميل الأخ عيسى قراقع، ويا من يهمهم الأمر ما يلي:
1- توفير وظيفة لي في إحدى السفارات الفلسطينية في أوروبا أو العالم، فأنا فضلاً عن شعوري بعدم الإنصاف في قضية الرتب والرواتب التي تحدثت عنها سابقاً، أشعر بعدم الإنصاف في قضية الوظائف. فعدا عن تاريخي النضالي الذي يعرفه الكثيرون، لدي شهادة أكاديمية وكتب وأبحاث وأربع لغات(العربية، الإنجليزية، البلغارية، والعبرية) وهناك بعض العاملين في السفارات الفلسطينية في العالم لا يعرفون لا الإنجليزية ولا لغة البلد الذي يعملون فيه، وحتى لغته العربية ضحلة وركيكة، كما أن هناك العديد من العاملين في السفارات الفلسطينية لا يهمه سوى الراتب الذي يتقاضاه، أو العمل في التجارة، وقد اعتاد أن يكون موظفاً أو دبلوماسياً في سفارة، وهو لا يعنيه، بل ليس مؤهلاً لخدمة فلسطين وقضيتها وثقافتها.
وما يضفي على طلبي هذا من المشروعية والإصرار على الإنصاف هو الشعارات التي يرددها العديد من المسؤولين الفلسطينيين عن ضرورة الوقوف والتضامن مع الأسرى وقضاياهم، خلف القضبان وما بعد خروجهم من السجن، فأنا أسير سابق وأطالب بأن يتم تطبيق هذه الشعارات على الأسرى، وأنا واحد منهم، في الرتب والرواتب والمناصب والوظائف، فعلاً وعلى أرض الواقع.
2- إذا لم يكن بالإمكان تعييني في وظيفة في إحدى السفارات الفلسطينية في العالم، فإنني أطالب بالإنصاف بأن يتم اعتمادي برتبة وراتب يتناسب مع مواصفاتي النضالية والعلمية والثقافية وغربتي وظروفي الاضطرارية، أسوة بالكثيرين من أمثالي، وغير أمثالي!
ألفت عنايتكم الكريمة إلى الحقيقة المرة التالية: بعد الانفجار الدامي الذي حدث في غزة في شهر يونيو (حزيران) عام 2007 بين فتح وحماس، والذي أضرنا وفضحنا، وانعكست آثاره المؤلمة على شعبنا وأسرانا، عانينا وما زلنا نعاني من معادلة استقطابية سخيفة هي: فتح حماس، حماس فتح. وقد فرح شعبنا بالتوقيع على المصالحة بين هذين الفصيلين الكبيرين في شهر أيار (مايو) 2011، لكن هذا التوقيع لم ينعكس في أرض الواقع حتى الآن، ما جعل قطاعات من شعبنا وخاصة الشباب يمارسون الاحتجاج والضغط لإنهاء الانقسام وإزالة الاحتلال وإعلاء شأن الأهداف الوطنية.
إنني كمناضل وأسير وكاتب فلسطيني أصارحكم القول بأنه في خضم العدد الكبير للفصائل الفلسطينية، والتي يصعب على أي عجوز فلسطينية أو طفل فلسطيني تعدادها وحفظ أسمائها، فإن حزب فلسطين هو الأضعف بين هذه الفصائل، كما أن علم فلسطين هو الأقل حضوراً بين بحر الأعلام الفصائلية. إذا افترضنا أن فلسطين نهر كبير، فإن أي فصيل أو مؤسسة أو شخص فلسطيني، ينبغي أن يرى نفسه جدولاً يصب في هذا النهر، سواء كان جدولاً كبيراً أو متوسطاً أو صغيرا، لكن المصيبة تكمن عندما يرى الجدول أنه النهر كله!
إن ما أود قوله في هذا المقام، وما أحذِّر منه هو ضرورة عدم إدخال أسر الشهداء والأسرى والجرحى في معمعان الانقسام الفصائلي، وعدم إهمال حقوقهم أو تطنيشها أو تأجيلها، لأن أجرة البيت وأفواه الأطفال والدواء وكرامة الإنسان واحترام آدميته أمور لا يمكن تطنيشها أو تأجيلها.
ومع احترامي للفصائل الفلسطينية كافة، واحترامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي “أعلنتُ” انضمام “منظمة السيخ” إليها في سجن عسقلان عام 1970 (منظمة السيخ التي “تتألف” قاعدتها وقيادتها من شخص واحد هو عدنان حافظ جابر الذي قام بعمل فردي ضد الاحتلال) واحترامي الكبير للرفيق ربحي حداد “أبو رامز” ابن نابلس (جبل النار) الذي علمني الفلسفة على أوراق علب السجائر في سجن عسقلان قبل أن أتعلمها وأنال شهادة الدكتوراه في بلغاريا والذي استشهد في البلدة القديمة في نابلس خلال الاجتياح بتاريخ 6-4-2002، فإنني في الوقت ذاته أجيز لنفسي أن أضع أمامكم هذه الحقيقة المرة:
إذا كان كثير من المناضلين، وأنا واحد منهم، لم يعودوا إلى الوطن لأن “تنظيماتهم” لم تهتم بهم أو لم تبذل مساع كافية لعودتهم، ولم يكن عدم عودتهم بسبب رفض سلطات الاحتلال لعودتهم، إذا اعتبرنا هذا واقع وحقيقة، فهذا يعني أن العودة بهذا المعنى وهذه الصورة تحتاج إلى “واسطة”، والمؤسف في هذا المقام القول أنه ليست “العودة إلى الوطن” فقط تحتاج إلى “واسطة”، بل إن مسائل تعديل الرتبة وزيادة الراتب والحصول على منصب أو وظيفة تحتاج هي الأخرى إلى “واسطة”. يجب أن يتبناك تنظيم، أو مسؤول ما، أو أن تقوم بحملة علاقات عامة من مسح الجوخ والقطن والصوف والحرير، أو أن تكون ضمن “كوتة” ومعادلات فصائلية حتى تمشي أمورك، وتكون من المحظوظين!
إنني أعلن أمامكم، أنني ومنذ سنوات، ولأسباب تتعلق بقناعات سياسية وثقافية، ولأسباب صحية وعائلية شخصية، ليس لي وضع حزبي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (وليس هناك من يسأل أو يبالي!)، وأعتبر نفسي من “حزب فلسطين” أو ممن يطلق عليهم “المستقلون”، مستقل عن الأحزاب والفصائل وليس مستقلاً عن فلسطين وقضيتها وهمومها.
والسؤال هو: ألا يمكن أن أنال حقي ويتم إنصافي إلا إذا كنت منضوياً حزبيا وجبهوياً وحركياً وفصائلياً ضمن الأحزاب والجبهات والحركات والفصائل الفلسطينية القائمة؟
إن الشعب الفلسطيني أكبر من فصائله، وعلم فلسطين أكبر من أعلام الفصائل، والفلسطينيون خارج المنظمات الفلسطيينة أكثر كثيراً من الفلسطينيين الأعضاء في داخل هذه المنظمات، والمجتمع المدني أكبر من مجتمع الحزبيين والمناضلين السياسيين.
إنه لبؤس شديد، أن لا ينال مناضل أو أسير أو كاتب فلسطيني حقوقه ويتم إنصافه، إلا إذا كان جرماً في فلك فصائلي، أو مقرباً من نجم سياسي، أو قريباً لمسؤول كبير، أو ماهراً في التملق “ومسح الجوخ”!
كيف سننتقل من إدارة الثورة إلى إدارة الدولة، وكيف سنمتلك ثقافة الدولة، وكيف سنتوجه إلى الأمم المتحدة وإلى المنابر الدولية وإلى العالم إذا لم نحسن التوجه إلى أنفسنا وشعبنا ومناضلينا وأسرانا ووطننا وشتاتنا؟!
أدعو المثقفين الفلسطينين، وأدعو المناضلين، وأدعو زملائي الأسرى الذين يمتلكون قاموساً وطنياً وإنسانياً مشتركاً أكبر وأثرى من قواميس فصائلهم الضيقة، أدعوهم ليس إلى محاربة الفصائل بل إلى محاربة “الفصائلية”، ومحاربة التعصب، ومحاربة نزعة الأنانية المفرطة وإقصاء الآخر، ومحاربة من يعتبر نفسه النهر كله بدل أن يرى نفسه جدولاً.
إن الانجذاب إلى المصلحة الفصائلية والحزبية الضيقة والشكلية، في قضايا الرتب والرواتب والمناصب والوظائف، بدل الانجذاب إلى المجتمع والشعب والأهداف الوطنية العليا والانجذاب إلى القانون والدستور ووضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، إنما يعد فشلاً سياسياً وإداريا وأخلاقياً.
إنني مع إيماني بالله، ومع إدراكي بأن اليأس ترف لا يناسبني، فإنني أرفض أن أكون ضحية الجغرافية السياسية، والقسمة بين داخل وخارج، أو القسمة بين من هم أعضاء في الفصائل وبين من هم مستقلون أو خارج هذه الفصائل.
أعرف يا سيادة الرئيس أبو مازن، ويا سيادة الوزير الأخ عيسى قراقع، ويا أيها المعنيين بهذا الأمر، أنني لو كنت في داخل الوطن لما كان وضعي هذا الوضع، ولكنت قد عوملت مالياً بكثير من الإنصاف كأسير وجريح، وربما لكنت دكتوراً في إحدى الجامعات الفلسطينية مثل زملائي الذين درسوا معي، أو كنت موظفاً في وزارة أو مؤسسة فلسطينية ما، أخدم من خلالها شعبي، لكن ليس ذنبي أن الاحتلال أبعدني إلى الأردن، وأن المخابرات الأردنية حاربتني في عملي وجواز سفري وأبعدتني إلى سورية، وأنه لم تتح لي فرصة، مثل آخرين، للعودة إلى الوطن، وأنني غادرت سورية مقهوراً ومضطراً إلى بلغاريا، التي أجد فيها (بسبب غلاء المعيشة وراتبي المحدود) مشقة كبيرة في دفع إيجار بيت وإعالة أسرتي.
أجل أيها الإخوة، لو كنت داخل الوطن لما كابدت ما أكابده الآن، ولتقبلت عن طيب خاطر ما يقوله الشاعر التركي ناظم حكمت: أن تكون سجيناً في وطنك خير من أن تكون إمبراطورا في المنفى، ولما فكرت منذ الآن، وقد قارب عمري الستين، أحمل شظاياي وعكازي وعقلي، أين وكم سيكون ثمن قبري في أوروبا، لأنني داخل الوطن سأتمدد بجانب عظام أمي، هناك في تراب الخليل.
الشهداء والأسرى والجرحى قيم وطنية، ويستحقون هم وذويهم الاحترام والرعاية والاهتمام. وأنا أسير وجريح حصل أنني لم أستشهد في 5 حزيران 1969 دفعة واحدة، لكنني منذ ذلك التاريخ وحتى هذه اللحظة أستشهد ببطء!
الشهداء والأسرى والجرحى لا يتوسلون ولا يتسولون، وأنا لا أتوسل ولا أتسول. أضع أمامكم وجعي ونزيفي وقهري ونقدي، طالباً الإنصاف والانتصار لكرامتي.
* كاتب فلسطيني، أسير سابق ومبعد، يقيم الآن في بلغاريا
adnanjaber13@hotmail.com